الصهارة بدأت تغلي

مشعل يسار
2018 / 9 / 30

كتبت صحيفة "زافترا" الروسية في شأن حادثة طائرة الاستطلاع الروسية "إيل-20" فوق المتوسط إن صناع القرار المؤثرين في مجال اتخاذ القرارات غالباً ما يكونون يحملون الجنسية الإسرائيلية وربما ليس اللوبي الإسرائيلي واحداً من جماعات الضغط الشديدة النفوذ، بل هو الأقوى نفوذاً في روسيا. من ناحية أخرى، لا يحمل ممثلو الجيش الروسي (ولا الإسرائيليون) جنسية مزدوجة. لذا ينشأ السؤال: هل كانت هناك بين 17 و 24 سبتمبر معركة أجهزة بين القوى الموالية لإسرائيل في السلطة الروسية والجيش الروسي؟ كيف يمكننا أن نتخيل يا ترى ما الذي يفكر به النفر العادي في الجيش الروسي: "نحن نموت في سوريا، بما في ذلك من أجل مصالح الأوليغارشيا النفطية، والكثيرون منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية. نحن ننفذ خططا ما غامضة للحكومة التي تعمل بناء على وصفات النظام المالي العالمي، والذي نعرف من يسيطر عليه، وفي هذا الوقت تقتلنا إسرائيل! إلامَ كل هذا؟ ". لقد تأثر الفخار العسكري لدرجة أن الامتعاض الخافت تحول إلى فعل ظاهر. هل نستطيع أن نقول إن جيشنا هو من أجبر القيادة السياسية في الأسبوع الماضي على اتخاذ الخطوات التي أعلنها شويغو؟
في هذا السياق قيّم الجنرال المتقاعد ورئيس معهد الشؤون الجغراسياسية ليونيد إيفاشوف ما حصل بالقول:
مقتل عسكريينا في 17 سبتمبر / أيلول حصل بالضبط لأن اللوبي المؤيد لإسرائيل في روسيا كان يورط العسكريين الروس في شكل معين من الأفعال لا يتوافق مع المهام التي تنفذها القوات المسلحة الروسية في سوريا. أولاً، إن جملة كاملة من الاتفاقيات الموقعة في وقت سابق وحتى في أثناء النزاع في سوريا كانت مهينة لنا. انظروا، لقد وقعنا اتفاقية في عهد وزير الدفاع سرديوكوف بشأن تبادل المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل. فما هي البيانات التي يمكن أن نعطيها لإسرائيل يا ترى؟ بطبيعة الحال، هي بيانات عن سوريا، عن إيران، عن تركيا والدول العربية. عن تلك المناطق والبلدان التي هي عدوة لإسرائيل. أي أننا كنا بالفعل نقوم بدور الخدم.
وهناك أيضا الاتفاق على التعاون العسكري التقني. لقد حجبنا حتى عن إيران صواريخ S-300، على الرغم من أن وزارة الدفاع أيدت تسليمها هذه الصواريخ بموجب العقد الموقع. وذكرت وزارة الدفاع أنه سيتم تسليم صواريخ S-300 إلى الجمهورية العربية السورية. ثم ألغوا هذا القرار أيضا ولم يفعلوا.
ونذكر كذلك كيف تدخلت وزارة خارجيتنا في الوضع العسكري الإستراتيجي، عندما اتخذ الجيش قرارات مشتركة مع الحكومة السورية والقوات السورية في شأن شن هجوم (على إدلب). في هذا الوقت، جاء اتصال هاتفي من كيري بلافروف، فتوقف الهجوم، واستخدم هذا كل من المسلحين وإسرائيل والولايات المتحدة وأتباعها.
بالطبع، ازداد السخط والاستياء في القوات المسلحة وحتى في القيادة العسكرية من مثل هذا التدخل في قضاياهم المهنية. ازداد ضغط الصهارة فاندلع البركان. والآن نسمع أن القادة العسكريين الحقيقيين المسؤولين عن الأعمال العسكرية وعن حياة مرؤوسيهم أبدوا روح مسؤولية تجاه الشعب والدولة. وقد تجسد ذلك في بيان 24 سبتمبر، الذي كان على القائد الأعلى للقوات المسلحة (الرئيس بوتين) أن يوافق عليه.
انظروا أول تصريح لوزارة الدفاع الروسية حول هذه المأساة: "إسرائيل دولة معادية". وها هو الرئيس الروسي يقول مباشرة بعد اتصال نتنياهو به إن هذه "سلسلة من الحوادث المأساوية". وهذا يعني بوضوح لفلفة الأمر. علاوة على ذلك. عندما ترتكب دولة معادية عملاً عدوانياً ضد طائراتنا تصحبه وفاة أخصائيين بارزين، يفترض اتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية على الفور. بادئ ذي بدء، كان من الضروري وقف السماح بالدخول بدون تأشيرة لمواطني إسرائيل. لأن نظام الدخول بدون تأشيرة يكون عادة مع الدول الصديقة، وليس مع دول معادية. وكان يفترض تعليق عدد من الاتفاقيات، بما في ذلك تلك التي تحدثت عنها. ولا أعتقد أن الجيش هو من اتفق مع إسرائيل على التعاون على منع الحوادث في الجو، فوق أرض سوريا. أي أن هذا الترتيب كان من شأنه أن يسمح للإسرائيليين باختراق المجال الجوي السوري، وتوجيه الضربات، أي ارتكاب أعمال عدوانية. أما نحن فيقوم أحدنا فقط بإخطار الآخر وبالتنسيق معه، إلخ. أنا متأكد من أن هذا لم يكن من فعل الجيش.
وها هو الجيش يقول الآن كلمته، لكن الاحتفال بالنصر لا يزال بعيداً برأيي. فاللوبي المؤيد لإسرائيل متغلغل، في الواقع، في جميع الهياكل الإدارية للاتحاد الروسي بالإضافة إلى وسائل الإعلام، وكذلك بالإضافة إلى الأوليغارشية، إلخ. لماذا يحدث هذا؟ هل المواطنة المزدوجة هي السبب؟ حسنا، دع الأوليغارشيين من الجنسية اليهودية يحصلون عليها. لكني أحاول أن أجد علاقة سببية أعمق: لماذا يوجد اللوبي المؤيد لإسرائيل ولماذا نحن "نترقوص" أمام نتنياهو؟ الحقيقة هي أن ثروات أولئك الذين هرّبوا في بناطيلهم المليارات إلى الغرب في الليالي الدامسات يتم القبض عليهم وعلى ملياراتهم اليوم. أما إسرائيل فيمكنك دائما أن تخفي فيها رأس مالك. بالمناسبة، فرّ إلى هناك عدد من الأوليغارشيين والمسؤولين لدينا. والإسرائيليون لا يقومون بتسليم أبناء ملتهم. في هذا الصدد، أذكّر القارئ بالآتي: قبل شهرين، حطت طائرة تقل الأوليغارشي أبراموفيتش في مطار "بن غوريون" في زيارة فورية، حيث حصل هذا على حق المواطنة (على الجنسية الإسرائيلية) على الفور ثم سافر بعيدا على متن طائرته. وكان قد طرد طرداً من لندن، في الواقع. أبعدوه على الرغم من أنه كان قد اشترى هناك نادي تشلسي، ووضع المليارات في بنوكها. لذا فإن إسرائيل تشبه ملاذاً للغالبية من المسؤولين الفاسدين المرتشين السارقين، ملاذاً للأوليغارشيين الذين يضخون من روسيا، ليس فقط النفط، بل الدولارات، احترازا لما إذا حدث شيء ما عندنا. وهذا الـ"شيء ما" سيحدث لا محالة.
إذا كانت وزارة الدفاع الآن ستصر على قرارها، وستنصب كل ما خططت لنصبه، بما في ذلك الـC-300، وستنشئ بالتالي نظام دفاع جوي موحداً مع القوات السورية المسلحة (النظام الآلي، ونظام التدابير الإلكترونية المضادة)، فإن هذا النظام سيكون فعالا حقا. لكن سيكون من الضروري أيضا اتخاذ خطوة جادة أخرى. سيكون على وزارة الدفاع أن تطرح أمام القيادة العليا مهمة أن "تحدد الغرض من وجودنا في سوريا؟" فإما نحن هناك نغطي أنفسنا فقط ونبقى في موقع الدفاع عن النفس، وإما ننفذ التزاماتنا بموجب اتفاق مع الجمهورية العربية السورية فنردع أي عدوان عليها أرضاً وجواً وبحراً. أي نفي بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة "حول حق كل دولة في الدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً". فنحن لم نعد متواجدين هناك لنغطي أنفسنا أو لنهاجم الإرهابيين فقط، نحن ندافع عن دولة صديقة بالتعاون معها، ونقوم بالدفاع الجماعي عن الجمهورية العربية السورية. ثم بشكل غير مباشر عن أنفسنا. ولا نهتم البتة بتهديداتٍ ما يطلقها ليبرمان وغيره.
لقد صرح ليبرمان بعد رسالة شويجو بما معناه أننا "قصفنا وسنقصف بعد". يمكنهم أن يقصفوا طبعاً، ولكن حتى لحظة تكبدهم أولى الخسائر الجسيمة. بالمناسبة، في تاريخ العلاقات الإسرائيلية العربية كانت هناك لحظات كهذه. راحوا يسقطون طائراتنا، وبالجملة، ولكن عندما نصبنا هناك صواريخ "Shilka"، إذا لم أكن مخطئا، خسر الإسرائيليون في أول غارة لهم 11 طائرة. ومذذاك استحقوها وراحت السكرة وجاءت الفكرة في طرفة عين، فتوقفت تحليقاتهم على الفور، وبدأوا يفكرون ملياً في الأمر، ويتوجهون إلى موسكو، إلخ. هذه هي الطريقة التي ستكون هنا فعالة، إذا تصرفنا بحزم وطبقا لمعايير القانون الدولي المتضمَّن في ميثاق الأمم المتحدة. نعم، سوف يبدأ الصراخ والعويل وتسميتنا بشى الأسماء غير الحميدة، وهذا أمر طبيعي. لكن كل التحليقات ستتوقف على الفور. من الضروري عدم الاتفاق على أي "تفاعل في سماء سورية"، بل الاتفاق على احترام اليهود لسيادة الجمهورية العربية السورية وعدم اختراق مجالها الجوي أو البحري أو الأرضي.
لقد كانت هناك في الواقع معركة جدية في الكواليس الأسبوع الماضي، وكانت الغلبة في هذه الجولة للجيش. والمعركة سوف تستمر. هنا حيث تتعرض سيادة روسيا للخطر. فإما نقدم عصا الطاعة لنتنياهو وساعتئذ ستستمر تعيينات المسؤولين وكل شيء آخر معتمدة على هوى ومشيئة اللوبي الإسرائيلي. وهو ما قاله ليفشيتس مؤخرا من أرض إسرائيل. ففي عام 1996، تم تعيينه نائبا لرئيس الوزراء ووزيراً المالية في روسيا. ثم تجمع الأوليغارشيون حوله إثر ذلك وقالوا له: "هاك قائمة بما يجب عليك فعله. لا قرارات مستقلة، لا تعيينات. فقط من خلالنا. جئنا بيلتسين إلى السلطة، والآن هذا بلدنا نحن". ورداً على سؤاله: "وماذا سيحصل لي إذا لم أفعل هذا؟" - قالوا له إنه لن يكون وزيرا ونائباً لرئيس الوزراء، هذا كل شيء. لقد كان مثل هذا التأثير من جانب إسرائيل والولايات المتحدة على سياستنا الداخلية والخارجية المتعلقة بسياسة التوظيف في المراكز الحساسة.
نأمل أن يتحول هذا الروبيكون الآن، إن شاء الله، ليضحي في مصلحتنا، في صالح المصالح الوطنية. الأسبوعان القادمان مهمان للغاية، لأن هذه هي المهلة التي أعلنها شويغو. بعد هذين الأسبوعين، إذا تم تسليم نظام S-300 والأنظمة الأخرى التي أعلنها وزير الدفاع إلى سوريا، فسيكون من الصعب سحبها من هناك. سيكون ثمة على ما يبدو في هذين الأسبوعين صراع خطير بوجه خاص. وعلى الأرجح، لا في مكاتب الكرملين. ففي الكرملين، نادراً ما يتواجد الآن الرئيس وعلى الأخص رئيس الوزراء. سيكون هناك شيء ما وراء الكواليس، في مكاتب مجلس الدوما، في الوزارات. سيحاولون العثور على بعض آليات التصدي، وسيبحثون في قرار وزارة الدفاع عن أحكام لا تفي بالمعايير القانونية أو بأي شيء آخر. سوف تكون أمريكا حاضرة هناك، بما في ذلك ترامب. ورأس المال الكبير سوف يتحرك هو الآخر. آمل ألا تكون لدى وزير دفاعنا سيرغي شويغو وزملائه ودائع وعقارات في الخارج. لكن أولئك الذين لديهم مثلها، ويؤيدون قرار وزارة الدفاع، لن يذوقوا طعم الراحة البتة، إذ سنرى في ما سنرى عمليات اعتقال وتفتيش وعقوبات وفرض حظر على الحق في مغادرة البلاد. كل هذه الترسانة ستتحرك. وستدلي، بالطبع، وسائل إعلامنا الميمونة بدلوها. انظروا مثلا إلى موقف إذاعة "صدى موسكو" الليبرالية التي لا تزال حية ترزق بفضل المال الذي يأتيها من "غازبروم" ويعلفها علفاً لا بأس به. وكانت غازبروم قد أعلِنت من قبل على أنها "ثروتنا الوطنية". وهكذا سنرى كل هذا. وإن المعركة لمستمرة.
يجب علينا أن ندعم الجيش حتى يفوز الجيش في المعركة اليوم وليس فقط يحمي مصالح الأوليغارشيين، ويحقق لهم الربح، بل لكي يفعل شيئاً لأجل رفعة وسؤدد دولتنا. من الضروري إخراج شعبنا من الحالة المؤسفة التي نحن فيها. أتذكر كيف بدأ يصدح النشيد الوطني الإسرائيلي في الساحة الحمراء في عرض النصر عام 2018. من الضروري الخروج من هذه الحالة المهينة.
ويجب أن يتذكر يهودنا من مواطني روسيا كيف تعاملهم إسرائيل. فالمئات منهم (أكانوا سياحاً أو من بين أولئك الذين لديهم تصريح بالإقامة) يتم ترحيلهم وإذلالهم ولا تقدم لهم المساعدة، بما في ذلك الرعاية الطبية. لأن يهودنا هم في الأساس أدنى مكانة. فهم "ليسوا من السفارديم" كما يقولون في إسرائيل. لقد تحدث إلي المغني السوفياتي الروسي الشهير يوسف كوبزون المتوفي حديثا كثيراً عن هذا (وهو الذي، بالمناسبة، لم يُسمح له بدخول إسرائيل بسبب مواقفه).
سيكون على الحزب الشيوعي الروسي بادئ ذي بدء، وعموما على الحركات المعارضة، أن تقدم كل الدعم لجنودنا، لمجموعتنا في سوريا، لوزارة الدفاع. يجب إدخال القرارات الأخيرة لوزارة الدفاع في التداول السياسي، لجذب الناس إلى ذلك. الجيش هو جيش الشعب، ويجب ألا يخدم مصالح الأوليغارشيا، وشركات النفط والغاز والبنوك فقط. تحدثنا عن هذا في اجتماع الضباط لكل روسيا. لكن المؤسسة العسكرية كمؤسسة تابعة للسلطة، تعبر عن نفسها هكذا لأول مرة كمؤسسة دولة. الحمد لله، كما يقولون، أن الجيش ما زالوا يصغون إلى رأيه. لقد عانى الجيش هو أيضا من الإذلال حين تم تعيين سرديوكوف على رأسه (وزيرا للدفاع)، ولدى تعيين ما سمي "الكتيبة النسائية" في قيادة القوات المسلحة، إلخ. لقد صبر كثيراً. لكن للصبر حدوداً.
جريدة "زافترا" بتاريخ 20/9/2018