ذٰلِكَ ٱلكَاتِبُ ٱلمَسْرَحِيُّ: تَهْمِيشُ ٱلفُقَرَاءِ أَمْ تَنْفِيشُ ٱلأَغْنِيَاءِ؟

غياث المرزوق
2018 / 7 / 12

كُلُّ مَكَانٍ سَوَاءٌ بِسَواءٍ،
وَكُلُّ أَدِيمٍ صَالِحٌ لِلْوَأْدِ وَالإِخْفَاءِ!
كريستوفر مارلو



أذكُرُ جيدًا أنَّ صديقًا حميمًا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ على المَلأِ الأدْنَى لأسبابٍ ليسَ هذا المكانُ مناسبًا لإيرادِهَا حَقَّ إيرادِهَا، أذكُرُ جيدًا أنَّه كانَ قدْ ردَّ بتعقيبٍ نقديٍّ يسترعي الانتباهَ كلَّ الانتباهِ حقًّا على كلٍّ من مقالِ صبحي حديدي «شكسبير وسيرفانتس: ملاكمة الجبابرة» (القدس العربي، 17 نيسان 2016) ومقال محمد الخطابي «شكسبير، إبداعات خالدة مصدر إلهام في كل العصور» (القدس العربي، 23 حزيران 2016)، وذلك احتفاءً أدبيًّا (وَاجِبِيًّا) بالذكرى المئويةِ الرابعةِ التي مَرَّتْ حينَئذٍ على رحيلِ هذا الكاتبِ المسرحيِّ (والشَّاعرِ) الإنكليزيِّ الكبيرِ – وقد أثارَ بالفعلِ شَاهدًا، وما فَتِئَ يُثيرُ بالفعلِ وبالقوَّةِ غائبًا، حولَهُ الكثيرَ من الجَدَلِ الأدبيِّ والسياسيِّ، على حَدٍّ سَوَاءٍ، ولوْ أنَ القصْدَ من هذا الرَّدِّ السَّريعِ، في هذا المقالِ السَّريعِ، إنَّما هو التركيزُ على الجَدَلِ السياسيِّ دونَ غيرهِ من أنواعِ الجَدَلِ. صَحيحٌ أنَّ هذا الكاتبَ المسرحيَّ الكبيرَ (ودُونما ذِكْرٍ لصفةِ «الشَّاعرِ»، ها هُنا، تحديدًا) يستحقُّ مَا كانَ يستحقُّهُ بجَدارةٍ، وما زالَ يستحقُّهُ، في الواقعِ، أو حتى في الخَيَالِ، من الاحتفاءِ الأدبيِّ (الواجِبِيِّ) بشتَّى مَعَاييرهِ القديمةِ، حتى قبلَ ما يقابلُها من معاييرَ حديثةٍ، في هذا الزمن – والمقالانِ المذكورانِ قبلَ قليلٍ في هذا الصَّدَدِ، والمقالُ المذكورُ أعلاهُ بوصفهِ واحدًا منْ «مُختاراتِ التمدُّن» إضافةً عليهما، لَخَيْرُ أمثلةٍ على ذلك، ولا ريبَ. إلاَّ أنَّ جُلَّ مَنْ كانوا يتجشَّمُونَ عَنَاءَ هذا الاحتفاءِ الأدبيِّ (الواجِبِيِّ) من النُقَّادِ الأدبيِّينَ والمعلِّقينَ الإعلاميينَ الإنكليزِ، إنْ لمْ نَقُلْ كُلَّهُمْ على الإطلاقِ، كانوا، في حقيقةِ الأمرِ، في عِدادِ المُوالِينَ والمُداهِنينَ (وإلى حَدِّ الترويجِ الدِّعَائيِّ السَّافرِ) لأزلامِ الطبقةِ المَلَكِيَّةِ الحَاكمةِ في أثناءِ ذلك الاحتفاءِ الأوَّلِ وما تلاهُ من الأثناءِ الأُخرى بالطبعِ، سواءً كانَ «الزَّلَمُ» المعنيُّ رمزًا من رُمُوزِ العبادةِ الدينيةِ أمْ رمزًا من رُمُوزِ العبادةِ الدُّنْيَوِيَّةِ حتى.

مِنْ هذا المنظورِ السياسيِّ الموالي والمُداهِنِ، في حدِّ ذاتِهِ، حينما يأتي الكلامُ الاحتفائيُّ الحَمَاسِيُّ على ذكرى ميلادِ، أو حتى على ذكرى رحيلِ، أديبٍ معيَّنٍ من الأدباءِ دونَ غيرِهِ، فإنَّ ما يمكنُ أنْ نصطلِحَ عليهِ صَوابًا في أغلبِ الظَّنِّ بـ«بَرَقْرَطَةِ» Bureaucratization الأدبِ التعليميِّ، أو حتى الأدبِ الترفيهيِّ منهُ (أي جَعْلُ هذا الأدبِ مَرْهُونُا بمآربِ ومثالبِ الأنظمةِ البيروقراطيةِ)، في أحسنِ أحوالِهَا، لا تختلفُ، من حيثُ المبدأُ، عن بَرَقْرَطَةِ الصِّحَافةِ السياسيةِ، أو حتى الصِّحَافةِ الترويجِيَّةِ الدِّعَائيَّةِ منها، في أسوأِ أحوالِهَا، وعلى الأخصَّ فيما لهُ رِبَاطٌ وثيقٌ بِتَمَحْوُرِ هذهِ الصِّحَافةِ بالذاتِ حولَ الإعلاءِ والتفخيمِ الترويجيَّيْنِ الدِّعَائيَّيْنِ لِـ«بَيَانِ» أيديولوجيةٍ عَتِيَّةٍ مُصْطَنَعَةٍ من الأديولوجياتِ، أو حتى لِـ«بَنَانِ» طاغيةٍ عَتِيٍّ مُصْطَنَعٍ من الطُّغاةِ. على مدى أكثرَ منْ أربعةٍ من القُرونِ الزمنيةِ المديدةِ، والمقولةُ «الاِلتزاميةُ» المركزيةُ التي تسودُ أيَّما سَيْدودَةٍ في كلٍّ من الأدبِ والنقدِ الأدبيِّ الإنكليزيَّيْنِ (بما فيهِمَا نظيراهُمَا غيرُ الإنكليزيَّيْنِ اللذانِ يسيرانِ على ذاتِ الوتيرةِ)، والمقولةُ لا تني تسلِّطُ الأضواءَ كلَّها على ذلك الكاتبِ المسرحيِّ، وليام شكسبير، على اعتبارهِ العَلَمَ الإنكليزيَّ الأكثرَ أهمِّيَّةً من بينِ أعلامِ الكتابةِ المسرحيةِ طُرًّا، في حينِ أنَّ ثَمَّةَ عَلَمًا (إنكليزيًّا) آخَرَ لا يقلُّ أهميةً عن ذلك العَلَمِ في الكتابةِ المسرحيةِ ذاتِهَا (والحقُّ يُقالُ، على أقلِّ تقدير)، يكادُ أنْ يزولَ وأنْ ينمحيَ من صفحاتِ الذاكرةِ الجمعيةِ الإنكليزيةِ برمَّتها، قبلَ زوالِهِ وانْمِحَائِهِ من صفحاتِ أيَّةِ ذاكرةٍ جمعيةٍ أُخرى، على الرَّغمِ من أنَّ هذا العَلَمَ (الإنكليزيَّ) الآخَرَ قدْ وُلِدَ في العامِ الزمنيِّ ذاتهِ (أي عامَ 1564، تحديدًا)، وقدْ عاشَ في العصرِ المَلَكِيِّ ذاتِهِ، وقدْ كتبَ بالأسلوبِ الأدبيِّ ذاتِهِ، لا بلْ بأسلوبٍ أغْوَرَ منهُ عُمْقًا وأشدَّ منهُ قُوَّةً وأبعدَ منهُ إيحَاءً، على أكثرَ من صعيدٍ، كذلك – وأعني بهذا العَلَمِ (الإنكليزيِّ) الآخَرِ، ها هُنا، «بَنَانَ» الكاتبِ المسرحيِّ، كْرِيسْتُوفَرْ مَارْلُو بالذاتِ، الكاتبِ المسرحيِّ الذي لمْ يبرحِ الإبهامُ والغموضُ يكْتَنِفَانِ اختفاءَهُ بعدَ العام 1593 حتى هذهِ الأيَّامِ.

وبما أنَّ المدرسةَ النقديةَ الأدبيةَ المُسَمَّاةَ بـ«التَّارِيخَانيةِ الجديدةِ» New Historicism لَمَدْرَسَةٌ حديثةٌ نسبيًّا تُعنى عنايةً جدَّ كبيرةٍ بانتقادِ الأنظمةِ السياسيةِ الاسْتِحْوَاذِيَّةِ المُصَرَّحَةِ، وبافتضَاحِ المناظمِ الثقافيةِ الهُجَاسِيَّةِ المُضْمَرةِ، وبانتقاضِ المقولاتِ «الاِلتزاميةِ» المركزيةِ التي تطغى بينَ هذي وتلك، فلا شخصيةُ شكسبير نفسِهِ على المستوى السياسيِّ الذاتيِّ، بوجهِ العُمُومِ، ولا حتى مسرحيتُهُ الشهيرةُ «ريتشارد الثاني» Richard II نفسُهَا على المستوى السياسيِّ الموضوعيِّ، بوجهِ الخُصُوص، لَخَلِيقَةٌ بالاهتمامِ، أوْ حتى بالذكْرِ، كمَثَلٍ يتأتَّى للمَرْءِ أنْ يحتذيَ به من حيثُ اتخاذُ المواقفِ الثوريةِ المناضلةِ، أو النقديةِ المُعَاذِلةِ، أو حتى التقدُّميةِ المُسالمةِ، كما يظنُّ الكثيرُ من النقادِ الأدبيِّينَ العربِ في هذا المجالِ، بمَنْ فيهمْ مَنْ ذُكروا ذِكْرًا استهلاليًّا في مستهلِّ هذا المقالِ. قدْ يكونُ ظنُّهُمْ مُصِيبًا بأنَّ الحديثَ الجادَّ عن شكسبيرَ كشخصيةٍ يتعذَّرُ أو يستحيلُ أن يكونَ حديثًا جادًّا مُجْدِيًا بمعزلٍ عن السياسةِ (أو الحياةِ السياسيةِ) بالذاتِ، وذلك بمُقتضى مُعَاصَرَتِهِ حقبةً زمنيةً تكتظُّ بالعديدِ من الأحداثِ السياسيةِ الشائكةِ، أوَّلاً، وبحُكْمِ موهبتهِ الكتابيةِ في تصويرِ هذهِ الأحداثِ السياسيةِ بدقةٍ متناهيةٍ لمْ يسبقْ لها مثيلٌ، ثانيًا. وقدْ يكونُ ظنُّهُمْ مُصِيبًا كذلك بأنَّ «ريتشارد الثاني» كمسرحيةٍ تتلخَّصُ بنيتُها السِّرديةُ (أو القَصِّيَّةُ) في قيامِ هذا الملكِ بعقابِ ابنِ عَمِّهِ بولينغْبرُوك Bolingbroke عقابًا ميراثيًّا حَدَا بالأوَّلِ إلى بَيْعِ تلك الأرضِ التي وَرِثَها عن عَمِّهِ (أي والدِ بولينغْبرُوك) من أجلِ تمويلِ الحربِ التي شنَّها على إيرلندا قبلَ انشطارِهَا إلى شمالٍ أو جنوبٍ، ممَّا أسخطَ الشعبَ كلَّهُ وأرْغَمَهُ من ثمَّ على مساندةِ بولينغبروك نفسِهِ مساندةً غايتُهَا الأولى والأخيرةُ إنَّما هي الإطاحةُ بريتشارد الثاني ذاتِهِ، والاستيلاءُ بالتالي على السلطةِ التي كانَ يتمتَّعُ بها دونَ سِوَاهُ. بَيْدَ أنَّ شكسبيرَ كشخصيةٍ، أو حتى كـ«مسرحيةٍ»، لمْ يكُنْ، في واقعِ الأمرِ، كاتبًا ثوريًّا مناضلاً ولا كاتبًا نقديًّا مُعَاذِلاً ولا حتى كاتبًا تقدُّميًّا مُسالمًا بالمعاني المُقابلةِ لهذهِ العباراتِ عَصْرَئِذٍ – على الأقلِّ بالمعاني التي كانَ معاصرُهُ مارلو يتَّصفُ بها من حيثُ نقمتُهُ المَحْمُومَةُ على السُّلْطةِ القائمةِ، ومن حيثُ تهكُّمُهُ المُسْتَخْفِي بالليلِ والسًّارِبُ بالنهارِ من هذهِ السُّلْطةِ. على النقيضِ تمامًا (وقدْ يخْدِشُ هذا الكلامُ آذانَ الكثيرِ من النقادِ الأدبيِّينَ العربِ وغير العربِ)، كانَ شكسبيرُ كاتبًا مداهنًا ومتملِّقًا ومتزلِّفًا لأزلامِ السُّلْطةِ القائمةِ ولأعوانِ الطبقةِ الأريستقرطية منها، وإلى حدِّ الطُّموحِ المُستميتِ إلى امتلاكِ نوعٍ من السُّلْطةِ السياسيةِ يوازي امتلاكَهُ ذلك النوعَ المروَّجَ لَهُ دِعائيًّا من «السُّلْطةِ الأدبيةِ» التي كانَ أولئك النقادُ الأدبيُّونَ على اختلافِ مشاربهِمِ، وما زالوا، يطبِّلونَ ويزمِّرونَ لها في كلِّ فرصةٍ سَانحَةٍ.

جديرٌ بالإشارةِ، ها هُنا في سياقٍ يحاولُ ألاَّ يبْخَسَ أيًّا من الكاتبَيْنِ المسرحيَّيْنِ حقَّهُ، أنَّ كلاً من شكسبير ومارلو كانَ في «وجدانيَّاتِهِ» يركِّزُ تركيزًا خاصًّا على مخاطبةِ الضَّميرِ الإنسانيِّ الذي لم تشُبْهُ أيَّةُ شائبةٍ تاريخيةٍ، من طرفٍ، وعلى مخاطبةِ الضَّميرِ الإنسانيِّ الذي شابتْهُ شوائبُ الخلفياتِ السياسيةِ والدينيةِ والثقافيةِ، من طرفٍ آخرَ، تمامًا كما في المسرحيةِ المشهورةِ «تاجرُ البندقية» The Merchant of Venice عندَ الكاتبِ الأولِ، وتمامًا كما في المسرحيةِ المغمورةِ، أو الأقلِّ شُهْرَةً، على الأقلِّ «يهوديُّ مالطا» The Jew of Malta عندَ الكاتبِ الأخيرِ. ناهيكِ، بطبيعةِ الحالِ، عن ذلك التقاربِ اللافتِ بين الكاتبينِ في سيرُورَةِ أسلوبِ الحوارِ المسرحيِّ الأحاديِّ (أو المونولوجِ الدراميِّ)، أولاً، وفي صيرُورةِ أسلوبِ الشِّعْرِ الحُرِّ (أو الشِّعْرِ المُرْسَلِ)، ثانيًا، بحيثُ إنَّ هذينِ الأسلوبَيْنِ يتشابكانِ تشابُكًا ليسَ لهُ سوى أنْ يخدمَ في كيفيَّاتِ البثِّ والتَّحريكِ والانبعاثِ لكلِّ ما تنطوي عليهِ النفسُ البشريةُ من مشاعرَ أو عواطفَ كَنينَةٍ، كالخوفِ والرُّعْبِ والغَضَبِ، وغيرِها من الحالاتِ الذهنيةِ الدفينةِ. علاوةً على ذلك، في السياقِ «اللاَّبَخْسِيِّ» ذاتِهِ، لقدْ تعلَّمَ شكسبيرُ، واعيًا أو غيرَ واعٍ، من مُعَاصِرِهِ مارلو حيثيَّاتِ الشُّرُوعِ في مُعَالجةِ السُّلوكِ الأخلاقيِّ، أو حتى السُّلوكِ اللاأخلاقيِّ، للشخصياتِ المسرحيةِ على اختلافِ أنواعِها في كلٍّ من دخائلِ الروحانيةِ Spirituality ورغائبِ الجَسَدَانيةِ Corporeality، بما فيها غرائزُ وكَوابتُ الجِنْسَانِيَّةِ Sexuality، في حدِّ ذاتِها. وهنا يتكمَّنُ الفارقُ السياسيُّ-الاجتماعيُّ الجوهريُّ بينَ الكاتبينِ المسرحيَّيْنِ في هذا السياقِ «اللاَّبَخْسِيِّ» المُتَكَلَّمِ عنهُ، هكذا: ففي حينِ أنَّ مارلو كانَ يخالطُ كلَّ شرائحِ المجتمعِ الإنسانيِّ بِمُوسِرِيهِ ومُعْدَمِيهِ دونَ أنْ يهمِّشَ حتى المهمَّشينَ في حَيَواتِ الشوارعِ، فاستلهمَ من ثمَّ جُلَّ مسرحياتهِ من هذهِ الحَيَواتِ بالذواتِ، فإنَّ شكسبيرَ لمْ يعاشرْ أيًّا من المُعْدَمينَ أو المهمَّشينَ في حَيَواتِ الشوارعِ هذهِ البتَّةَ، فكانتْ كلُّ مسرحياتهِ بالتالي تتحدَّثُ حديثًا «تنفيشيًّا» مُعْلَنًا أو مُسَرًّا عن الطبقاتِ المَلَكيةِ الحاكمةِ وعن طبقاتِ الأريستقراطيينَ والنبلاءِ، سواءً كانوا في الواقعِ أمْ في الخيالِ أمْ في الأسطورةِ أم حتى في الخرافةِ.

وَجديرٌ بالإشارةِ، ها هُنا أيضًا، أنَّ الفكرةَ الرئيسيةَ التي تناولها الكتابُ الأخيرُ للناقدِ الأدبيِّ الفذِّ إدوارد سعيد «عن الأسلوبِ المتأخِّرِ: موسيقى وأدبُ عكسِ التيَّارِ» يُمكنُ إيجازُها على النحوِ التالي: هناكَ فريقانِ متباينانِ من الأعلامِ الفُذُوذِ في أشكالِ الإبداعِ الأدبيِّ والفنيِّ كافَّتِهَا – هناكَ، من جهةٍ، فريقٌ أوَّلُ كانَ قدْ «تحدَّى مداهمةَ الموتِ بالسيرِ عكسَ التيَّارِ في المضمونِ والشكلِ»، فكانَ من ثمَّ يطمحُ إلى فاعليَّاتِ الرفضِ والمشَاكسةِ والعنادِ، وإلى «ألاَّ يكونَ قابلاً لأنْ يصالحَ الواقعَ»، إلى آخرهِ من هذهِ العباراتِ الثوريةِ أو التمرُّديةِ. وهناكَ، من جهةٍ أُخرى، فريقٌ ثانٍ كانَ قدِ استسلمَ مُذْعِنًا لمداهمةِ الموتِ بالسيرِ مع التيَّارِ في المضمونِ والشكلِ، فكانَ من ثمَّ يلجأُ إلى منفعليَّاتِ القبولِ والمداهنةِ والرُّضوخِ، وإلى أنْ يكونَ قابلاً لأنْ يصالحَ هذا الواقعَ، إلى آخرهِ من هذهِ العباراتِ اللاثوريةِ أو اللاتمرُّديةِ.

بوجيزِ الكلامِ، في الأخيرِ، فإنَّ الكاتبَ المسرحيَّ كريستوفر مارلو ومَنْ حَذَوْا حَذْوَهُ إنَّما يمثِّلُونَ اتجاهَ الفريقِ الأوَّلِ، أي الاتجاهَ التقدًّميَّ الثوريَّ أو التمرُّديَّ، بكلِّ امتيازٍ، في حينِ أنَّ الكاتبَ المسرحيَّ وليام شكسبير ومَنْ نَحَوْا نَحْوَهُ فلا يمثِّلونَ إلاَّ اتجاهَ الفريقِ الثاني، أي الاتجاهَ الرجعيَّ اللاثوريَّ أو اللاتمرُّديَّ، بكلِّ امتياز كذلك.

*** *** ***

لندن، 9 تموز 2018