من ذكريات التتلمذة بمدرسة تاشويت / التلاميذ وقصعة الطعام

علي أحماد
2018 / 7 / 12

عند نهاية دروس الحصة المسائية من يوم الخميس والتلاميذ على أهبة الإستعداد لمغادرة حجرة الدرس المتربة يقف المعلم وظهره الى اللوح الأسود . يصمت الجميع وتهدأ الحركة ويعم السكون . وتشرئب الأعناق في فضول . يعلن بصوته الجهوري ( يا أطفالي أخبروا أهلكم أنكم غدا ستأكلون الكسكس في منزلي حتى لا يقلقوا عليكم ) . تنطلق بعض الحناجر بصرخات تعبير عن الفرحة العارمة قبل أن يطلق الأطفال سيقانهم للريح أملا في معانقة الفضاء الرحب انعتاقا من هم الدراسة الذي يجثم على الصدر . ليس لكلام المعلم حينها أن يراجع أو يناقش ، وأوامره تسري على الجميع الإناث والذكور ، الأغنياء والفقراء . لا أخفيكم سرا أني أفرح كثيرا لهذه العزومة لأني أمني النفس بوجبة تختلف طعما وشكلا عما ألفت أن تعده أمي ويقينا أمهات كثير من أقراني بالفصل . لقد اعتادت الأسر الفقيرة أن تعد الكسكس ( الطعام ) ب ( الكرشة ) أو قطع من الشحم الأصفر المملح والذي يباع بالسويقة أوعند بعض الجزارة محفوظا داخل صناديق خشبية ملفوفا بقطع القنب ورائحته نفاذة تزكم الأنوف وصالح لمقاومة برد الشتاء وقد يضيفه البعض الى الحساء أو عصيدة البطاطا أو بقطع من الركوة في القرى بعد أن تنتهي صلاحيتها وقد اكتنزت دسما او بما فضل من قديد العيد .
يجعلنا المعلم وقد تميز بسحنته السمراء وشعره الأشعث طابورا طويلا من إثنين كالعسكر مشيا في خط مستقيم ويسير غارقا في الصمت بجلبابه الأبيض وطربوشه الأسود تارة وراءنا وتارة قدامنا وعينه لا تغفل عن شارد أو مثير شغب بالغ في ازعاج الغير فتكفي منه نظرة شرز حتى يستقيم الصف كالقضبان ويخيم على الكل الوجوم وكأن الطير فوق رؤسهم . نعبر البيادر الصخرية الناتئة تحت نظرات السكان وننزل جانب القصر/ القصبة عبر الأدراج حتى نبلغ الحقول مرورا بالقنطرة الفاصلة بين سوق الأحد وتاشويت وفوق رؤوسنا تظهر المقبرة معلقة على جرف حاد تطل على وادي أوطاط الذي تحف جنباته أشجار صفصاف عملاقة تكون غابة تسحر العين وتبهج النفس تحفها عين / ينبوع لا ينضب ماؤها ولا يغيض ويجري سلسبيلا يشرب منها الأهالي ويغسلون فرشهم . البرد يكاد يفتت منا العظام جراء ما نلبسه من ثياب مهلهلة حالت ألوانها والريح الذي يهب عاصفا يقتلعنا من أماكننا فنضطر أن يتشبث بعضنا بتلابيب بعض لنقاوم فعل الريح في أجسادنا النحيلة . نصل الدار بعد مشقة وعنت ونقف أمام بابها الكبير صفا صفا ولا نلجه إلا بعد إذن صاحبه / معلمنا .
يبدو المنزل كبيرا تفتح أبواب غرفه الكثيرة على بهو واسع يزين الزليج الأخضر أرضيتها ويشي المكان أن أهله يعيشون سعة في الرزق ، أو لعلها المقارنة بينه وبين بيتنا المترب والبسيط حذو غابة ( بوعاري ) بحي ميملال . يبدأ لغط الأطفال بعدما يغادر المعلم البهو ليعلم أهل الدار بقدومنا ويتهيأوا لضيافتنا واكرامنا . لم يظهر لنا أي شخص من قاطني المكان ، فديدن أهل الراشدية / فيلالة أن تحتجب النساء عن الغرباء ولو كانوا أطفالا ولما يبلغوا سن الحلم . نتحلق حول أواني الكسكس حسب العدد المحدد سلفا حيث تتسارع الأيادي الدقيقة لصنع اللقمة ، ففي الأكل باليد بركة ، وباليد تعلم كم هي حارة وكم ترسخ في عقولنا أن الطعام الحار لا بركة فيه ! أو كما تردد أمي أن الفقراء إذا حل عليهم الضيف وقدموا له طعاما ، وحرصا على نصيب الأطفال الذي يبعدون عنوة عن مجالسة الضيف يلقون على سمعه مرارا هذا القول ( كم هو حار طعام الأطفال ) فيفهم الضيف ويكتفي من الأكل ... يتناهى الى سمعنا أن هذه صدقة فقد جرى المغاربة على دعوة الأطفال الى الكسكس ليتقبل الله الأجر ويذهب عنهم البلاء . عندما نفرغ من الأكل يطلب منا أن نلعق اصابعنا كعربون على أدب الأكل ونحمد الله بعد قول باسم الله في أوله . نردد الدعاء وراء المعلم بصوت واحد ويمسح لحيته الفاحمة عند الإنتهاء منه ..