نحو مقاربة منطقية للإسلام ، أسئلة أحمد كلش

حمزة رستناوي
2018 / 8 / 18

السؤال الأوّل - كيف يمكن أن نستوعب نظرية المنطق الحيوي، ونميز المنطق الحيوي عن المنطق الصوري أو المنطق الرياضي مثلا؟ مدى التشابه والاختلاف هل هناك أسس واحدة تجمعهم كمنطق كأداة لفهم العقل ؟ ما يميز المنطق الحيوي عن غيره من أشكال والبُنى في التعامل مع المفاهيم الكبرى والنصوص والثقافة والآليات والمُدركات حسب اختصاصها؟

الجواب الأوّل- مجرد ذكر كلمة منطق ، يتبادر الى الذهن المنطق الأرسطي/ الصوري. في البداية المنطق الأرسطي يمكن تأويله باتجاهيين، الأول بالمعنى العام كنظرية في العلم والأبستمولوجيا تقوم على الماهية الجوهرانية وهو من هذه الجهة مناف للبرهان وتمّ تجاوزه معرفيا في العصور الحديثة . أما التأويل الثاني بالمعنى الخاص كنسق استدلالي واستنباطي، فهو مازال مفيدا من جهة كشف القياس الخاطئ صوريا, وهو ما يستفيد المنطق الحيوي منه كقرينة - ضمن قرائن أخرى تنظر في مادة القياس- للحكم على برهانيّة المصالح المعروضة، فالبرهان الصوري مشمول ومُتضمّن في نظرية البرهان الحيوي.
نظرية العلم الأرسطية تعرّف الكائن بمقتضى الجوهر ، وهنا نأتي الى مبحث الحدود والتصورات في المنطق الأرسطي/ الصوري التي ينبني عليها القضايا ومن ثم الاستدلالات و القياس الذي يشمل القضايا. المنطق الأرسطي / الصوري بالتأويل الخاص هو منطق صوري يهتم بشكل المعرفة ويُهمل مضمونها ، هو منطق ستاتيكي ، بينما المنطق الحيوي يهتم بكل أبعاد المعرفة بما يشمل المضمون والدلالات، وهو منطق ديناميكي حركي. المنطق الأرسطي/ الصوري بالتأويل الخاص يكاد يكون عقيما ، فالنتيجة لا تقدّم جديدا عن المقدمات. في المنطق الحيوي نستطيع الوصول الى شيء جديد بما يتضمن احكام وجود وقيمة بالاستناد إلى تقنية وحدة مربع المصالح. المنطق الأرسطي/ الصوري كان مهيمنا في العصور القديمة والوسطى وقد خضع لنقود شديدة في العصور الحديثة ، حيث تطورت نظرية المنطق الى المنطق الرمزي أو المنطق الرياضي، فانسحبت شيئا فشيئا من مجال الشمولية وأبستمولوجيا العلوم إلى مجرّد تخصص دقيق ضمن الرياضيات.
-
السؤال الثاني - كيف يمكن تفسير نظرية المنطق الحيوي، باعتبار أنها تُعنى بالشكل والمضمون، وتبتعد عن الجوهر. هل الشكل ثابت أم متغير ؟ وما علاقة المضمون بالجوهر و صفاته وديمومته وتغيراته؟ هل من الممكن التبسيط أكثر بالشرح ، في الحقيقة أطروحتك في المنطق الحيوي جديدة على جمهور المثقفين . هل هذا المنطق له ما يبرّره موضوعيا بالاتساق مع التطور العلمي والفيزياء الحديثة ونظرية الاحتمالات ؟ وما مدى قدرة الباحث أن يخفّف من ذاتيته في حال تطبيق نظرية المنطق الحيوي كما عبّرتَ عنها؟

الجواب الثاني- الشكل في المنطق الحيوي ليس عكس المضمون ، الشكل هو صيغة هو طريقة وجود الكائن ،هو طريقة تشكل الكائن حيث أن الشكل والمضمون، المادة والصورة كلها أشكال يتشكل فيها ومنها الكائن. الكائنات تتماثل في كونها أشكالا وتختلف في طريقة تشكلها ،الكائنات لا تتطابق والاختلاف هو بداهة وجودها كأشكال ، وهذا الاختلاف لا يعود الى وجود ماهية جوهرانية للكائن، ولكن يعود فقط إلى اختلاف ظروف وأبعاد وشروط تشكّل هذا الكائن . ماهي النتائج العملية لما سبق؟ النتيجة الاولى – لا يوجد اختلافات جوهرانية تفاضلية بين الكائنات، وبالتالي يوجد قوننة كونية اجتماعية واحدة ،يمكن أن نفسّر في اطارها الظواهر. النتيجة الثانية - لا يوجد استثناء والاختلاف هو حالة قانونية تميز الكون المجتمع ،و في هذا نقض لكل الفرضيات العنصرية سواء أكانت دينية أو لا- دينية. النتيجة الثالثة - عندما ننظر الى الكائن كشكل أي كطريقة تشكل متغيرة ،هذا يعني أخذ كافة الأبعاد المُشكّلة المؤثرة بعين الاعتبار. لنأخذ مثال الدين بشكل عام أو مثال الاسلام بشكل خاص ، يُمكن النظر إلى الاسلام كرسالة سماوية ، تحتوي تصوّرات ومعتقدات ايمانية معيّنة، وهذا منظور قاصر لا يتفهّم مصالح الدين عموما والاسلام خصوصا ، كيف ذلك؟! الدين يوجد كفعالية اجتماعية ، الجغرافيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد والثقافة واللغة كلها عوامل تتداخل في وجود وصياغة الدين ،لا يمكن نزع هذا الدين عن هذه السياقات وعن المجتمع ، وبالتالي العقيدة ليست هي عقيدة فقط ، بل هي طريقة تشكل عقائدية في المجتمع والتاريخ ، وإنّ أي تغير في هذه العوامل سوف ينعكس تغيّرا في الشكل العقائدي، على سبيل المثال الاسلام قبل 1400 سنة وُجد ضمن صياغة مُعينة ، والآن بعد أكثر من 1400 سنة من المستحيل ان تبقى الصياغة نفسها، ثمّة تغير يحدث في هوية الاسلام بفعل البعد الزمني ، كذلك الاسلام كدين ظهر ودُوِّن في الفضاء العربي، لكن عندما يصادفنا مسلم بنغلاديشي مثلا، بالتأكيد هو يفهم الاسلام بطريقة مختلفة، هو يفكّر باللغة البنغالية لا يفهم العربية ، وهنا تظهر اشكالات الترجمة والتحوير الثقافي. كلّ هذا بالإضافة إلى تبعات الانتقال من عصر إلى آخر
-
السؤال الثالث- لا أزعم أني استطعت فهم كل ما جاء في أطروحتكَ حول المنطق الحيوي ، لكن أحاول معك الاستيضاح بناء على ما فهمته ، أشكرك جدا بالفعل منهج جديد ومتميز، سأتابع معك حول قراءاتك النقدية للاسلام الجهادي السلفي ، ومؤخرا ما نشرتَه حول ابن تيمية ونواقض الاسلام العشر؟ حبّذا التوضيح عن تطبيق نظرية المنطق الحيوي على الخطاب الاسلامي عموما والجهادي خصوصا

الجواب الثالث- لا يتسع المجال هنا للحديث عن تطبيق الجانب القياسي من نظرية المنطق الحيوي ، ولي تجربة سابقة ، يمكن الاطلاع عليها في كتاب " اضاحي منطق الجوهر " الصادر 2009 حيث شملت الدراسة على تسعة نماذج هي : بن لادن والخميني والقرضاوي و البوطي وشحرور وفرج فودة والتيجاني السماوي وجودت سعيد و الآغاخان . سأتكلم هنا عن ميزة المنطق الحيوي في مقاربة الظاهرة العقائدية . المقاربات التقليدية في معظمها تتراوح ما بين مكانين، الأوّل - مقاربات فقهية من داخل المنظومة الدينية ، لنأخذ مثلا ما يُسمّى بقضيّة قتل المرتد، يوجد رأي يستدل بآيات قرآنية أنه لا يجوز قتل المرتد، ويوجد رأي آخر يقول بجواز قتل المرتد يستدل بآيات قرآنية ، ويوجد رأي ثالث يستدل بحديث كذا ، ويوجد رأي رابع يقول بالنسخ أو يشكك في صحة الحديث ، وهكذا ندخل في نقاشات فقهية غالبا عقيمة وهو عادة هو نمط غير مجدي، وكل حجة يمكن الرد عليها بحجة اخرى. الثاني- مقاربات علمانويّة تجمع على تسخيف الدين كله ، والنظر اليه كمجموعة خرافات وتوهمات فحسب ، وهذه نراها عند كثير من اليسار العربي وجماعة الاسلام فوبيا. المقاربتان كلاهما غير دقيقتين . مقاربة المنطق الحيوي تنطلق من موقف الحياد الايجابي ، ليس من موقف المؤمن ، وليس من موقف الرافض للإيمان . لا أقبل ولا أرفض هذا الايمان ، ولكن أتفهّم وجود هذا الايمان ، وأسعى لكشف إساءة استخدام الدين لتبرير العنصرية وازدواجية المعايير، و من ثمّ تعزيز فهم حيوي للإيمان بما يناسب أولويات الحياة والعدل والحرية . معايير الحكم في المنطق الحيوي ليست دينية، لا تعتمد حجّية النص القرآني أو الحديث ، بل يستند الى ما نسميه بالبداهات الحيوية الكونية ، و كمثال على ذلك ، يوجد فتاوى تفرض عقوبات مختلفة الشدة قد تصل الى القتل فيما يتعلّق بمن ينكر وجود الله ، لا يعتمد حكم المنطق الحيوي هنا على استحضار آيات قرآنية تفيد في حرية الاعتقاد ، بل يعتمد على مبدأ حرية الانسان في الاعتقاد ، بما يشمل الايمان والكفر بأي عقيدة دينية أو غير- دينية، فالحرية بُعد أصيل في الانسان، عقيدة الآخرين لا تعنيني في شيء ، والأهم هو سلوكهم معي . يميز المنطق الحيوي بين مرجعيتين ، 1- مرجعية البداهة الحيوية الكونية ، وهي مرجية شاملة وملزمة لكل البشر تقوم على البرهان التجريبي العلمي غير المشروط. 2- مرجعية فئوية عقائدية ، ملزمة لمن يؤمن بها ويقبلها بشرط الحرية ، تخص مجموعة من البشر. برهان العقائد الدينية و اللا- دينية لا يكون في امكان اثبات صحة معتقداتها تجريبيا ، ولكن في توافقها مع أولويات الحياة والعدل والحرية، وبالتالي " العقيدة الصحيحة " أو الفهم العقائدي الصحيح هو الذي يُعزّز قيم الحياة ، أما الفهم العقائدي القاصر فهو الذي يتنافى مع إلزام قيم الحياة ، ويلزم الناس بما لا يُلزمهم . يقدّم المنطق الحيوي - وفق زعمي - منهجية و أدوات لخروج الخطاب الاسلامي المعاصر من عنق الدجاجة، وتقعيده على اسس بدهية انسانية مشتركة
_
السؤال الرابع- في الحقيقة وفي ضوء متابعاتي لك في ندوات وكتابات سابقة ، هناك آراء تقول بأن الاسلام ليس هو الموجود حاليا، أو أن المسلمين لا يمثّلون الاسلام! وهناك آراء تقول لا نستطيع ان نقول هذا الكلام ، والاسلام ليس مثالي بل هو ضمن التاريخ! كيف يمكننا أن نستوعب الامر؟ هل أعاد البشر صياغة الاسلام؟ ما مدى تفاعلهم وانفعالهم به؟ وفي الطرف الاخر كيف أثّر البشر في الاسلام ؟ هل أعادوا أو يستطيعون تشكيله وفقا لإنسانيتهم ؟

الجواب الرابع- وفقا لنظرية المنطق الحيوي ،الكينونة الاجتماعية سواء أكانت فردا أو جماعة تتشكل من ثمانية أبعاد ، هي: الزمان والمكان والسكان والعلم والعمل والعقيدة والادارة " والقيادة كجزء من الادارة " وكل بعد من هذه الأبعاد يؤثر ويتأثّر بغيره من الأبعاد. لكن بماذا يفيد هذا الكلام؟! 1- العقيدة أحد ابعاد الكينونة الاجتماعية ، أي لا يوجد فرد أو جماعة بدون عقيدة وحتى الالحاد يمكن اعتباره احد اشكال العقيدة بالنفي، إذن البعد العقائدي موجود والمطلوب الاعتراف بوجوده.2- البعد العقائدي يؤثر في الأبعاد الاخرى ، هو يؤثر في السياسة و الاقتصاد مثلا ، والأبعاد الأخرى كالسياسة والاقتصاد تؤثر بدورها في البعد العقائدي ، و بالتالي ليست العقيدة بمستقلة أو منفصلة أو أزلية متعالية عن الكينونة الاجتماعية. وفقا لمبدأ الاحتواء " المبدأ الثالث للقانون الحيوي " لا يوجد كينونة اجتماعية فارغة من دون أبعاد ، ولا يوجد كينونة اجتماعية أحادية البعد، وهنا يوجد نقد جذري للفكر الديني الكلاسيكي القائل بأن الدين أصل الحياة ، أو علّة وجود الانسان ! حيث يبني الفكر الديني الكلاسيكي كل نواحي الحياة على الدين ، حيث تستمدّ كل مناحي الحياة من سياسة واقتصاد وعلم و فنون مشروعيتها من الدين، المنظور الديني الكلاسيكي يختزل الكينونة الاجتماعية في بعدها العقائدي ويهمّش الأبعاد الاخرى، ويصنّفها كأبعاد مُشتقّة وتابعة . القانون الحيوي الاجتماعي يساعدنا في فهم العقيدة وحدودها ودورها الاجتماعي ، لا يوجد جوهر عقائدي ثابت ،بل يوجد صيغة عقائدية أو شكل عقائدي ديني يتحوّى معتقدات غيبية ، تصورات وطقوس وشعائر وقيم اخلاقية. الأديان تختلف عن بعضها البعض في المفاهيم الميتافيزيقية وتعبيراتها في المجتمع . لا يوجد كائن مادي أو معنوي ثابت ، فالدين متحرّك يتظاهر في صيغ احتمالية متعدّدة ، وهذا ما يفسر لنا تعدُّد الاسلام ، حيث تحوَّل ويتحوّل الاسلام الى إسلامات ، سنة شيعة وتفريعاتها ..الخ . لا ينبغي للإنسان أن يضع نفسه في موقف الحُكم على كل شيء ، سواء أكان مُسلما أم لا! ومن هنا فالإسلام هو شكل عقائدي، حركي احتوائي احتمالي نسبي ، وهذا جدُّ مفيد لنا ، كمجتمعات مُسلمة ، لغاية التصالح مع أنفسنا ، وتقعيد الدين على أساس الفطرة الانسانية الكونية المشتركة عبر العصور والمجتمعات.
-
*جاء هذا الحوار مع حمزة رستناوي ضمن نشاطات مشروع وطن ، عقب محاضرته ( نحو فهم ديناميكي للعالم – عرض مختصر للجانب الغير قياسي للمنطق الحيوي) تاريخ 21-7-2018
*ملاحظة للاستماع الى كامل المحاضرة مع التعقيبات على الرابط
https://www.youtube.com/watch?v=7EHEHzBqF04