النمذجة في ما بين العلم والفلسفة

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 10 / 4

وبالنتيجة ظهرت لنا فلسفة العلوم ونظرية المعرفة والأبستمولوجيا دليلا على انتشار هذه العلوم في أرجاء أوروبا بصفة عامة وفي بقية العالم بنسب متفاوتة وتطبيقات لها في الصناعة والتكنولوجيا بنسب أيضا متفاوتة ما أدى في الأخير إلى تعدّد الاختصاصات العلمية وإلى تعدّد الاختصاصات في كل علم على حدة ما تسّبب اليوم في ظهور فلسفة النمذجة أو " نظرية النظم" بكاملها و التي صارت تبحث من جديد في لمّ شمل هذه العلوم المتكاثرة المتجدّدة وردّ الكثرة إلى الوحدة كما كان هدف الفلسفة دائما مهما تنوعت مذاهبها البحث عما وراء الحوادث المستجدة للتنسيق بينها وإحداث التوازن بين مكوناتها في نظرية متكاملة .
في هذا الزمن الحالي الذي تتهيأ فيه بقية شعوب العالم إلى الانتقال الديمقراطي لابد للفلسفة إذن من أن تنزل إلى الشارع وتدخل المقاهي والنوادي الثقافية المختلفة وتبسّط من أسلوبها في الحوار والمناقشة حتى تستطيع أن تشارك مباشرة في تغيير العالم كما يرى ماركس ولا تبقى مكتفية فقط بتفسيره وتساعد الناس على هضم الأفكار الجديدة ، هذه الأفكار التي ترقى بالبشر إلى مستو أعلى من الإنسانية يتعايش فيه الجميع بروح من المحبّة والتسامح والاحترام المتبادل في إطار مجموعة القيم الكونية المتفقة عليها كل الأمم والتي وُضعت ( في إعلان عالمي لحقوق الإنسان صادر عن الأمم المتحدة ) لتكون أساسا في التعامل والتفاعل وتبادل المصالح والمنافع في الحاضر وفي المستقبل والتحرّر شيئا فشيئا من ربقة تلك التقاليد والمواضعات البالية التي خلفتها فينا العهود السابقة من العصر الوسيط ولا يزال البعض من مواليه من المتعصين لعاداته و تقاليده وموروثه الثقافي يتوارثونها إلى حد هذه الساعة والذي كان الناس فيه يتمسكون بمبادئ كانت نتيجة لمعارف وهمية تعوّدوا عليها وتوارثوها هم أيضا عمن سبقهم مع مرور الزمن دون ما الكثير من التفكير والتدبر (ومن شب علي شئ شاب عليه ) إلا من رحم ربك فغيّر ما بنفسه فغير الله ما به.
وكنتيجة لكثرة تفاعل الفلسفة مع الواقع عبر جميع هذه الحقب وطول التأمل فيه ماضيا وحاضرا يمكن القول بأنها اليوم قد شاخت و هرمت ولم تعد قادرة على الاهتمام كعادتها بالقضايا الإنسانية الكبرى بقدر ما صارت مهتمّة بأبنائها وبناتها من العلوم المختلفة ونماذجها المتعدّدة، تبحث في أصولها وفروعها ومصادرها وأهدافها ونتائجها لتقييمها وتقويمها عند الحاجة ولهذا تحوّلت إلى ما صار يُعرف اليوم بالأبستمولوجيا أو فلسفة العلوم في مفهومها العام وكأنما لم يعد لدينا اليوم مثل تلك الإشكاليات العامّة في حياتنا و التي كنا في السّابق نحسّ بالحاجة إلى التفكير فيها ومعالجتها في حين أن تلك الإشكاليات الكبرى التي لم نعد نبالي بها اليوم قد اتّسع مجالها وتعاظم شأنها في حياتنا وإن بأشكال مختلفة إلى درجة أننا لم نعد نحسّ بها مباشرة لا لقلّة أهمّيتها في حياتنا وإنما بتأثير الهامشية التى أصابتنا والتي أوقعتنا فيها أخيرا هذه العولمة التسونامي المدمرة. ولا ريب في أن مثل هذه الفلسفة في غاية الأهمية هي أيضا بالنسبة إلى ما يجرى اليوم في العالم خصوصا من حيث عنايتُها بضرورة الحدّ من شوكة تلك العلوم وصلافتها أحيانا عند استعمالها في الصناعة والتكنولوجيا سلاحا ضد الإنسانية وأداة للهيمنة على شعوب العالم قاطبة، وتتحوّل من نعمة كنا ننتظرها إلى نقمة هالكة بالقضاء علينا وتحطيمنا.
الفلسفة إذن في حاجة دائما إلى المراجعة :
أليس هذا مما يدعونا إلى إعادة النظر في الفلسفة بصفة عامّة وبجديد اهتماماتها والتحاور معها بخصوص مدى إهمالها لتلك القضايا الإنسانية الكبرى والهامة والتى لا نستطيع في الحقيقة التفرغ منها أبدا وليس ظهورُ هذه العلوم العديدة وفروعها ونماذجها المتعددة بقادرة- كما يعتقد البعض – على إيجاد الحلول لها بل بالعكس من ذلك قد زادت في تضخيمها وتعقيدها وتسببت لنا في مشاكل أخرى عديدة غيرها لعلّها أشدّ خطورة من سابقاتها كالهامشية واللامبالاة واللاانتماء وتدهور الروح الإنسانية في العالم و العودة بنا إلى الوحشية والبهيمية المتطرفة وإلى احتراف الجرائم المبرمجة والمنظمة ضد الإنسانية قاطبة من مثل الإرهاب والجماعات المتطرفة وعودة الصراعات الطبقية في أعنف مظاهرها ... الخ . و كنتيجة لكل ذلك كانت هذه العولمة تلتهم كل ما يقوم في طريقها لإصلاح ما فسد ولا تعترفُ لأية مجموعة بشرية بأن تقوم بذاتها أو تُحافظ على خصوصياتها المميزة لها وهذا آخر ما أفرزته لنا عملية صنع النماذج والقوالب الجاهزة في الفكر وفي العلوم البحتة وفي الصناعات والتكنولوجيات وبالخصوص في الإيديولوجيات والأديان المختلفة والسياسات المعاصرة ما كاد أن يقطع على الفكر الحر مواصلة الطريق في الخلق والإبداع وكأنما بلغنا بصناعة النماذج الكثيرة هذه الحد الذي سينقلب بنا إلى الضد ويحرُمنا بالتالي من تحقيق وضع لنا مستقر يعيش فيه الجميع في حياة باهية ،آمنة مطمئنة .