زحمة يا دنيا زحمة (1972 - 2018.)

محمد حسين يونس
2018 / 9 / 29


((زحمة و تاهوا الحبايب .. زحمة و لا عدش رحمة .. مولد و صاحبة غايب . .. هاني شنودة ملحن و أحمد عدوية مغني)).
في ذلك الوقت كان عدد سكان مصر يدور حول 35 مليون نسمة ... و كان عدوية يشتكي من إنها زحمة . الان بعد حوالي 45 سنة ..تضاعفنا ثلاث مرات و أصبحنا نقترب من ال100 مليون .. ترى ما رأى الفنان!!.
مصر كأرض مأهولة و خدمات و إنتاج طعام .. تستطيع أن تستوعب ما لا يزيد عن 40 مليون نسمة .. فإذا ما تضاعف العدد دون أن تتضاعف الخدمات و تتسع الرقعة المستخدمة فلا بد أن تجد زحمة في الشوارع و المواصلات و المدارس و الجامعات و المستشفيات و الاسواق و المولات ..بمعني أن الطلب يزيد بمرتين عن العرض فيصبح السوق جنة التاجر .. بضائع سيئة بأسعار مرتفعة .. تحصل عليها بعد صراع ..أو تذهب إلي كومباوندات ومولات الاغنياء .. و تحصل عليها بأسعار فلكية.
و في نفس الوقت ينخفض سعر البشر ..سواء في الاجور أو مستوى الخدمات أودرجة الاهتمام و الحرص علي كرامة المواطن
فحتي لو كان مهندسا أو طبيبا أو محاميا أو محاسبا . ستسمع من صاحب عمله الأستاذ الجامعي أو وكيل لة بلطجي ((إللي مش عاجبة الباب يفوت جمل )) وهو يتحدث مع زملاء لهم نفس درجته العلمية و قد يفوقونه علما . و هو واثق مثله مثل الميكانيكي أو الفران أو السباك أنه سيجد في السوق من يقبل بالاجر الارخص و العناية الاقل وساعات العمل الاطول ..و ان منتج مؤسسته الاسوأ سيجد من يشترية
في مجتمع الازدحام تدفع الكثير لتشترى الفاسد و الحامض و السيء .. سواء كبضاعة أو خدمات .. خصوصا لو كانت خدمات إحتكارية مقدمة من دولة الفتوات الذين يفرضون أسعارهم علي المستهلك مهما كان مغالي فيها .. فتصلك مياة بطينها و كهرباء متقطعة و مجارى طافحة.. و تدفع كارته لتمر في الشارع وتركب مواصلات شديدة الازدحام ..وتقف بالساعات لتستخرج ترخيص أو بطاقة .. و تموت علي الرصيف حتي تجد طبيبا في مستشفي حكومي .. و يتم تجميع الاطفال في فصول دراسية ضيقة سيئة التهوية يكدس فيها أضعاف ما هو طبيعي في أماكن التعليم في العالم
منظر فصول الطلاب و الطالبات في الايام الاولي للدراسة المنتشر صورة علي الفيس بوك .. منظر محزن و بائس ..و لا أعتقد أن هؤلاء التلاميذ سيحصلون علي أى درجة من درجات العلم أو فهم المنهج أو حتي السلوك القويم بينهم و بين بعض أو بينهم و بين المدرسات و المدرسين
إسلوب إدارة دولة مزدحمة بالسكان يختلف عن الإدارة التقليدية للدول محدودة العدد .. إن لم تكن الحكومة المصرية قادرة علي تعليم هؤلاء الاطفال بشكل إنساني فعليها أن رفع أيديها عن تدميرهم وتترك الامر لمن يستطيع
لو كنت في مكان متخذ القرار .. لجعلت التعليم الذى تتولاة الدولة متناسبا مع الميزانية الخربانة التي تستهلكها فوائد و أقساط الديون .. أى من سن القبول حتي الحصول علي الاعدادية .. ما بعد ذلك تتولاه مؤسسات المجتمع المدني . .. مدارس الابتدائي ،الاعدادى ، الثانوى ،الفني ، التجارى و مقرات الجامعات الحكومية و المعاهد الازهرية .. ستصبح مخصصة للتعليم الاساسي .. المدرسين الذين ستدفع الحكومة لهم مرتباتهم .. هم الذين سيقومون بالتدريس في مراحل التعليم الاساسي فقط
بذلك ستزيد عدد الفصول المتاحة حتي لا يستوعب أى فصل أكثر من عشرين طالب يجلسون في أماكن نظيفة جيدة التهوية .. و يتناولون وجبتان أحدهما ساخنة .. و يزاولون الرياضة و أنواع مختلفة من الهوايات و الفنون .. و ينتهون من واجباتهم المدرسية في المدرسة بحيث لا يطلب من الاهل أن يقدموا أى مساعدة لتعليم الابناء
الاطفال سيزورون المتاحف و يرتبطون بالطبيعة يزرعون و يتجولون و يراقبون الطيور و الزهور و يغنون .. و يرقصون .. و يختلطون بعضهم ببعض و يتنافسون .. تنافسا صحيا .. يعيد صياغة مفاهيمهم حول الحياة و العالم .. لن ندرس مادة إسمها الدين و سنستبدلها بمادة إسمها إنجازات البشرية لنخرج مواطنين و ليس متدينين متصارعين
الدراسة بعد الاعدادية ستكون في إتجاهين .. أحدهما مهني ..ستساهم الحكومة في دعمة ماديا و الاخر ثانوى .. سيكون علي صاحبة دفع كامل نفقاته
عندما راجع الدكتور عبد المحسن طه بدر مسودة كتاب لي كلفة الناشر بتقديم تقرير عنه بدأ حديثه معي بأنني متصور أنه لا يوجد من هو علي وعي و فهم غيرى .. و ((لكن في الحقيقة هناك كثيرون مثلك و أفضل منك في بعض الاحيان .. كل الموضوع أنكم لا تعرفون بعضكم بعضا ..)) ثم أضاف (( أنت لن تغير العالم منفردا مهما كان علمك و قدراتك علي الفهم و التشخيص فمد يدك لمن هم علي خطك لتعملوا معا )).. لقد تفهمت ما قاله الدكتور و لازلت مؤمنا به و لكن للاسف لم أعثر علي من أشار إليهم حتي بدأت الكتابة علي صفحة الحوار المتمدن و الفيس بوك ليصبح لي اصدقاء نتبادل الاحاديث و الافكارالجادة أو المربكة في بعض الاحيان.
نعم كنا زمان نسمع أن ((مصر ولادة )).. و نشير إلي البعض من الرموز التي هاجرت و تفوقت بالخارج.. و في الغالب هي(اى مصر ) لم تعدم بعد مفكريها و علمائها المتخصصين .. و لكن للاسف .. لا يكرم نبي في وطنه .. وزامر الحي لا يطرب.
يقول البعض أنني أنشر الطاقة السلبية بأحاديثي هذه ..و لكنني عندما أفحص طاقتهم الايجابية التي إستوردوها من الهند وبلاد تركب ألافيال .. اجد أنها مثل دجل الحواة في الموالد .. و ((شربة الشيخ محمود تنزل حنشة و دودد )) ((و بص بص فين السنيورة )).. لقد تحولت الأماكن إلي باعثة للطاقة و تحول الأشخاص ليصبحوا أشبه بالمجاذيب وعبرت الأفعال والاحاديث عن بلادة .. و أنانية .. و محاولة للهروب من المعركة .. و التوافق مع البيئة الضارة غير المواتية ما دامت بعيد ةعن ملابسهم الداخلية
كان من الممكن إدارة ملف الثروة بصورة أكثر ثباتا من تلك التوصيات التي فرضتها علينا دول مسيطرة علي البنك الدولي و صندوق الدين و حلفائهم من الرأسمالية الرثة .. بحيث يوضع في الاعتبارتناقص الامكانيات و حجم المتغيرات في الجغرافيا و التاريخ و التزايد السكاني الذى صاحب تحسن ونجاح مقاومة الاوبئة و الامراض و المجازر و الحروب و الفيضانات و القحط و الموت جوعا
لو كان في بلدنا 0.5%من سكانها عقلاء فهذا يعني 500000 مواطن من الذين يستطيعون تبين الحق من الضلال فيما نعيشه من فوضى وتحول المجتمع إلي غابة لا يتوقف فيها الصراع و النهب الذى سيؤدى بطبيعة الحال إلي كوارث بيئية و إجتماعية و سكانية تعوق أى تقدم مأمول .و لما تركنا الحبل علي الغارب للنظام ليستدين في سبع سنوات 2.5 ترليون جنيه
الوضع الذى ثار علية الشعب في 2011 أصبح الان نعمة زالت بعد التدهور غير المسبوق الذى حدث للإقتصاد المصرى بسبب أن ملف إدارة الثروة لم يجد الاهتمام الكافي من الذين يعلمون و تم إهدار الامكانيات في إنشاء المنتجعات الفاخرة و حفر الصخر في جبل الجلالة ..و مد الطرق و إقامة الكبارى و الانفاق و تشييد مساكن للقادرين علي دفع الملايين
الاهتمام بحماية الاغنياء و المترفين و عزلهم و إسعادهم في كومباوندات أوروبية الطابع .. بعيدا عن الشقيانين من أبناء الشعب.. يصخبون هناك و يقيمون الحفلات و يرتدون علي الموضة ..هي مشاريع ذات عائد إجتماعي معدوم .. و إقتصادى ضعيف
دارة ملف الثروة لدى من يعلم له توجهات أخرى تتصل بتغيرحدث للتركيبة السكانية منذ 1972 لقد أصبحت تركيبة صحية شابه بمعني أن الاغلبية (عكس أوروبا ) من الشباب و الاطفال الذين في حالة توجيههم التوجيه الرشيد سيكونون إضافة حقيقية لسوق العمل و الانتاج
لذلك فإن أفضل إستثمار للمستقبل كان إنقاذ هذا الجيل من براثن الاهمال و الضياع و التشتيت و الاستعباد
إستثمار الشباب يكون بعزله في مدارس محترمة و أندية لا تباع فيها المخدرات علنا و منتديات صحية و إعلام واعي يقوم بإعادة تشكيل قيمه و توجهاته و أفكاره بحيث ترتفع قيمة العمل المنتج و تحمل المسئولية .. و تتوارى قيم السمسرة و الخداع و الاتكالية المصاحبة للطاقة الايجابية المدعاه لدى الفاشلين
الاستثمار في رياض الاطفال و التعليم الالزامي هو الامل في الخروج من مستنقع الجهالة
لو أن النقود التي أنفقها النظام و الاسمنت و الحديد و الجهد الذى بذل في صب هذه الخرسانات و شق الطرق و فرد الاسفلت بذلت لإقامة مخططة لتجمعات عمرانية متصلة بالبيئة لإستثمارها فإن العائد من صيد الاسماك و التعدين و إستصلاح الاراضى كان سيكون أفضل للجميع من منتجعات الجلالة الفاخرة التي ستنعي من بناها بعدم إستخدامها ..أو إقامة أضخم جامع و أكبر كنيسة و أفخرماسة و أعلي مبني ..لن يشغلها البشر قبل ثلاثين سنة في أفضل الاحوال ..إن كل ما نسمع عنه من أجهزة البث و الدعاية أضغاث أحلام لا تزيد
إن تدمير 27 محلج قطن و إستبدالها بالاستثمار العقارى .. خير مثال علي مدى العبث في إدارة الثروة بمصر
إن التصريح لمعاهد تحت السلم بتخريج 40 الف مهندس سنويا .. هو نموذج أخر للعبث
إن مضاعفة الطلاب في الجامعات .. ثم جعل أقسام منها بالمصروفات لأبناء القادرين .. دنائة و سخف لا يقوم به إلا المحتالين
إن ما يتحفنا به أكيلة العيش المتنورين من تصريحات تتناقض مع ما سبق و دونوه عن تعليمات صندوق الدين و الوضع الاقتصادى المشرق .. هو الفساد الذى يجب أن نحذرة
و مع ذلك علينا ألا نتصور أن مثقفينا و علماؤنا أصبحوا كلهم أكيلة عيش.
ما سبب فرقة المثقفين فيما بعد السبعينيات .. و عدم قدرة العلماء علي إستكمال أو توصيل أبحاثهم و علمهم .. نوسع الموضوع .. هل فنانينا كانوا قادرين علي الابداع و التفاعل خارج إطار و نفوذ الوسطاء والوصاة .. لماذا يطفو علي وجه المجتمع مثقفين و فنانين و علماء من النماذج الانتهازية قليلة الموهبة محدودة الوعي ..و تشيع بين الناس قيم أقرب للفوضى و التخلف و العبط و الغباء .. بالطبع لن أذكر أسماء و لكن منذ الانفتاح الاقتصادى في منتصف السبعينيات .. لم نر(فيما عدا تحفة شادية و سهير البابلي ريا و سكينة ) إلا فنا هابطا و نماذج سخيفة و قيم منحطة .. بقياسات شخص عاصر فن الستينيات .
الواقع أن الفن و العلم و الثقافة .. و قد نقول سلوكيات التحضر كلها قادمة من نفس الماعون .. فإذا كان يحتوى علي فسيخ و كشرى و كرنب .. فلا تنتظر أن تشم رائحة الياسمين .. أو تذوق طعم المارون جلاسية .
عندما بدأت أعي ما حولي كان من حظي أنني عاصرت رواد مثل سلامة موسي و طه حسين ..أقرأ لهم و يتشكل وجداني من خلال الفلسفة و العلم الذين بشروا بهما .. عندما بدأت أهتم بالفن .. كنا في الستينيات .. حيث ثروت عكاشة .. و طموحاته .. ورؤيتة المعاصرة للفنون بجوار ثقافتة الموسوعية .. لقد كان بإستطاعتنا رؤية و سماع الفنون الكلاسيك العالمية في دار الاوبرا قبل حرقها .. و مشاهدة أفضل عروض الرقص الشعبي علي مسرح البالون .. و متابعة المسرح العالمي علي مسرح الطليعة .. و إبداعات المصريين علي مسرح الحكيم و القومي .. عالم شديد الثراء إذا أضفت له السينما المبهرة المحلية أو المستعارة من السوق العالمي .. و الموسيق و الاغاني المتوافقة مع المجتمع و إفرازاته الفنية التي تتمتع بالموهبة و التدريب و القدرة علي جذب أذن المستمع من خلال الراديو أو الاسطوانه .
شباب الستينيات ابدعوا شعرا و رواية و قصصا قصيرة و مسرحا و موسيقي ..ودراسات و خرجت منهم أجيال مثقفة و متربية .
في مصر كانت هناك مراكز للبحوث (حقيقية ) تدرس و تقدم حلولا و يتخرج منها ثقاة عندما هاجر بعضهم كانوا أطباء و علماء و مهندسين في قمة العطاء و الابداع . كان عددنا محدود .. و مدارسنا مناسبة لنا وجامعاتنا ثلاثة أو أربعة جامعات أوروبية الطابع يتخرج منها مثقفون نابهون .. ومستشفياتنا تقدم خدمة حقيقية .. و كل منا يتعلم حسب كفاءته و قدرات تحصيلة وليس حسب قدرات أهله المادية .
ومع ذلك لم تكن الحياة وردى كما غنت سعاد حسني ..لقد كانت هناك مراكز قوى .. تشكلت من الموظفين العموميين و بتوع الامن .. و التنظيم الطليعي .. كل يتلف و يدمر جزء من الروضة .. ما يهمنا هنا هم .. موظفي وزارتي الاعلام و الثقافة.. الاولي أمتلكهم جهاز مخابرات (صلاح نصر و معاونيه ) و صدرت عنهم كوارث بعضها جرائم أخلاقية خصوصا تجاة الممثلات و الاخرى (الثقافة ) سيطر عليها (محمد حسنين هيكل ) بواسطة الاشتراكيين الجدد خريجي معتقلات عبد الناصر بعد تدجينهم فأرادوا صبغ المجتمع بفكرهم و تصوراتهم و مراجعاتهم المنهجية .
واصبح الفنان أو المثقف علية أن يتحرك في حقول الغام كثيفة حتي الكبار منهم و المشاهير أنا لن أذكر أسماء .. فأنتم تعرفونهم جميعا ..أما العلماء .. فاصبح لا لزوم لهم .. و من يريد أن يهاجر الباب يفوت جمل .. لقد توقف حلم من الابرة للصاروخ .. و حلم توليد الطاقة النووية و السير في إتجاه إنتاج قنبلة ذرية.. و حلم صناعة السلاح بأيدى مصرية ..و حلم صناعة طائرة .. أو سيارة محترمة .. أو التخطيط المركزى من أجل أفضل إستخدام للثروة .. و سقطنا في متاهة حرب اليمن .. ثم بلاعة 67 .
الثقافة التي وعيت عليها .. إنمحت تماما في نهاية السبعينيات تحت وقع مطرقتين .. أحدهما تتصل بلقمة العيش و المكسب السريع .. وهذا كان له رواده و مريدية إلتصق كل منهم بكرسي في مؤسسة صحفية أومنصب في وزارة الثقافة .. ثم بني لنفسة كشك .. يبيع و يشترى بإسلوب شيلني و أشيلك .. ثم أصبح النجم الذى لا يريد أن يلمع نجوم أخرى حوله و إمتلك القصور و الاراضى و الاموال بشتي الطرق التي لم يكن بعضها شريفا .. يشذ عن هذا الاستاذ علاء الديب في مجلة صباح الخير .. و هو أول من كتب في بابة (عصير الكتب ) عن روايتي (( خطوات علي الارض المحبوسة )) دون أى معرفة شخصية .
و المطرقة الثانية الهجوم السلفي المدعم بأموال السعودية و الخليج ..علي البسطاء و محدودى الثقافة و التعليم .. من رواد و محبي شرائط الشيخ كشك .. و من تلاه من تجار الدين الذين أصبح كل منهم نجما يلعب بالفلوس لعب .
الموظفون و المشايخ .. أنهوا حالة النهضة التي لم تكتمل .. فتحول المسرح إلي الفودفيل و إستعراض أجساد الحسناوات ..و السينما إلي ميلودراما من نوع ( إنت غمتني يافريد ) التي قالها السادات .. و خرج علينا من التلفزيون نماذج من أكيلة العيش ممثلين من خريجي أكاديمية الفنون ولكنهم أقرب للارجوزات .. بجوار عازفين من الكونسيرفتوار خلف (عالمة) أو الذين يقدمون عروض البالية الراقصة في الكباريهات .. لقد إنحطت الثقافة لتناسب ذوق الذى يمتلك ثمن تذكرة المسرح .. و سقطت في يد المغامرين ..من أصحاب الاكشاك و الناشرين الهواة النصابين .. الذين إمتلأت بهم الساحة .. و أخرجت المطابع الخاصة زحمة من الكتب تضاف إلي ما تنتجه هيئة الكتاب ليتوه الثمين وسط الغثاثة .. و يسقط بالتجاهل و الصمت
نعم عندما تولي المبارك بعد إغتيال سلفة ..كانت الثقافة .. و الفنون و العلوم ..التي نعرفها (فيما عدا بعض كتب القراءة للجميع ) قد أصبحت في خبر كان ..و أصبح المثقف المعترف به في مجتمعه هو الذى يتكلم باللغات الاجنبية و يسافر للخارج .. و يعرف كيف يعقد الصفقات .. و يحتمي بمظلة أولي الامر في تبادل مصالح مشترك .
في ذلك الزمن .. كان من الممكن أن تنظر حولك فتجد من كانوا في عرفك من المثقفين .. ينسحبون واحدا خلف الاخر و يراكمون الملايين حتي (نجم القادم من العدم) كان حسابة في البنك قبل وفاته يتعدى الاصفار السته وذلك من إستخدام سمعة سابقة كونوها أيام مصداقيتهم .. الصادق الوحيد من بينهم (صلاح جاهين ) إنتحر بعد أن وجد أنه برباعياته و أشعارة و رسوماته ساهم في التضليل الذى جعل الحياة الثقافية مخوخه و سقط المعبد .. مع أول ريح .
إنه الصراع و الخوف و التكالب الذى يصاحب الزلازل و البراكين ..أخلاقيات الزحام و محاولات النجاة الفردية
ومع توالي درجات السقوط ..إنزوى المثقفون ولم نعد نسمع عنهم إلا علي الانترنيت و الفيس بوك و الحوار المتمدن .. و
وصلنا بالثقافة للدرك الاسفل من الانحدارعندما أصبح وزير الثقافة شخص لم يكمل في حياته قراءة كتاب واحد
في الزحمة .. لن تهتم إلا بشيئين ..احدهما ألا تسقط فتدهس بأرجل المسرعين .. أو تتنشل و تجرد من أموالك و هويتك .. و أوراقك الرسمية التي ستدوخ لإستخراج بديل لها .. إن السلوك الوحشي المعادى من تجمعات الجماهير حتي في زمن الانتفاضة و الثورة .. يجعل الانسان غير مهتم .. بغير سلامته.
أخلاق الزحام .. لا تختلف عن سلوكيات البشر في مواجهة الكوارث .. تسونامي أو زلزال أو إنفجار بركان ..أو وباء سارى قاتل ..و مع ذلك فعندما حل تسونامي وزلازل و إنفجار نووى باليابان .. لم يتخل الياباني عن سلوكه المرتب المتحضر و كنت تشاهد طوابير بطول كيلومترات لبشر ممسكين بأوعية فارغة لكي يحصل كل منهم علي نصيبة من الماء النقي .
.. لماذا لم يحدث هذا للامريكان عندما إنقطع التيار الكهربائي .. أو للفرنسيين .. عندما حرقوا الاطارات و قاوموا الحكومة أو للمصريين عندما ضعفت قبضة الشرطة بعد أحداث 2011 .. لان الياباني يثق في زميلة و عداله من يوزع .. و أنه سيأخذ نصيبه دون هلع أو بانيك ..بينما الامريكي أو الفرنسي أو المصرى يرى أن قبضة الامن عندما تخف فهذه هي الاشارة الخضراء لممارسة الفوضي
في الزحام يعيش البشر يحكمهم الخوف .. الخوف من الجباة و العسكر و الشرطة و البلطجية .. وأصحاب النفوذ .. و العقارب و الثعابين البشرية التي تحيط بك و لا تكشف عن هويتها .. و يتوقف العقل عن العمل و تسود روح القطيع الذى تسيره غرائزه إحتماءا من التواجد الفردى حتي لو كانت هذه الحماية ستكلف صاحبها حريته .. و كرامته و حياته ...أما الياباني ( في الغالب جنوب شرق أسيا ) فلديهم ثقافة ..تقول أن الخوف مشاعر بشرية يتم مقاومتها بالشجاعة .. و مزاولة الشجاعة ترتفع بها إلي الحدود القصوى التي تصل إلي درجة الاتيان بالمعجزات .. فتحول الخوف لديهم إلي تحدى لإعادة البناء و ليس اللطم و طلب النجدة و المعونة و الاعتداء علي الغرباء .
مع مجتمع الزحام في بلاد تعيش الرعب و الخوف و الحذر و عدم الثقة في الاخرين و تفتقد إلي الشجاعة ..من الافضل أن تكون شبحا .. غير مرئيا غير محسوسا .. لا يعرفون لك عنوانا أو مكان عمل أو رقم بطاقة أو حساب في البنك أو حساب علي الانترنيت .. و أن تتعامل بأسماء وهمية .. بعيدا عن يد الحكومة و جباة الحكومة .. و رجال الحكومة .. الذين يتدخلون في كل مرحلة من مراحل وجودك من الميلاد حتي الدفن ...و هكذا نشأت سوق بير السلم والاقتصاد الموازى أو الخفي أو غير الرسمي في مصر .
أغلب من كونوا ثروات تصل إلي المليارديرات من الاشباح .. غير معروفين .. ينهبون في صمت .. و يقتلون في صمت .. و يتحركون في صمت ..و يسمسرون في صمت ، ويرتشون في صمت .. و لا تعرف بوجودهم إلا عندما تجد أن جيبك قد خلي .. بينما أبناؤهم ينفقون الأموال المنهوبة بسفه .
في مجتمع الزحام .. أما أن تكون معتدى أو مغلوب علي أمره ..و قد يكون المعتدى من الذين لا يجدون عشاؤهم مثل ما يحدث في قرى الصعيد ضد القبط .. و لكنه منضم ضمن عزوه أو جماعة أو عصابة تحمية و تساعدة .. وتعينه علي الاثم و العدوان .. و الاثم في الزحام لا يتوقف .. مخدرات و دعارة و نصب .. و سرقة بالاكراه و رشاوى .. أتاوات و ضرائب و رسوم .. و كل ما تتخيله من منكرات.. حتي بيع اعضاء الاجساد البشرية و الاستعباد الجنسي للأطفال و التحرش الواضح و المستتر .
الزحام مع التعليم الجيد و التدريب المثمر .. يؤدى إلي حالة كوكب اليابان أى الرخاء و المسئولية ..أما الزحام عندما تصحبه الجهالة .. فلابد أن ينتج عنه ديكتاتورية و غفلة قوقية و دينية ..وهكذا أصبحنا بعد 45 سنة من 1972
((مصر كأرض مأهولة و خدمات و إنتاج طعام .. تستطيع أن تستوعب ما لا يزيد عن 40 مليون نسمة .. فإذا ما تضاعف العدد دون أن تتضاعف الخدمات و تتسع الرقعة المستخدمة فلا بد أن تجد زحمة في الشوارع و المواصلات و المدارس و الجامعات و المستشفيات و الاسواق و المولات ..بمعني أن الطلب يزيد بمرتين عن العرض فيصبح السوق جنة التاجر .. بضائع سيئة بأسعار مرتفعة .. تحصل عليها بعد صراع ..أو تذهب إلي كومباوندات ومولات الاغنياء .. و تحصل عليها بأسعار فلكية)).
ومع دولة بوليسية قمعية لا تستغني عن قانون الطواريء تسوس به القطيع ، هل تنتظر أن تحصد إلا الفاقة و الديون و الفوارق الطبقية الواسعه ..!! أم تنتظر ((تحول الخوف لشجاعة .. ومع مزاولة الشجاعة ترتفع تدريجيا إلي الحدود القصوى التي تصل إلي درجة المعجزات .. فتحول الخوف إلي تحدى لإعادة البناء)) .