أثرياء الفساد

حسين رشيد
2018 / 7 / 12

رغم سعي وعمل الأحزاب الحاكمة ومؤسساتها (الاقتصادية) الناهبة للمال العام، ورغم كل أرقام مال السلطة، لكنها فشلت في بناء قواعد شعبية صلدة، إذ فاتها، إن المال يمكن أن يشتري الكثير، لكنه حتماً سيعجز عن شراء ذمم وشرف وأخلاق الجميع، وفق ذلك أصبح بين السياسيين والسلطة وبعض رجال الدين والأحزاب من جهة، وبين الشعب من جهة أخرى، خندق عميق عريض من نار تذكيه سرقاتهم التي لا تتوقف مصحوبة بتستّرهم الممنهج على اللصوص، والذي يمضى على قدمٍ وساق، دون الالتفات الى فقراء الشعب الذين دفعوا الثمن من أيام عمرهم وحقوقهم من إيرادات البلاد التي استنزفها فساد الساسة ومتعهدوهم من مقاولي التغيير ورجال الأعمال ومقاولي المشاريع الوهمية والمتلكئة الذين انتجهم المال الفاسد.
انتج الفساد السياسي شريحة من المقاولين ومتعهدي الأعمال جلّهم مرتبط بالأحزاب، حتى تحول بعضهم بين ليلة وأخرى الى أحد اثرياء البلد، دون أن يتم انجاز أي مشروع بشكل سليم مهما كان حجمه ونوعه، واعتقد ليس هناك أسهل من تبليط الأرصفة بالمقرنص، أرصفة المدن شاهدة على ذلك. بالتالي هذا يؤكد فشل كل تلك الأعمال والمقاولين صنيعة المال السياسي الفساد وإيرادات النفط الكبرى، التي سرعان ما عادت وبطشت بنسبة كبيرة منهم حين انخفضت، بالتالي لم يكن إلا اعتماد سياسة التقشف التي دفعت بكمٍّ كبير من هؤلاء المقاولين، إلى الخروج بأكثر من تظاهرة ضد الحكومة، مطالبين بمستحقاتهم المالية المتأخرة، ويحاولون أن يصوّروا أنفسهم كضحايا للسياسات النقدية والمالية الفاشلة للدولة، وفي حقيقة الأمر، هم الطرف الثاني الأكبر لمعادلة الفساد بل هم الأداة واليد السوداء الساندة للسياسي وبدونهم لا تكتمل عملية السرقة.
قوانين حرية السوق أو اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر، التي روّجت لها امريكا، استوعبها الإسلام السياسي بطريقته الخاصة والنفعيّة جداً، والتي من خلالها استطاع بناء منشآته الاقتصادية، إذ توجهت كل قوى وأحزاب السلطة الى قطاع عمل معين، هذا سيطر على الجامعات الأهلية، وآخر على قطاع السكن، وثالث اهتم بالاستيراد الزراعي، ومنهم من شارك تجّاراً باستيراد كل شيء يدرُّ ربحاً، فيما يشتركون جميعهم بمزاد العملة اليومي عبر مصارفهم وشركات التحويل المالي! وفق ذلك تكوّنت لدينا حياة اقتصادية غريبة ومشوّهة حتّى في مواصفاتها الطفيلية بحسب أن "الفساد نتاج زواج غير شرعي بين السلطة والثروة" وهو قانون يأخذ مجراه في كل زمان ومكان، ويترك تبايناً كبيراً في الخارطة الاجتماعية كما يحدث الآن، إذ يمكن عدُّ هذه الفترة الأكثر تفاوتاً في مستوى الدخول واتساع الفوارق.
(مقاولو الصدفة) والدخلاء على المهنة الذين كاثرهم الفساد السياسي، أخذوا يتساقطون الواحد تلو الآخر، إن كان بسبب توقف المشاريع والبناء، أو بسبب الديون المتراكمة، لكن لم يسقط أحد منهم بسبب فشل انجاز المشاريع أو التلكؤ بإنجازها، مثلما لم يُقدم أحد منهم، الى المحاكم لنيل جزائه واستعادة الأموال التي بذمته من القروض المصرفية. ونحن على مقربة من 9 نيسان، وبداية حكم احزاب المعارضة الاسلامية، هل بذهن أحدنا مشروع واحد مهما كانت تكلفته المالية، قد انجز دون فساد والغوص في مستنقع الفساد. الموازنة الحالية والموازنات المقبلة، تشغيلية، ولايوجد أي استثمار يحرك الاقتصاد، لأن أسعار النفط ستبقى على حالها. فيما تبلغ قيمة المشاريع المعطلة (الهياكل) 206 مليارات دولار لأكثر من 9000 مشروع. وفق ذلك تصوّروا كم مقاولاً لدينا؟.
حين يتولى اللصوص السلطة تعجّ مفاصل الدولة بالدخلاء