قصاصات من المستشفى (2)

يحيى علوان
2018 / 7 / 29

ماذا تفعلُ معها..؟!
كلَّما هَمَمتَ بالكتابة ، تنزلقُ مِغناجةً بين سطورك ، تُبعثرُ الحروفَ ..
مثلَ صغيرٍ شَقِيٍّ يُردِّدُ " يا أَلعَبْ ... يا أَخرُّبْ المَلعَبْ "!!
تعترفُ الآنَ أنَّكَ أرتكبتَ معها ، قبل سنين ، حَمَاقَةً لايُمكنُ إصلاحُها..
ما العمل؟!
أهو نَدَمٌ مُتأخِّرٌ، خَمَّره حنينٌ مُضمَرٌ ؟!
أَمْ عَنقاءُ تنهضُ من رمادِها لتستأنفً الغوايةَ من جديد ؟؟!!
* * *
ما الحرية ؟
ــ تمثالٌ غبيٌّ يأكله الصدأ ، أعجزَ من أنْ يُرجعَ حتى الصدى!
لكن الناسَ مغرمة به ؟!o
ــ هو ديدَنُ الدَهماءِ في كلِّ العصور !
تُردِّدُ مقولاتٍ ونصوصاً من عصرٍ إلى عصر، دون أنْ تتأمَّلْ !!

* * *

لايجري إستحصالُ المعرفة عن طريقِ معلوماتٍ منفردة ، تُنتجُ "تجسيماً" محدَّداً .. ذلك
أن الدماغَ يختزنُ معلوماتٍ في اللاوعي تُنتجُ ثروةً من المعلومات على خلفيةِ "صفحةٍ"
بيضاءَ ، حتى تظهرَ ، فجأة ، بُنيةٌ تنسلِخُ عن الخلفية ... وتجري هذه العملية بصورة لا إرادية .
لذلك فأن إنتاجَ فرضيةٍ معينةٍ .. تَتسِمُ بطابع التعميم ، يستلزمُ توفُّرَ قَدرٍ هائلٍ من المعلوماتِ
والتجريدات العامة، كيما تتمَّ عمليةُ "إنتاج" فرضية معينةٍ... أي أَنْ يتوفَّرَ كمٌّ كبيرٌ من
المعلومات ، التي إكتسبها المرءُ من خلال إرتكابِ العديدِ من الأخطاء ، وتمَّ تصحيحها ،
حتى إكتَسَبَ المعلومات التي تؤهله لتقديم "فرضية" معينة لها طابعُ التعميم ...!!

* * *

نَفَضتُ رمادَ أحلامي ،
إنتبهتُ إلى أننا كُنّـا مَعفيّينَ من إمتلاكِ القدرةِ على الأقناعِ،
خارجَ مفردات القاموس والأجتماعات الحزبية !!

* * *

اليوم هو الأثنين . الطقسُ غائمٌ ، إلاّ أنه دافيءٌ جداً ...
توّاً ، إنتهيتُ من الفطورِ وما سبقته من إجراءات علاجية ... ولابُدَّ لي من إكمال طقوسي
الصباحية بعد الإفطار والقهوة ... سيكارة !!
نزلتُ من الطابق الرابع إلى الباحة الخلفية للمستشفى ... باحةٌ فارهةٌ جداً ، تسبحُ في بحرٍ
من الضياء ، تُحيطُ بها ، من ثلاثِ جهاتٍ مبانٍ من خمسة طوابق تُطلُّ شبابيكها على الباحة ...
أما الجهة الغربية فمفتوحة على غابةٍ كثيفة من أشجار البارك ، الذي يحتضنُ المستشفى .
تمشيتُ قليلاً ، ثم جلستُ لوحدي على مصطبةٍ في ما تُسمى "جزيرة المدخنين"...
هدوءٌ تام ، يخلِّفُ صريراً في الأذن ، فتروحُ تسمعُ أنفاسَكَ ...
أمامي تنتصبُ بنايةٌ بحائطٍ من حجارةٍ رمادية . الطابق الخامس منها فقط ، مطليٌّ بطلاءٍ أبيض،
ربما لتمييزه عن البقية !
فهو طابق للمرفّهين من المرضى ! يسمى " قسم العناية المريحة"، أي لأولئك ، الذين لديهم
تأمين صحي خصوصيٌّ ، أو من المُوسرين، ممّن يدفعون شخصياً تكاليف العلاج ...
وبذلك "يشترونَ" حقوقاً مضافة لاتمتلكها بقية عباد الله !!
السماءُ مُلبّدةٌ بالغيوم ، خلا بقعٍ صغيرةٍ باهتةِ الزرقة متناثرة على بلاتو أبيض ، تُذكِّرُ
بلوحات مونييه ...ِ
في الجهة اليسرى من سطح المبنى إياه ، يقف طائر العَقْعَق ، صغيرٌ بحجم الكف ، وحيداً يديرُ
برأسه في كل الأتجاهات كأنه يبحثُ عن أمه ..
فجأة قَفَزَ الصغيرُ من موقعه وطارَ بشكلٍ غير واثقٍ ، كأنه يتدرَّبُ على الطيران بمفرده ...
نطَّ عصفورٌ في صدري ! خِلتُ أنَّ الصغيرَ سيسقطُ على الأرض ويتهشَّم،
لكنه إستدركَ خطورةَ مسعاه فحطَّ ، بل أسقَطَ نفسه سريعاً على مبنىً قريب من طابقين وراحَ
يلهثُ ...!
ربما أغراه على تجريبِ الطيران رفٌّ من الحَمَام ، كانَ يحلِّقُ في دوائرَ كأنه يمارسُ رياضة
الصباح ــ جوكنغ ــ !
.........................
عاد الهدوءُ إلى المكان ، بعدما رحلَت هليكوبتر الأسعاف . لكن ما لبثَ أَنْ شَجَّ الهدوءَ
صَفيرُ نسرٍ حطَّ فوق قوسٍ على المدخل الغربي للمستشفى ، جهةَ البارك. يبدو أنه جائع
يبحثُ عن صيدٍ !
أطلق صفيراً حاداً ، عدة مرّاتٍ، مؤملاً نفسه أنه سيٌفزِعُ بعضَ الطيرِ فيولّي من الأشجار هَرَباً ،
حتى يقعَ في كمينه !!
لكن خابَ ظنُّه ، فطارَ صِفرَ "الجناحين"..!!
....................
أشعلتُ سيكارةً ثانيةً ونزلتُ بناظري إلى الباحة ... نظيفةٌ جداً كالمعتاد ، تتوسّطها عَلِيَّةٌ
ترابية محاطةٌ بجدار من الإسمنت الأبيض ، بأرتفاعِ مترٍ أو يزيد قليلاً ... فيها أربعُ أشجارٍ
من الكمثرى ومثلها من التفاح البرّي ، موزعة بشكل جميلٍ .. تحوِّطُ بكلٍّ منها أَكَماتٌ من
الخزامى بلونها البنفسجي ، مُرتبةً بشكلٍ دائريٍّ مُبهج .
لكن الأكثرَ جمالاً أنَّ واحدةً من الأَكَماتِ نطَّ من وسطها غصنٌ لورد الجوري ...
لم يكن غصناً عادياً ، إذ بدا كأنه مرسومٌ بدقة ..
ساقٌ طويلة ، تمتدُّ خارجَ الخزامى ، تزخرُ بأشواكٍ كبيرة ،عاريةٌ من الأوراق ..
تعتليها ثمانِ زهورٍ مرصوفة على شكلِ كرة ، بلون شقائق النعمان ..
أسفلَ منها ــ أقصر من الخزامى ــ زهورٌ بلون الكركم وأورادُ بوقٍ بألوانَ متسقة هارمونياً ،
تملأُ بقية الأرض على خلفيةِ خضرة داكنةٍ لأوراق شجر التفاح والكمثرى ...
إعترتني دفقةٌ من البهجة ، إفتقدتُها ، وأحسستُ بقلبي يرفُّ لهذا المنظر الآسر...
لم تكن لديَّ رغبةٌ في مغادرةِ المشهد والشعور ، الذي ولَّده لديَّ ، لولا حلولُ موعدِ زيارة
رئيسة الأطباء للمرضى !


قِطَّةُ الجارةِ لا تموءُ ، بل تصرخُ مستغيثةً من الجوع .
صاحبتُها منهمكةٌ بجَلدِ شَبَقِها ... مع أيٍّ كان .. وبشكلٍ مُتتابعٍ ، المهم أنْ "يأتي ظهرها "!
ممّا لايُبقي لها فائضاً من الوقت لأطعام القطّة..!!