توصيات المواجهة العربية لصفقة القرن

حاتم الجوهري
2018 / 7 / 20

أدرتُ يوم قبل الاثنين الماضي مائدة بحثية مستديرة شديدة الزخم نظمتها لجنة الحريات باتحاد كتاب مصر بالقاهرة، لبحث مآلات صفقة القرن المزعومة وكان عنوان المائدة: صفقة القرن دلائل الممانعة وخيالات الانكسار، شارك فيها بجدية واستعداد جيد مجموعة من المهتمين الذين تناولوا أبعادها التاريخية والأدبية والسياسية والواقعية والثقافية والاقتصادية، محاولين استشراف طرق مواجهة هذه الصفقة من خلال توصيات محددة ترفع لكل الجهات المعنية.
وبدأت المائدة بتناول مشروع الصفقة المزعومة ومحاولة تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، باختيار عاصمة بديلة للقدس العاصمة التاريخية والأبدية لفلسطين، وخطط التوسع نحو سيناء، والشكل المهلهل لذلك الكيان المطروح أمام الفلسطينيين ككيان سياسي، وتصفية حق العودة، والحلول الهزلية المطروحة أمام غزة والضفة، والجزرة التي يلوح بها ترامب والتي تتلخص في كلمة واحدة وهي: المال وتحسين ظروف الحياة للفلسطينيين في هايد بارك جديد داخل بلادهم، يعيشون فيه تحت الهيمنة الوجودية للمستوطنيين الصهاينة في أرض فلسطين المحتلة.
وتناولت المائدة الموقف العربي الممكن تقسيمه لموقف دول المواجهة في مصر والأردن تحديدا، وموقف دول الخليج، ثم المغرب العربي، وكذلك الموقف الصيني الذي يحاول ان يقدم بديلا أكثر عدالة وميلا للحق العربي في القضية.
وتطرقت المائدة للخيارارات المطروحة أمام المفاوض العربي، بداية من التنازل التام والرضوخ للضغوط وتمرير الصفقة بالشكل الأمريكي المهين، وصولا للرفض التام واحتمالات العودة للمربع صفر وسحب الاعتراف العربي من جانب عدة دول بعينها بدولة "إسرائيل"، وبحثت المائدة في محددات الموقف العربي وما يملكه من أوراق للصمود وأوراق للضغط موضوعيا وذاتيا.
وبدا للعديد من المشاركين أن أقوى أوراق الضغط العربي هى الرفض الشعبي العارم داخل فلسطين وخارجها في المحيط العربي، رغم كل الاحباطات وظروف الحياة الاقتصادية والسياسية المحيطة بالعرب، أما أضعف الحلقات العربية فكانت الشكل التاريخي وتمثله الآني الذي آلت له المنطقة، ومرورها بمرحلة انتقالية حُبلى بميلاد مستقبل جديد واحتمالاته، في ظل التدافع بين ورثة الدولة الوطنية وما بعد الاستقلال ومسيرة القرن الماضي، وبين ميلاد نظام سياسي جديد تحلم بها الثورات العربية الناشئة عبر موجاتها المتوالية الألفية الجديدة.

وشارك في النقاشات والأوراق الرئيسية المطروحة كل من: الكاتب الصحفي محمد شلبي امين، د.حسام عقل الكاتب والناقد الأدبي، والكاتبة والروائية الفلسطينية كفاح عواد، والأكاديمية النائبة السابقة عن سيناء د.سهام جبريل، والباحث معتز محسن، بالإضافة لمداخلات الحضور التي لا تقل أهمية عن الأوراق الرئيسية المقدمة، لتفتح المزيد من الآفاق والرؤى، وتخرج المائدة بعدة توصيات وثيقة الصلة بالصراع وتاريخه واستشراف مستقبله.

وهذه هى التوصيات التي أوصت المائدة بتعميمها في وسائل الإعلام:

- ضعف الخطاب العربي المعرفي والثقافي الحالى إزاء المواجهة مع الغرب، وضرورة تطوير خطاب علمي جديد من خلال مراكز بحثية متخصصة.

- لجوء الغرب لإثارة الفتن لتمرير وعد بلفور القديم وكذلك وعد ترامب بصفقة القرن، بما يستتبع ضرورة البحث عن المشتركات العربية والبناء عليها.

- الصفقة هي ضمن نمط متكرر لعرض اتفاقيات متغيرة الاسم، متحدة الغرض للهروب من الحقوق العربية بالتدريج، وضرورة وضع خطة طويلة الأمد باتفاقيات وأهداف عربية مضادة، حتى الوصول لتحقيق السيطرة في الصراع وامتلاك مقدرات ذلك.

- عادة ما تكون الصفقة غطاء لمشروع كلي للسيطرة على المنطقة تصحبه مسميات متغيرة كالشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وأخيرا جاء مشروع نيوم كظهير اقتصادي محتمل للهيمنة الصهيونية والغربية، وضرورة تطوير مشاريع عربية بديلة للتنمية خارج الحاضنة الغربية.

- عادة ما يُضيق الاحتلال الصهيوني ظروف المعيشة الاقتصادية على الفلسطينيين، لتكون ورقة مساومة مستمرة، بما يستتبع تطوير حلول غير نمطية لتوفير التمكين الاقتصادي لفلسطيني الداخل، عبر مشاريع خارجية وداخلية تمول استمرار الحياة بكرامة تحت الحصار.

- تعد الصفقة تتويجا لخرافة الفصل بين المسار السياسي وحل القضية، وتوفير المتطلبات الأساسية للحياة، بما يستوجب أولوية الحل السياسي في أي اتفاقيات قادمة وتجاوز تكتيكات كسب الوقت الصهيونية.

- رصدت المائدة تاريخ محاولات فصل سيناء عن مصر وادعاءات الغرب المتكررة في هذا السياق، منذ بدايات القرن الماضي، كفكرة مستقرة في العقلية الغربية والصهيونية، بما يستتبع ضرورة تعمير سيناء بالكامل وربطها بالوادي، وقطع الطريق على هذا المسار للأبد.

- أوصت المائدة بضرورة إعلان وثيقة المبادئ الأساسية العربية وطرحها على الجميع، كوسيلة لتحقيق الإجماع العربي في أسس التفاوض بالقضية الفلسطينية، بما يضمن نوعا من توحد الجماهير العربية مع الأنظمة السياسية مع التيارات الحزبية ورائها.

- رصدت المائدة ضعف حالة من الوعي بالقضية وأسسها بالشارع العربي، وعليه أوصت بضرورة رفع حالة الوعي عن طريق الأفلام الوثائقية، والأفلام الدرامية القديمة وتمويل سينما جديدة تبرز الصمود العربي وعدالة قضيته، وكذلك أهمية التصدي لمحاولات سرقة التراث العربي الفلسطيني، والشروع في حصر وأرشفة التراث الثقافي اللامادي الفلسطيني.

- انتهت المائدة إلى أن الصمود العربي يجب أن يصحب بخطة سياسية طويلة المدي، لاستعادة المقدرات العربية الاقتصادية وكذلك تفعيل القوة الناعمة في هذا الاتجاه، والتلويح بالعودة للمربع صفر عند الحاجة بسحب الاعتراف بالدولة الصهيونية، إذا وصل الضغط الغربي والصهيوني لمرحلة حافة الهاوية.
- أشارت المائدة إلى أن تباين المواقف الغربية إبان الثورات العربية في مطلع هذا العقد، وانفراط المعادلة القديمة يطرح طريقين للسير فيهما، إما الطريق النمطي باستعادة حالة الثبات على الحال القديمة في فترة ما بعد استقلال الدول العربية القرن الماضي، أو تطوير الموقف والاستفادة من الثورات الناشئة واعتبارها مدا جماهيريا داعما للمفاوض العربي، شرط وجود اللحمة وتحقيق المزيد من الإصلاحات الديمقراطية والسياسية والبيروقراطية.

ويبقى القول إن توصيات هذه المائدة المستديرة؛ ربما ستخضع بدورها لمعادلة واقعية تحكم خروجها للنور، فكلما زاد الغضب الجماهيري والشعبي العربي، كلما بحثت الإدارات السياسية في البلاد العربية عن حلول تُهدأ بها الغضب، حتى يصنع الغضب طريقا إلى المستقبل ويزيح كل الموائمات العابرة تستهلك من عمر الوطن ولا تضيف.
ويظل السؤال حاضرا ملحا: متى نعتمد على المراكز البحثية العلمية في وضع السيناريوهات السياسية والسيناريوهات البديلة، والاستفادة من العقول التي تنتمي للحاضنة التاريخية لهذا الوطن وتعبر عنه، متى نبرز أفضل ما فينا..!
والإجابة تكمن في النيران، فالنيران وحدها هي التي تفصل الحديد عن شوائبه وتُخرج الأزمات أفضل ما في الرجال، فالمرحلة القادمة في المستقبل العربي حرجة على كل المستويات الداخلية والخارجية، ومن لم ينتبه لها بالحسنى سوف ينتبه لها بعصى موسى ونيرانها المتأججة.