الإسلام .. وأزمة الانفصال بين العبادة والأخلاق

عبد الإله إصباح
2018 / 7 / 12

من المعروف أن الإسلام دعا إلى التمسك بمجموعة من القيم والأخلاق النبيلة، مثل الرحمة و الإحسان و البر بالوالدين واحترام الجيران والرأفة بالحيوان وتجنب الظلم والكلام الفاحش والعنف، ونبذ الغش والنفاق والتزام الصدق والاستقامة. وهو كدين ارتكز على مجموعة من العبادات تشكل طقوسه التي تميزه عن الديانات الأخرى بغض النظر عن درجة الاختلاف والتشابه معها في مجالات أخرى. واكتسبت هذه العبادات أهمية كبيرة لدى المسلين وجعلوا الانتماء إلى الإسلام يرتكز عليها بل وأحيانا يختصروه في أدائها.
و من البديهي أن هذا التصور للإسلام ترسخ بفعل عوامل تاريخية تداخل فيها ما هو سياسي واقتصادي وأيديولوجي وتحكم في تشكله التطور الثقافي والحضاري العام للمسلمين في مختلق مجالاتهم الجغرافية.
وعلى الرغم من صدور تعريفات للدين تبعده عن الانحسار في العبادة وطقوسها الشكلية، من قبيل التعريف الذي يعلن " الدين المعاملة" فإن هذه التعريفات لم تكتسب أهمية في وعي المسلمين ترقى بها إلى مرتبة أحد الأركان المميزة للإسلام كدين. وعلى العكس من ذلك حظيت العبادة كطقوس بكل التقدير والاعتبار وتم دفع كل تصور للإسلام لا ينحصر فيها إلى الإهمال والتهميش بما في في ذلك التصورات التي يمكن استنباطها من نصي القرآن والحديث النبوي، حيث يزخر هذان النصان بآيات وأحاديث تسمح بإمكانية بلورة إسلام يتأسس على نموذج في السلوك والمعاملة قوامه الصدق والأمانة والنزاهة واعتبار ذلك معيارا أساسيا في تقييم وتصنيف الفرد من الزاوية الأخلاقية. وقد أدى تهميش أو إقصاء هذه النماذج إلى هيمنة تصور للأخلاق ينحصر في أداء طقوس العبادة بغض النظر عن سلوك الفرد وطباعه، فالمهم هو أداء هذه العبادات والانخراط في طقوسها. و ليس مهما أن أداء هذه العبادات اصبح منفصلا عن كل مضمون أخلاقي إيجابي، ولا يترجم إلى سلوك ومعاملة بين الأفراد تتسم بالتسامح والرفق واللين، ليس كل ذلك مهما. والنتيجة هي ما نلاحظه من عنف وأنانية وفضاضة وعدم تسامح في الشوارع والأزقة طيلة السنة وحتى في عز شهر رمضان وعقب الصلوات الخمس وصلاة الجمعة. أصبحت الأخلاق عند الفرد المسلم هي الصلاة والصوم، ولا يجد هذا الفرد أدنى مشكل في تقديم رشوة أو تحصيلها، أو الغش في سلعة، أوالتهاون في أداء الواجب المهني، كل ذلك لا اعتبار له و لا يندرج ضمن المعيار الأخلاقي الذي يرتكز إليه، فما دام أنه قد أدى واجب الصلاة، فقد أدى كل واجباته الأخلاقية، وإذا ما أحس بقدر من التناقض فيكفيه التوبة والاستغفار والاستمرار في أداء طقوسه الدينية.
نحن إذن أمام قمة الانفصال بين العبادة والأخلاق في سلوك الفرد المسلم، سلوك يتجلى في عبادة بدون أثر أخلاقي. عبادة تحولت إلى عادة لا اقل و لا أكثر.
وقد يكون منشأ هذا التصور للأخلاق ناتجا عن الدلالة التي تفهم من بعض الآيات والتي كرستها القراءة السائدة للقرآن، ومنها الآية التي جاء فيها " وما خلقت الانس والجن إلا ليعبدوني" فالفهم السائد لهذه الآية يحصر هدف وجود الفرد في عبادة الله خاصة إذا فهمت العبادة على أنها فقط أداء طقوس معينة بطريقة مخصوصة وروتينية. ليس هناك إذن من غاية للفرد إلا العبادة، والالتزام بها هو منتهى الالتزام الأخلاقي ، بل إن الأخلاق لا تتجلى إلا فيها وبواسطتها. وساهمت موجة المد الأصولي الوهابي ولإخواني، في ذيوع هذا التصور للأخلاق وهو ما يفسر انتشار التدين المفرط مع ما صاحبه من ظهور مميز للجسد يتجلى في ارتداء الحجاب أو النقاب والحرص على أعفاء اللحية وارتداء لباس معين يشير إلى هوية صاحبه كمنتم إلى جماعة لها تعريفها الخاص للدين والأخلاق. التدين المفرط إذن هو ترجمة عملية لفهم الآية القرآنية السابقة مفصولة عن غيرها من الآيات التي تلح على سلوكات وصفات قد تغني معنى العبادة ولا تجعله مختصرا في طقوس شكلية مفصولة عن أي شعور رهيف وسلوك رفيع قائم على التسامح و احترام الغير وتقديره بما هو فرد جدير بكل تقدير واعتبار.
انحصر مفهوم الأخلاق إذن في العبادة، واصبحت هي المنتهى والغاية، مادام الحفاظ عليها تترتب عنه نتيجة مصيرية هي الفوز الكبير بدخول الجنة والنجاة من العذاب الأزلي المتمثل في الاحتراق بنار جهنم. فأداء العبادات ليس منشؤه كونها تمثل قيمة أخلاقية خالصة، وإنما لأنه مرتبط بغاية نفعية محضة وبدافع الطمع والخوف، الطمع في الجنة والخوف من جهنم. هذا النزوع النفعي أصبح ملازما للفرد المسلم، بحيث لا يقوم بأي فعل إلا ويرتجي من ورائه جزاء يحسب له ويعزز به رصيده من الحسنات. فهو يتصدق على المتسول لأنه سينال أجرا عن ذلك، أي أنه سيقبض الثمن، وإلا لما كان فعل ذلك. هو لا يتساءل عن وضع الفقر، كوضع مسؤول عن ظاهرة التسول ينبغي أن يحارب ويقضى عليه لأنه وضع غير أخلاقي بالمرة. ظاهرة التسول بالنسبة إليه أمر لا يناقش لأنها في حسبانه تندرج ضمن الأوضاع الاجتماعية الطبيعية، أما مساءلة وضع الفقر واعتبار القضاء عليه كغاية أخلاقية مثلى ، كل ذلك لا يتباذر إلى ذهنه وخارج ممكنات تفكيرهـ لأنه غير متعود على هذا النوع من التفكير، وطرح الأسئلة غائب تماما كآلية تضع ما يعتبر بديهيا موضع تساؤل وتشكيك، والفقر بالنسبة إليه من هذه الأمور البديهية التي لا يمكن لذهنه أن يسائلها، ولذلك فالفقير بالنسبة إليه ليس اكثر من فرصة لممارسة التصدق والإحسان ونيل الأجر والجزاء،لأن المعيار الأخلاقي الذي يحكم رؤيته لا يستهدف القضاء النهائي على معاناة الفقير، وإنما تدبير هذه المعاناة والمساعدة على تحملها لأنها قدره الذي لا فكاك منه، وليس أمامه سوى تقبل هذا القدر و الاستسلام له. واكثر من ذلك فهذا المنظور للأخلاق لا يكتفي بكونه لا يسائل الفقر من جهة الأسباب والمسؤوليات، ,إنما قد يعتبره ضروريا، لأنه يسمح له بممارسة الإحسان والتمتع بالوضع الاعتباري للمحسن كوضع يجلب الإحساس بالزهو والتباهي والافتخار بالانتماء إلى الفئة الاجتماعية القادرة على منح الصدقة ومساعدة المعوزين في الحدود التي لا تحررهم من وضع الهشاشة والعوز، وإنما تحافظ على إدامته واستمراره.
وقد يكون هذا التصور الأخلاقي محكوما بهذه الخصائص، لأنه تصور ديني بالأساس، والدين كيفما كان لا يستطيع أن ينتج إلا تصورا للأخلاق قائم على الطمع والخوف، لأن جذره الميتافزيقي قائم على أساس وجود إلاه يجزي ويعاقب، ومهمة الفرد في هذا العالم هي السعي إلى نيل جزاء الله وتجنب عقابه، وذلك هو مدار الأخلاق في كل دين. إنها أخلاق لم تؤسس مفهوما للخير يمجد الفرد كقيمة علياـ لا تتحقق كرامته إلا بتوفير حد ادنى ضروري يلبي حاجياته الأساسية من الغذاء والمسكن واللباس، وهي حاجيات لا يحصل عليها من الإحسان والصدقة
وإنما توفرها له الدولة كمواطن له حقوق وله كرامة ينبغي أن تصان. وعندما نوفر هذه الحقوق نكون قد حققنا غاية اخلاقية ينتفي معها وجود متسولين ينتظرون أن يتفضل عليهم محسن بفتات لا يسمن ولا يغني من جوع. وطبعا هذه الأخلاق المرتبطة بالحقوق الأصيلة للأفراد، لم يكن ممكنا للأديان تصورها والدفاع عنها، لأنها مرتبطة بشروط تاريخية و نقلة حضارية كبرى تأسست على القطيعة المعرفية لأزمنة القرون الوسطى بماهي أزمنة للهيمنة الدينية الشاملة في مختلف الميادين والمجالات.
انعدم إذن الأثر الأخلاقي للعبادة لدى الفرد المسلم، فأصبحت مجرد طقوس تؤذى، لم تفض إلى القضاء على الجشع والتخفيف من الأنانية، لم تؤد إلى تعزيز السلوك المدني الذي يدفع بالشخص إلى احترام القانون بماهو ثمرة تعاقد اجتماعي، لم تعزز هذه العبادة حس التضامن بين الأفراد، وإنما العكس هو الحاصل حيث التناحر هو السائد، تناحر تغيب معه المصلحة العامة، كهدف أسمى يوجه السلوك ويوحد الغايات. وفي المقابل تهيمن المصلحة الخاصة بما يصاحبها من انتهازية مفرطة ومنطق تبريري يعزز التنصل من أية مسؤولية ازاء الشأن العام.
ينبغي إذن مراجعة هذه العبادة المنحصرة في طقوس شكلية، والمجردة من أي اثر اخلاقي يهذب السلوك، عبادة مفصولة عن الضمير، تجعل الفرد لا يتردد في المشاجرة وهو في طريقه إلى المسجد أو هو خارج منه للتو، والمفروض أن يكون مزودا بطاقة إيجابية تدفع به إلى الليونة والتسامح مع الاخرين في الشارع، وتجعل ضميره يرفض الزبونية والارتشاء وعدم المساواة أمام القانون. ما قيمة أي عبادة لآ تمنع صاحبها من كل هذه السلوكات السلبية التي لا زالت منتشرة ومستفحلة في المجتمعات الإسلامية؟ المفروض أن يكون أداء العبادات هو عودة مستمرة إلى الضمير، بمعنى أن يكون عودة للذات ومواجهتها بأنانيتها وانحرافاتها وهذا يتطلب أن يكون هذا الضمير مؤسس على نبذ الأنانيات المفرطة وعلى مفهوم الخير العام والمصلحة العامة والأخوة الإنسانية، وطبعا هذا الضمير يتم بناؤه في مؤسسات التنشئة الاجتماعية وعلى راسها الأسرة والمدرسة في سياق اجتماعي يتطلع إلى النهضة والتقدم. من منطلق إرادة جماعية انصهرت ضمن مشروع عام .
ويمكن في إطار هذا المشروع العام، أن تصبح العبادة وسيلة لترسيخ مبادئ هذه التنشئة الاجتماعية والتربوية، تعززها وتكرسها باعتبارها هي الغاية وهي مدار كل عبادة. ولا معنى لأي عبادة تكون مفصولة عنها و لا ترتكز عليها. يصبح الحرص على هذه المبادئ في السلوك والمعاملات عبادة في حد ذاته قد يغني عن أداء الطقوس بالشكل الروتيني المألوف، فالمسلم يكون مسلما بمبادئه وسلوكه وأخلاقه وليس بطقوسه، خاصة إذا أصبحت هذه الطقوس تؤدى فارغة من كل إحساس وجداني ومضمون إنساني وأخلاقي.
إن تعزيز هذه الأسس والمبادئ في تصورنا للإسلام، هي ما يجعله بالفعل دينا لكل إنسان، وصالح لكل زمان ومكان. إسلام يتماشى مع روح العصر، يصون كرامة الفرد وحقوقه طبقا لما تنص عليه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إسلام يستند على أساس أخلاقي حقيقي بما أن غايته هي سعادة الفرد في إطار الحماية التامة لكرامته، إسلام يقضي على ظاهرة التسول بدل اعتبارها أمرا طبيعيا يتيح للأغنياء والمحظوظين فرصة الافتخار بوضعهم الاجتماعي كمتصدقين يفعلون الخير بينما هم يكرسون وضعا غير أخلاقي يمس كرامة الفرد في الصميم ويجرح كبرياءه.
ما احوج المسلمين إلى التمثل الإيجابي للحديث النبوي الذي يقول فيه الرسول: "بعث لأتمم مكارم الأخلاق " على أساس فهم الأخلاق كصدق ونزاهة والسعي إلى الخير والمصلحة العامة وتقدير الفرد ككائن له كرامة وحقوق من المفروض الدفاع عنها وحمايتها من كل انتهاك .