ابتسامة معاوي..

محمد عبعوب
2018 / 7 / 12

تمر شاريت المجندة في جيش ما يسمى ب "اسرائيل" والعاملة في مركز لحجز الاطفال القصر بمدينة القدس المحتلة في جولة تفقدية على مجموعة الصبية الفلسطينيين الذين قبض عليهم جيش الاحتلال بشكل عشوائي في سياق حملات الارهاب التي يمارسها بشكل دوري ضد المواطنين العرب.. تقرأ شاريت المتخصصة في الدراسات النفسية في عيون هؤلاء الأطفال مشاعر براءة طفولة مربكة بحالة ظلم أوجدتهم في هذا المحشر بدون أي ذنب يستوجب وجودهم فيه.. تشعر بوخزة ضمير إزاء هذه الحالة التي تجرمها كل شرائع الارض وترفضها قيم البشرية، لكنها سرعان ما تلجأ هاربة من نداء ضميرها الانساني الى ظلام الكهنوت و وعود صهيون التي تعدهم بجنة اسمها "اسرائيل" تعوضهم عما فقدوه في مواطنهم الأصلية بدول اوربا التي أقامت لهم المحارق وشردتهم ..

يرمقها معاوي الذي كان يحاول عبثا تبديد حالة القلق و الرعب التي تلازمه منذ ان أودعه جنود الاحتلال هذا المركز الكريه، يرمقها بنظرة تفيض بأسئلة لا تجرؤ هي على الإجابة عليها.. يرميها بابتسامة ساخرة لم تتوقعها من طفل يعاني رعب الأسر والبعد عن أهله وأترابه.. ترتبك شاريت وتغزوها حالة خوف ورعب.. تتساءل : كيف يمكنني تفسير ابتسامة هذا الطفل وهو في هذا المحشر الكريه؟ .. لابد أن في الأمر سر خطير!!.. تضطرب عواصف رعب وخوف في عقلها ، تستدعي كل النظريات النفسية التي درستها في محاولة لفهم هذه الابتسامة، لكنها لم تجد التفسير المقنع لها ..

على وقع تلك الابتسامة الساخرة والمرعبة لطفل في بدايات العقد الثاني من عمره، تذهب المجندة شاريت بعيدا فيتقصي خلفيات ومنطلقات أسفار تاريخ قيام دولتها "اسرائيل".. و تستعيد ذاكرتها تواريخ مشروع أوجدها وأسرتها قبل عقود على هذه الأرض لتواجه هذا الطفل ويقصفها بابتسامة تفوق فاعليتها كل ما تملكه دولتها من سلاح وتحوله الى خردة لا قيمة لها.. تنهار كل أحلامها التي روجت لها الدعاية الصهيونية منذ أزيد من قرن أمام اشراقة تلك الابتسامة الساخرة لطفل تجاوزت فاعليتها كل سلاح جيشها المدعوم بترسانة تسلح أمريكية مفتوحة أمامه بلا حدود..

تسارع شاريت لتبلغ رئيسها بتلك الحادثة المرعبة .. يعقد مسؤول مركز التوقيف اجتماعا طارئا مع مساعديه يتدارسون دوافع تلك الابتسامة، يستدعي المجتمعون الطفل معاوي لمعاينة ذلك السلاح الجديد بأنفسهم.. يتم إحضار الطفل معاوي ليقف قبالة المجتمعين يرمقهم وفي عقله عواصف من الأسئلة عن سبب جلبه أمامهم .. يحاول المجتمعون استفزازه بأسئلة لإثارة مخاوفه.. يدرك معاوي أن استدعاءهم له وطرح تلك الاسئلة المستفزة إنما يستهدف تحطيم معنوياته .. يواجههم بصمت تعجز عقولهم عن استيعابه ، يرمقهم بنظرة تحدي ويلحقها بابتسامة ساخرة بعثت في قلوبهم رعبا يتجاوز ما أشارت له المجندة شاريت..

يأمر رئيس المركز بإعادة معاوي الى زنزانة الاعتقال .. ينفض الاجتماع بمشاعر هزيمة مكتومة تسيطر على عقل رئيس المركز ومساعديه.. يحيل مذكرة بخصوص هذه الواقعة المرعبة الى وزارة الداخلية.. يجتمع خبراء الارهاب النفسي في الوزارة للبحث عن تفسير يهدئ رعب جنودهم ويبدد كل مشاعر الخوف والهزيمة التي سببتها ابتسامة معاوي .. ينفض الاجتماع دون التوصل الى حل.. يتفرق جمع خبراء الارهاب الصهيوني معترفين بعجزهم أمام هذا السلاح الخطير "ابتسامة معاوي الساخرة من قوتهم" .. يبقى السر الوحيد الذي لا يمتلك هؤلاء الخبراء البوح به فيما بينهم او حتى لأنفسهم هو أن "اسرائيل" المشروع الذي ينهار أمام ابتسامة طفل برئ؛ هو مشروع عبثي وفاشل و غير قابل للبقاء لأنه يعادي اقوي وأصدق حق إنساني في الوجود وهو حق الفرح والابتسام الذي لا يتعايش مع العدوان ونهب حقوق الآخرين..