رموز من قش..و أبطال من ورق

محمد حسين يونس
2018 / 9 / 1

المقطع التالي من موسوعة وول ديورانت يعبر عن جانب من الاسباب التي كادت أن تصبح قانونا لما آلت إليه الاوضاع في مصر منذ أن غزاها قمبيز الفارسي .
((كان خليقاً بمصر أن تكون أسعد بلدان الأرض قاطبة، لأن النيل يرويها ويغذّيها، ولأنها أكثر بلاد البحر الأبيض المتوسط قدرة على الإكتفاء بخيراتها- فهي غنية بالحب والفاكهة، وتنتج أرضها ثلاث غلات في العام، ولم يكُن يعلو عليها بَلَد آخر في صناعاتها، وكانت تصدر الغلات والمصنوعات إلى مائة قطر وقطر، وقلما كان يزعجها ويقلق بالها حرب خارجية أو أهلية. ولكن يبدو أن "المصريين" برغم هذه الأسباب- أو لعلّهم لهذه الأسباب- "لم ينعموا بالحرية يوماً واحداً في تاريخهم كله" على حد قول يوسفوس. ذلك أن ثروتهم كانت تغري بهم الطغاة أو الفاتحين واحداً في إثر واحد مدى خمسين قرناً من الزمان كانوا فيها يستسلمون لأولئك الطغاة والفاتحين .))
القانون الآخرالذى إستمر لا يختلف او يتعدل عبر العصور هو أن رجال الدين (الذين كانت لهم دائما السيطرة علي الشعب بخرافات يتداولونها كما لو كانت حقائق ) مثلوا دائما عناصرالطابور الخامس الذى يمهد الارض للطغاه ويمكنهم من الاستيلاء علي السلطة والنفوذ والاموال.
في الاجزاءالتالية .. سيكون الحديث عن رموز القش التي رفعناها لمصاف الارباب .. و الكهنة الذين خدعوا الشعب دوما مهما كانت البردة التي يرتدونها .
فعلوا هذا مع قمبيز (( ملك الفرس ابن الملك قورشٌ الذى غزا مصر سنة 525 ق.م وحكم لمدة 4 سنوات لقب خلالها بالألقاب المصرية القديمة مثل ملك الشمال والجنوب وابن رع واتخذ لنفسه لقب حورس موحد الأرضين ليعطى لحكمه أمام الشعب صبغة مصرية يحيطها كهنة هليوبليس و منف بكل إجلال و تقديس .. وخداع . ))
وفعلوا هذا مع الاسكندر (( خرج الكهنة لاستقباله عند البوابة وصاحبوه حتى معبد آمون (بسيوة ) وعلى بابه وجد الكاهن الأكبر يدعوه أن يدخل إلى الصومعة الداخلية لكى يستشير آمون بنفسه إكراما لشخصه ومكانته ولما خرج بدا عليه السعادة والرضى ولما سأله رفاقه بعد ذلك عما حدث رفض ان يبوح بشيئ من هذه الأسرار وأعلن أنه لن يبوح بها إلا لأمه)) لقد قالوا له أنه إبن آمون ليصبح لقبه المفضل لخداع المصريين ،( نفس السيناريو الذى فعله نابليون في نهاية القرن الثامن عشر بعد ذلك ).
وهكذا بني إبن آمون الاسكندرية علي النمط اليوناني لتصبح فيما بعد في عهد خلفاءه من البطالمة عاصمة الحكم ((وقد نعمت مصر بالأمن والخير فى ظل حكم البطالمة الأوائل، حتى عصر "بطليموس الرابع"، كما ازدهرت الحضارة الهلينستية بها، وصارت مدينة الإسكندرية أعظم مدن العالم القديم في ذلك الزمن))...((ثم ضعفت بعد ذلك دولة البطالمة بسبب ضعف ملوكها وتعدد ثورات المصريين ضدهم. مما أغرى روما الى المزيد من التدخل فى شئون مصر الداخلية )).
مر علي حكم بلدنا الالاف من الولاة و الملوك والسلاطين و الرؤساء الذين لم نعد نذكرهم أونتذكرمراحل تواجدهم التاريخي وأصبحوا نسيا منسيا .. حتي القريب منهم .. فمن منا يعرف الحقير عباس حلمي الاول إبن محمد علي ..الذى أغلق المدارس و المعاهد والغي البعثات التي أنشأها والدة مدعيا أن حكم شعب جاهل أسلس و أسهل ..ومن يذكر السلطان حسين كامل (إلا إذا زار مسجد الرفاعي حيث دفن ) الجشع الذى كان لا يشبع من مراكمة الاموال و القصور و الاطيان و العزب .
في العصر الحديث لم تستفد مصرحضاريا من أى حاكم ولد علي أرضها لقد كانوا في أغلبهم جهلة بإصول الحكم و أساليب قيادة أمه مستعمرة لقرون تهدف إلي التخلص من التخلف و تطمع في الصعود أو فلنقل والصمود .
لقد أطل أجدادنا علي الحضارة الخارجية من خلال الاغراب الغزاة نابليون و محمد علي واللورد كرومر فتم في زمانهم كسر الحوصلة التي حبس الشعب فيها نفسه ليرى البعض منهم بصيص من نور المعرفة والتقدم ..و يتحركون بعيدا عن أساليب حياة القرن الثامن عشر و ظلم المماليك و السلاطين العثمانيين و تداول الأحاديث المسطرة في كتب الكهان صفراء .
((أرسل انطونيوس الرسل الي كليوباترا يدعوها للمثول بين يديه في طرطوس لتجيب عما إتُهِمَت به من مساعدتها كاثيوس علي جمع المال و الجنود و جاءت كليوباترا في الوقت الذى إختارته وعلي الطريقة التي إختارتها فبينما كان أنطونيوس يجلس علي عرشه في السوق العامة ينتظر منها أن تحضر وتدفع عن نفسها التهمة ..ثم يقضي لها او عليها ركبت هي نهر سندس في قارب ذى أشرعة أرجوانية وسكان مذهب ومجاديف من فضة تضرب الماء علي أنغام الناى والمزمار والقيثار وكانت وصيفاتها هن البحارة ولكن في زى حور البحر وربات الجمال ..اما هي فقد تزيت بزي زهرة فينوس ورقدت تحت سرادق من قماش موشي بالذهب .
ولما انتشر بين أهل طرطوس النبأ أقبلوا علي شاطيء النهر زرافات ووحدانا لمشاهدة هذا المنظر الفتـّان وتركوا أنطونيوس وحده جالسا علي عرشه .
كليوباترا دعته علي العشاء معها في قاربها فأقبل عليها ومعه حاشيته الرهيبة فاولمت لهم وليمة فاخرة وقدمت لهم أشهي أنواع الاطعمة والشراب وأفسدت القواد بما قدمت لهم من هدايا و إبتسامات .
لقد كانت في التاسعة والعشرين مكتملة المفاتن وهكذا أمام سحرها و ذكائها بدأ حديثه معها يلومها وإختتمه بأن أهدى لها فينقية و سوريا الوسطي وقبرص وأجزاء من قليقلة و بلاد العرب و اليهود )).
الكميتيون القدماء كانوا أهل زراعة و تحضر .. يحترمون الارض و البشر وما عليها من الكائنات التي تشاركهم الحياة في بلدهم (كيميت ).
و كانوا يقدسون كل مظاهرالطبيعة وبالخصوص النيل فلا يلوثونه كجزء من عقيدة أمنوا بواسطتها بأنهم سيحاسبون علي أفعالهم بعد وفاتهم أمام محكمة أوزيرس و 44 قاضيا في قاعة (ماعت) نتريت العدل و الاستقامة .
مصر القديمة (كميت ) أخرجت أبطالها مهندسون بنوا الاهرامات وشيدوا المعابد (الكرنك و الدير البحرى و فيلة ) صروحا لازالت قائمة تحدث ..و من مصر جاء النحاتون و الفنانون ..يبدعون ( تماثيل خفرع ، و نفرتيتي ،و رمسيس الثاني )التي لازالت تبهر.. و زاولت علوم الطب و الجراحات الصعبة ..و قدمت الادوية .. و علمت الحكمة .. و أصبح لها رموزا تحج إليهم كلما هانت بها الحياة .. أمحوتب (المهندس الطبيب ) ..الحكماء أمنموبى ،كاجيمنى ، بتاح حتب ، إيبوور وأني و حرنفر الذين لا يقل أى منهم في حكمته عن لاوتسي أو زراديشت أو كونفوشيوس ..ثم وفى منتصف الدولة الحديثة جاء إخناتون بديانته التي بقي لنا منها أدعيته لربه أتن و(أناشيد صلاته التي تقارب مزامير داود في بعض فقراتها ) وفلسفته الفريدة ومدرسة فن واقعية أقرب للحداثة .
المرات المحدودة التي حارب فيها المصريون القدامي كانت حروبا دفاعية .. أو وقائية ..أو تحريرية ..حتي في زمن الامبراطورية الحديثة (الاسرة الثامنة عشر ) بدأ القتال لطرد الهكسوس من الدلتا ثم إمتد لتأمين المناطق التي قدموا منها .
المصرى المزارع حكيما بطبعه و فيلسوفا و عالما وصانعا وليس محاربا معتديا علي الاخرين إنه يفضل الحوارالسلمي لذلك فقد كان الاسهل بالنسبة للحكام الطموحين أوالخائفين أن يستعينوا بالمرتزقة .. وهكذا أصبحت جيوش مصر إبتدأ من الاسرة الثانية والعشرين في كثير من الاحوال جنودها و قادتها مرتزقة يؤجرون من محاربي الاغريق أو الفرس أو اليهود أو الليبيين ثم في زمن تال يتكرر هذا و أصبحوامماليك مجلوبين بواسطة نخاس من تجمعات البدو حول بحر القزوين .. ليطرح هذا الوضع سؤالا هل هؤلاء المرتزقة كانوا في خدمة الشعب يؤتمرون بما هو في صالحه .. لذلك أنفق عليهم ..أم كنا شعب مأسور ومستنزف لخدمة حاملي السلاح .. .
الشعب لم يكن يحارب إلا عندما يرفع غاصبيه من قيمة الضرائب و الجزية و الرسوم .. و يصبح عائد الزراعة لا يكفي لضمان إستمرار حياة الاسرة حتي المحصول التالي وهنا كانوا يقاتلون جنود مبغضيهم بكفاءة و ضراوة لم تمتد لتكون ثورة أو لتكوين مجتمع أفضل .
الفرق بيننا و بين الصين .. أنهم هناك تذكروا تعاليم كونفوشيوس .. و طوروها و أصبحت جزء من تكوين شخصيتهم بينما نسينا نحن حكمة (كاجيمني ) و أبغضناه و أبعدناه ..فظلت الصين صين .. و تحولت كيميت إلي جمهورية عربية متحدة .لقد تم تجريف التاريخ والذاكرة في مصر وتم تميع الحقائق .. لتقبل مثل هذا الشذوذ من الطغاة و الفاتحين و رجال الدين.
((أكتافيان غريم أنطونيوس لجأ (بعد ذلك )الي الخداع الذى هو من أخص خصائصه فأعلن الحرب علي كليوباترا لا علي أنطونيوس ليجعلها بذلك كفاحا مقدسا في سبيل إستقلال روما .))
((وأبحر أسطول انطونيوس و كليوباترا في شهر سبتمبر من عام 32 ق.م الي البحر الايوني ، كان مكونا من 500 خمسمائة سفينة حربية ولم يكن أسطول بهذه القوة قد ظهر علي متن البحر من قبل وكان يؤيده جيش مؤلف من 300000 ثلاثمائة ألف من المشاة 12000 وإثنى عشر ألفا من الفرسان أمدها بمعظمه أمراء الشرق و ملوكه راجيين من وراء ذلك أن تكون هذه الحرب وسيلة للتحرر من نير روما .
وعبر أكتافيان البحر الادرياوى بأربعمائة سفينة وثمانين الف جندى مشاة وإثنى عشر ألفا من الفرسان .
وظلت القوات المتعادية عاما اونحوعام تستعد للمعركة الفاصلة و تضع خططها .
فلما كان سبتمبر عام 31 ق.م إلتحم الجيشان والاسطولان عند أكتيوم في الخليج الامبراسي في معركة من المعارك الحاسمة في التاريخ وبرهن أجريا علي أنه الابرع من أعدائه في وضع الخطط .. و كانت سفنه خفيفة أسهل و أخف حركة من سفائن انطونيوس الضخمة ذات الابراج العالية وقد أحرقت النار هذه السفن إذ ألقي عليها بحارة أكتفيان مشاعل متقدة))..
يصف ( ديوكاسيوس ) ما حدث وقتئذ بقوله :
((و أهلك الدخان بعض البحارة قبل أن تصلهم النار و منهم من نضج لحمه في دروعهم التي إحمرت من شدة اللهب ومنهم من شوته النار شيا في سفنهم وألقي الكثيرون أنفسهم في البحر و من هؤلاء من إلتهمته الحيتان ومنهم من قتلوا رميا بالسهام ومنهم من قضوا نحبهم غرقا ولم يمت من هذا الجيش ميتة محتملة الا من قتل بعضهم بعضا )) .
عبر تاريخ مصر.. كان هناك دائما صراع الجباية بين الحاكم و الشعب .. ..الاول ((من الغزاة أو الطغاه)).. يريد أن يحلب الثاني لأخر قطرة عرق أو كما قال (فوكو) ((إن من يمتلكون السلطة لابد أن يستغلوا شعوبهم إقتصاديا)).. ليستطيع أن يدفع رواتب المرتزقة ويوفر إحتياجاتهم المعيشية ..خوفا من ثورتهم علية،(والامثلة عديدة في موسوعة إبن إياس ) والتي قد تصل في بعض الاحيان للقتل أوالاغتيال والسجن والتعذيب ، ولكي يستطيع أن يكمل توريد جراية الكهان ويسد مطالبهم حتي يداوموا علي الدعوة له في المعابد ويسوقون تابعيهم من المؤمنين لخدمته و ليبني القصور و الملاعب و يقيم الاحتفالات المبهره و يشق الطرق ويسلح رجاله بالخيول والسيوف والدروع .. أما في حالة ما إذا كان هذا الحاكم أحد المبعوثين من قبل الغزاة.. فعلية أن يرسل ما تعهد بجمعه من جباية أموال أبناء البلد والموالي كجزية ورسوم...مهما كانت المظالم التي يرتكبها أو العنف الذى يزاوله ليغطي المقدر عليه تقديمه .
علي الجانب الاخر عادة ما يقوم الشعب بالتهرب من الدفع بكل الوسائل و الطرق .. و منها في الحالات الصعبة ..هجر الارض و التخفي أو الهرب والهجرة .. و في كثير من الاوقات بالعصيان المدني و في بعض الاحيان بالثورة .
المصرى ثار وحارب مستغليه ثلاث مرات وقد تكون أربعة .. في زمن المأمون حيث ثار البشموريون علي الوالي عيسى بن منصور بسبب فرضه لضرائب مبالغ فيها .. و ضد نابليون بعدما زاد علي المصريين من أعباء لإعاشة جيشه المحاصر داخل مصر (ثورة القاهرة الاولي و الثانية ) .. و ضد المعتمد البريطاني السير ونجت (ثورة 1919) عندما غالوا في إستنزاف الشعب من أجل تغطية تكاليف الحرب العالمية الاولي ..ما عدا ذلك .. كانت إنتفاضات أو هوجات ..أوقل تمرد و إنقلاب ..قوبل بعنف من الحكام و مرتزقتهم الذين كانوا دوما ما يتم إعدادهم لقهر اهل البلد بالداخل أكثر من خوض معارك الخارج.
هناك من يعتبر ما حدث في 1952 أو 2011 ثورة رابعة وإن كان البعض يرى العكس وأن في ذلك الزمن كانت هناك بشائر ثورة شعبية ولكنها أجهضت بواسطة إنقلابات عسكرية (اوليجاركية ) تولت تطويع الثوار وإرهابهم .. هؤلاء وهؤلاء لازالوا ينتظرون مع صمويل بيكت (جودو ) و ردود الافعال الناتجة عن تفعيل توصيات صندوق الدين و العمل بهمة لتجريف ما يحصله الجباة من المصريين .
المصرى الذى يدفع لإعاشة مبغضية و جنودهم ..إعتاد علي أن يتم إستغلاله بواسطة أقلية حاكمة تمتلك أدوات القهر و العنف ..ولم يعد يدهشه سرقتهم له ..وإعتاد أيضا أن يرى من يدفع لهم يرفلون في نعيم إنتاجه و خير بلده.. بينما هو مهمش،جاهل ،مريض، معدم يخفي ما يقيم أوده وأسرته ليتناوله سرا بعيدا عن أعين وأيدى الغاصبين... ويحمد الله كل يوم لو مر و لم يلتق بطريق الظالمين.
المصرى إعتاد أن يكره حكامة و يدعوا عليهم سرا و علانية و مع ذلك تكونت لدي البعض ما يشبه (متلازمة ستوكهولم) أدت إلي قناعة لديهم بأن من يتحكمون فيه إنما هم أبطال يحافظون علي أمنه و أمانه وعليه أن يحمي (ولو بقوة القانون) سيرتهم من ألسنه السوء و يرفع صورهم و تماثيلهم في خضوع إلي أعلي القمم رغم أن التاريخ أكد مرارا وتكرارا بأنهم كانوا صروحا مبنية بورق الكرتون تنهارمع الصدام الجاد وتتعرى مع أول فحص محايد و منطقي لدورهم.
وهكذا لا زال المصرى يحمل عاهات زمن الغفلة ويقدس رموزا مخلقة رغم أنها قد تكون خيالات مآتة محشوة بالقش أو متشرد غريب عن الدار مدفون في مقام السيد البدوى أوالمرسي أبو العباس أوعبد الرحيم القناوى ..و بالروح بالدم نفديك يا فلان .
((ورأى أنطونيوس أن الدائرة قد دارت عليه فاشار الي كليوباترا أن تنفذ خطة الانسحاب التي إتفقا عليها من قبل فوجهت ما بقي من أسطولها نحو الجنوب وإنتظرت قدوم أنطونيوس الذى عندما عجز عن إنقاذ السفينة قيادته غادرها وركب قاربا أقله الي كليوباترا . وجلس هو وحده في مقدمة السفينة أثناء عودتهما الي الاسكندرية ورأسه بين يديه فقد أدرك أنه قد خسر كل شيء حتي الشرف .
ترك انطونيوس كليوباترا وأقام في جزيرة قرب فاروس وأرسل منها الي غريمه يطلب الصلح الذى لم يعبأ به و كان يستعد لغزو الاسكندرية رغم أن كليوباترا ارسلت له سرا صولجانا و تاجا و عرشا من الذهب دليلا علي خضوعها له .
وجمعت كليوباترا كل ما استطاعت جمعه من أموال مصر في أحد أبراج القصر ثم أبلغت أكتافيان أنها ستتلف هذه الأموال كلها وتقتل نفسها إذا لم يعقد معها صلحاً شريفاً.
باقي تفاصيل القصة الرومانسية هذه اعفيكم من ذكرها ولمن يريد موجوده في موسوعة ول ديورانت المجلد الخامس من قصة الحضارة الفصل الثالث ((أنطونيوس و أكتافيان )) و لكن ما يهمنا ان أكتفيان جلس علي عرش البطالسة بالاسكندرية وأن الظافر وجد الخزانة المصرية سليمة وفيها من المال الموفور ما كان يحلم به.
(( وهكذا غلب وريث قيصر و ريثة الاسكندر وإنتهي زمن حكم البطالسة .. وإنتصر الغرب علي الشرق وأتمت روما الدورة المشئومة التي وصفها إفلاطون :
ملكية ، فأرستقراطية ، فإستغلال أوليجاركى (أى كل السُلطه فى إيد مجموعه صغيره من ناس )، فديموقراطية، ففوضي ثورية ، فديكتاتورية ))
اما الشعب فقد كان يغني.. كما ذكر أحمد بك شوقي في مسرحية مصرع كليوباترا :
يومنا في أكتيوما.......... ذكره في الأرض سار
إسألوا أسطول روما............. هل أذقناه الدمار
أحرز الأسطول نصرا......... هز أعطاف الديار
شرفا أسطول مصرا......... حزت غايات الفخار
و في الغالب لا زال يغني و هو لا يدرى .. أن كليوباترا إنسحبت بعد أن واجهت بجيوش المرتزقة التي كانت تقودها هزيمة قاسمة.
إستعرت وصف ديورانت لاحداث مصرع كليوباترا بالتفصيل لانه يغنينا عن الحديث عن مفصلين شبيهين في التاريخ المعاصر .. معركة نيفارين البحرية التي خسرها إبراهيم باشا وكانت بداية إنهاء طموحات محمد علي ولم تقم لمصر و جيشها قائمة بعد قبول إنذار الغرب للإنسحاب من الشام ووقف تهديد الباب العالي و خفض عدد القوات و تسليحهم .. ثم معركة يونيو 67 التي أنهت أحلام عبد الناصر في نهضة كان يخطط لها ..و إستسلام خليفته لما أملته علية أمريكا و إسرائيل و إستعذاب السكون و الارتخاء لثلاثة عقود .
الهزائم الثلاث أعقبها إستعمار طويل المدى (بعد أكتيوما ) جاء الرومان(600 سنة ) .. و بعد (نيفارين ) جاء الانجليز(74 سنة ) .. و بعد (67 ) جاء الاستعمار الامريكي بجناحية الوهابي و الاسرائيلي(40 سنة ) ...كل حسب مقاييس زمنه ...و لازلنا نخضع لتوصيات وتوجيهات وتهديدات صندوق الدين ومن يحركه .. ننزح نصف دخل الحكومة ليصب في المجرى الرئيسي لنهر أموال ميليارديرات العالم المتحكمين .
مصر منذ نهاية عصر الاسرات (بإستثناء فترة محدوده في زمن محمد علي ..إستخدمه فيها الباب العالي وجيشه كعصا غليظة يرهب بها مناوئيه) لم يكن لها جيشا من المصريين قيادة و جنودا إلا بعد معاهدة 1936 .
لقد أصر الغرب علي تهميش دورها العسكرى بعد هزيمة نفارين والانسحاب من الشام و حتي عندما سمح بتكوين جيش معاصرفي ثلاثينيات القرن الماضي حرص علي ألا يكون للمواجهات الخارجية بقدر ما هو للحماية الداخلية ..((جيش دفاعي ..لا هجومي ))...

((لم تكن روما تعد مصر ولاية تابعة لها، بل كانت تعدّها من أملاك الإمبراطور نفسه، وكان يحكمها حاكم مسئول أمامه وحده. وكان موظفون من اليونان المتمصّرين يديرون أقسامها الثلاثة- مصر السفلى، ومصر الوسطى، ومصر العليا، ومقاطعاتها الست والثلاثين، وبقيت اللغة اليونانية في ذلك العهد هي اللغة الرسمية- ولم تبذل محاولة ما لتحضير السكان، فقد كانت وظيفة مصر في الإمبراطوريّة أن تكون المورد الذي تستمد منه روما ما يلزمها من الحبوب، ولهذا السبب انتزعت من الكهنة مساحات واسعة من الأرض وأعطيت للممولين الرومان أو الإسكندريين، وجُعلت ضياعاً واسعة يعمل فيها الفلاحون ويُستغَلّون بلا رحمة. وظلت الرأسمالية الحكومية كما كانت في عهد البطالمة، وإن كانت في صورة أخف من عهدها السابق؛ لقد كانت تنظم كل خطوة من خطوات الأعمال الزراعية وتشرف على تنفيذها: فكان موظفون حكوميون يعينون ما يزرع من المحاصيل، ومقدار ما يزرع منها، ويوزعون البذور على الزراع في كل عام، ويستولون على المحصولات ويودعونها في مخازن حكومية يصدرون منها حصة روما، ويقتطعون الضرائب منها عينا، ويبيعون ما يتبقى بعد ذلك في السوق. )).ليبدأ فصل طويل من دفتر إنكسار أهلك يا مصر ..لم يتنازل فيه الحكام عن موظفيهم مطَّرِدو الزيادة و دورهم الذى كان منذ زمن الاحتلال الروماني .
اما بعد
((كان خليقاً بمصر أن تكون أسعد بلدان الأرض قاطبة، لأن النيل يرويها ويغذّيها، ولأنها أكثر بلاد البحر الأبيض المتوسط قدرة على الإكتفاء بخيراتها....ولكن يبدو أن "المصريين" برغم هذه الأسباب- أو لعلّهم لهذه الأسباب- "لم ينعموا بالحرية يوماً واحداً في تاريخهم كله" على حد قول يوسفوس. ذلك أن ثروتهم كانت تغري بهم الطغاة أو الفاتحين واحداً في إثر واحد مدى خمسين قرناً من الزمان كانوا فيها يستسلمون لأولئك الطغاة والفاتحين .))
عندما تقرأ عناوين الشوارع و المرافق في بلاد العالم سوف تجد أسماء مثل نيوتن ، بتهوفن ، مايكل أنجلو ، باستير ، مارى كورى ...فولتير أما أسماء شوارعنا فصيغت لتمجد الغزاة و البغاة ..قمبيز ،الاسكندر ، قيصر ، المأمون ، سليم الاول ،قرة بن شريك ، عبد اللة إبن أبي سرح ..إسماعيل له مدينة ، توفيقلة مدينة ..الخ .. و حديثا إحتكرها الضباط العظام فنجد محور المشير أو الفريق أو اللواء أوالشهيد ..إنها رموزهم و رموزنا ..وأبطالهم و أبطالنا ...و توجهاتهم .. و توجهاتنا .
و مع ذلك فنحن (كمصريين ) باقون رغم قهر دام لخمسين قرنا .. و علي الهم صابرون نحتمل الطغاة و الفاتحين و البغاة.. نتطلع إلي مستقبل لا ندرى متي يجيء.. ترتفع فيه رايات رموزملهمة ساهمت في خروج مصر من مستنقع الاستعمار و الاستغلال ..و يصبح لنا أبطالا ولكنهم حكماء في العلوم و الفلسفة و المنطق كما كنا في يوم عندما بني الاجداد مجد كيميت ...نقدرهم و نذكرهم بالخير دون الاحتياج لإصدار قوانين الباشا عبد العال .