ضباطنا العظام ..و التكريم بقوة القانون .

محمد حسين يونس
2018 / 7 / 6

في موكب مهيب مكون من عشرات السيارات السوداء الفاخرة .. تحرك الرئيس السادات يوم 19 فبراير 1974 وضيفيه العقيد الليبي معمر القذافي، والرئيس الزائيري موبوتو سيسيكوكو...في إتجاه مجلس الشعب الذى يعقد جلسه ختامية مخصصه لتكريم كبار ضباط حرب أكتوبر متناسيين (جميعا ) أن إسرائيل كانت في نفس الوقت تضع الرتوش النهائية لتنفيذ الخطة ( شوفاح يونيم ) أو برج الحمام التي بدأتها بعد أن قرر السادات تطوير الهجوم في سيناء بدون دراسة أو معرفة لظروف ميدان القتال فأوقع القوات المدرعة المصرية في مصائد دبابات العدو مما أدى لتدمير 250 دبابة في 5 ساعات .
إسرائيل بدأت عبور القناة للضفة الغربية ..بعدد محدود من الدبابات البرمائية بهدف تدمير قواعد الصواريخ التي تزعج قواتها الجوية وذلك خلال ايام ( 15 ،16 ، 17، 18 ) اكتوبر...وكانت في لحظة التكريم الاستعراضية بمجلس الشعب قد بنت كوبرى خرساني لعبور القناة عند الدفرسوار بعد ما لم تجد من يتصدى لها ..و نجحت بقيادة شارون .. في نقل قوات مشاة و مدرعة تفوق تلك التي للمكرمين علي أرض الضفة الغربية .((ثلاث فرق مدرعة: فرقة أرئيل شارون وفرقة أبراهام أدان وفرقة كلمان ماجن، وكانت هذه الفرق تضم سبعة ألوية مدرعة: ثلاثة ألوية في فرقة أدان، ولواءين في كل من فرقتى شارون وماجن، بالإضافة للواء مشاة مظلات بفرقة شارون، ولواء مشاة ميكانيكى بفرقة ماجن)) قوات كثيفة تقف بهم بعيدا عن أرض المعركة علي حدود القاهرة بأقل من مائة كيلومتر .
السيد الرئيس الذى كان يقوم بالتكريم أمام ضيوفه و كاميرات التلفزيون .. هو الذى طلب من الامم المتحدة الاشراف علي وقف إطلاق النار و بدء مفاوضات فك الاشتباك الاول في 18 يناير 1974 اى قبل التكريم بشهر بمعني أنه كان يعلم بوضوح الوضع الذى كانت علية القوات و هو يرتدى حلة المارشيلية ويمسك عصاها .. و يقوم بدور المنتصر في سيناريوشعبي غير متقن .
تقود هذه اللحظة الفارقة في التاريخ إلي ثلاثة محاور لها تأثيرها علي سير الاحداث في بلدنا حتي اليوم :-
1 - ان السادة من كبار الضباط غسلوا بعد ذلك أيديهم من أوزار هزيمة 67 وبدأوا في حصد ثمرات النصرخصوصا سيادة المقدم محمد حسين طنطاوى الذى دمر له الطيران المعادى كتيبته ( 16 مشاة ميكانيكية ) بالكامل و لم ينجو منها إلا قائدها أثناء الهجوم علي الفرقة 18 بالدفريسوار يوم (15 أكتوبر ) .
2- أن إسرائيل منذ هذه اللحظة أعلنت إنتصارها في المرحلة الثانية من حرب (كيبور ) و أنها أصبحت بذلك تمتلك القرار في الاستمرار أو التوقف .. مع توجيه الاحداث لصالحها .. ثم تفرض بعد ذلك صيغة السلام الذى تراه علي المنطقة كما خططت له
3- أن الاعلام في مصر أرسي المعالم النهائية للمرحلة التالية وأصبح شعاره صم بكم لا يعلمون إلا ما يقوله لهم الكبار وقابله المصرى الذى أرهقته عبارة ((لا صوت يعلو عن صوت المعركة )) بالرقص و الغناء و ترديد أهازيج الانتصار و أغاني الهنا و السرور.

يوم 5 يونيو 1968 أصدر الفريق محمد فوزى أوامره للجيش المصرى بالكمون في مقراته و معسكراته و عدم التحرك بالزى الرسمي في شوارع مصر حفاظا علي أمنهم من غضبة الشعب الذى يحملهم مسئولية الهزيمة .. ثم توجيهات للقادة بأن يشرحوا للضباط و الجنود ما دبجته إدارة التوجيه المعنوى من مبررات و أسباب للهزيمة .. لرفع روحهم المعنوية .
عندما جلست بين جنود سريتي لأنفذ التوجيهات ..أرسل باقي الضباط جنودهم للمكان و ضباط الكتائب المجاورة بحيث وجدتني أقف بين أعداد غير متوقعة من الجنود و صغار الضباط .
في ذلك الوقت كان قد تم تجنيد ذوى المؤهلات العليا .. و فتحت الكلية الحربية باب الانضمام لهم ليصبحوا ضباطا .. و هكذا وجدت أن معظم الذين يجلسون حولي (جنود ، صف ضباط ،ضباط ) شباب من المؤهلات العليا .. الذين يصعب تلاوة دروس التوجيه المعنوى عليهم دون نقاش .. لقد و ضعني الزملاء في موقف شديد الصعوبة .. إخترت فيه أن أكون صادقا .. ليستمر حوار ساخن لأربع ساعات بدأ بالحرب و إنتهي بهزيمة المجتمع غير الديموقراطي الذى تتحكم فيه قوات الامن و الشرطة العسكرية .. ورجال السجن الحربي و مخابرات صلاح نصر العامة و وشايات التنظيم الطليعي ..و الخوف الكامن في النفوس حتي من الاقارب و الاصدقاء ... في اليوم التالي تم نقلي من الكتيبة بتوجيهات مجهوله لم يعجبها حديث ظهيرة يوم 5 يونيو 1968 .
الضباط الذين كانوا يخجلون من إرتداء زيهم الميرى ..أو الاشتباك في أى مشكلة مع المدنيين .. أو العمل في أى نشاط خارج حدود ما درسوه من أساليب الحرب و القتال .. قادهم عبد الناصر و رجاله إلي المعرفة و الفهم و التدريب و تفرغوا للعمل الجاد في سبيل رفع كفاءتهم القتالية و التكتيكية ..و تخلصوا من أوزار جيش عبد الحكيم عامر الذى كانت مهامة المدنية تشغلهم أكثرمن مهامه العسكرية و جهل قادته الذى كان علامة ووصمة ذلك الزمن .
الجيش الذى عبر القناة يوم 6 أكتوبر73 .. كان يخالف ذلك الجيش الذى تم حشدة بالجلاليب في سيناء في مايو 67 لقد تم تدريبهم جيدا علي كل مراحل العبور .. و صد الهجوم المضاد للعدو .. و تدمير مدرعاته بأسلحة خفيفة .. و أدى الجنود و صف ضباطهم و صغار الضباط .. دورا رائعا .. مذهلا للصديق قبل العدو .
لست بصدد الحديث عن تطورات حرب أكتوبر إلا في كون سيادة الرئيس السادات قد أدارت راسه نشوه النجاح .. فتصور نفسة مونتجمرى أو روميل في معركة العلمين .. ولبس دور المارشال ..و بدأ في إعطاء التعليمات دون روية أو علم و عندما عارضة من يعلمون أطاح بهم مما سبب لباقي القادة رعبا فصمتوا ينفذون تعليمات هم أول من يعرف أنها ستؤدى للفشل و الهزيمة .
القائد محدود التعليم ضعيف الخبرة .. الذى تصور أنه صانع المعجزات .. أضاع النصر .. و ليظل الحلم قائما بأنه مارشال العصر .. بدأ في التخلص من ضباطة العظام واحدا إثر الاخر ثم إختار أقلهم تأثيرا و دورا في المعركة لينصبه .. نائبا له .
منذ ذلك الزمن .. بدأ البعض يجني ثمار المعركة .. ويركن إلي الراحة بعد أن عبرت العاصفة .واصبح المنهج السائد بين القادة العظام .. أن حرب أكتوبر هي أخر الحروب .. و أن علي الجيش أن يصبح جيشا محترفا قليل العدد حسن التدريب و العتاد .. فالعدو لم يعد عدوا .
25 يناير 2011 كان قد مضي علي أخر حرب خاضها الجيش المصرى 38 سنة بعني أن الضابط الذى كان عمره في هذا اليوم 50 سنة (مستوى لواء أو أكبر ) كان في زمن أخر الحروب عمره لا يزيد عن 12 سنة فيما عدا قائد أو إثنين من المجلس العسكرى الذى أحال له مبارك حكم مصر كان الجميع لم يشهدوا خلال مدة خدمتهم حربا .. بل بالعكس تمتعوا بكل منجزات من سبقوهم مرتبات مرتفعة بعثات للخارج لا تتوقف .. مميزات تعتبر أحلاما لمن كانوا من ضباط عبد الحكيم عامر .. مشاريع إستثمارية لا حصر لها تعود بالفوائد علي من يديرونها ..إنتقال لوظائف قيادية مدنية بعد الاحالة للمعاش.. نوادى ،مستشفيات عالمية ..مصايف وكانت رحلات الحج والعمرة مدعومة و ميسرة للجميع ...لقد كان سيادة المشير القائد يتابع فرقتين أو ثلاثة لكرة القدم ميرى .. يؤدون بشكل مشرف في الدورى المصرى .. .... و الحياة جميلة ولونها بمبي .
لا حرب لا مخاطره .. دخل عال يجعل البعض يمتلك الملايين .. و لا أريد أن اقول المليارات . ثم أن ..المجلس العسكرى يسلم البلد للاخوان .. و السلفيين .. و يعود لثكناته .. ولكن الوافد الجديد .. يضيق الخناق علي مكتسبات الكبار .. يطيح بقادة كانوا راسخين .
في نهاية السنة الاولي للاخوان المسلمين .. و بعد مطالبات من القوى الوطنية يعود المجلس العسكرى ليحكم ..وهو فخورا بإنجازه و مرحبا به من العامة .. و يزج بالمنافسين في السجن .. ثم بالمعارضين ثم بالسياسين .. ثم تدورالحياة في دائرة كاملة و يدين حكم مصر لضباطها .
بعد نهاية خمس سنوات .. يقوم البرلمان .. بناء علي توصيات الحكومة بإصدار قانون .. يجعل البعض من كبار الضباط محصنا .. و يعامل بداخل (الوطن ) معاملة الوزراء و بالخارج معاملة السفراء .. و ينعم علي البعض بالنياشين و الاوسمة .. رغم أن أى منهم لم يخض في يوم ما معركة ولم يقد قوات و لم يحارب و ينتصرو لم يطفح الكوته في أصقاع اليمن و صحارى وجبال سيناء .. و لم يطلق علية النار .. و لم يشرب ماء بدوده أو يبلع رز بالرمل .. يا بختكوا .. ربنا يحميكم من عيني .. حاكم أنا عيني وحشه و حسود .

تعاملت مع الاسرائليين من 8 يونيو 1967 حتي 24 يناير 1968 و دونت كل الاحداث (أو ما تذكرته منها ) في كتابي (( خطوات علي الارض المحبوسة )) .. من بين ما كتبت ثلاث مواقف موحية بشدة ..
أحدهما عندما قلت لمحاورى أن أمريكا فتحت حنفية تنزل دهبا من واشنطن لتل أبيب .. فرد نعم .. و لكننا أخذنا هذه الاعانات و حولناها لمدارس و معامل و مصانع و جامعات ..أما أنتم فقد حولتموها لقمح والبان و جبنه .. المدارس و المصانع لا زالت تعمل و الخبز و الجبن و اللبن إستهلك .. نقلت هذا التحذير لاهلي .. ولكننا لا نتعلم سواء من العدو أو الصديق .. مازلنا نستدين لنأكل و نستهلك .. و نهمل ما يطور البشر و يرتفع بقيمتهم .
مردخاى هود قائد الطيران الاسرائيلي في زمن المعركة و قف أمام باب حجرتنا .. و عندما راى حزننا قال لكم حق لقد فاق الانتصار أقصي أحلامي جنونا .. لم أتوقع أبدا .. أن تكون دفاعاتكم بهذه الدرجة من الهشاشة ..
نعم .. عندما قال المشير عامر أمامي ..(( قلهم يا صدقي طيرانا شكله إيه)) .. فرد (( لن يحتاج جنود المشاة لتطهير خنادق العدو سأطهرها بقواتي ..)) فصفق الضباط .
سكرتير حزب الماباى المصاحب لنا في الزيارة أغلق الراديو بعدما قال عبد الناصر إنها مجرد جولة خسرناها من معركة طويلة .. ثم إلتفت لنا ورد (( نحن لدينا أسلحة ردع لم نستخدمها .. لان الطرق التقليدية أتت بنتائج مبهره )).. ((قولوا لعبد الناصر اننا نحترمه .. و مستعدون لسلام دائم .. و ستكون هديتنا لمصر لو حدث هذا .. مفاعل ذرى علي الخليج .. يحول الماء المالح لماء عذب .. نزرع به سيناء و النقب .. و تمتليء بتجمعات سكانية مسالمة .. بدلا من المدرعات و القنابل و المفرقعات )) .
كلما رأيت النتائج الهزيلة التي خرج بها من جاءوا بعد عبد الناصر مقابل ما لم يكن سيقدمهم لهم أبدا .. أفهم كيف كانت حرب أكتوبر و سياسة الرئيس السادات .. نقطة البداية لسيطرة إسرائيلية طويلة المدى ..تلاعب فيها المليارديرات الامريكان .. بقوم سذج قاموا بأعمال التدمير الذاتي لقدرات وطنهم ثم سلحوا أنفسهم بالحصانة و متعوا أنفسهم بمزيد من الامتيازات التي منحها إياهم توابع الحكومة و البرلمان .

صورة عضو مجلس الشعب أو الامة لتي أخذت له وهو يرقص في قاعه البرلمان لان جمال عبد الناصر لم يتنح لازالت الرمز و المعني لمدى تدهور الحياة النيابية في بلدنا .. لقد قال البعض أن ذلك بسبب ال50% عمال و فلاحين .. و لكن مارأيكم في برلمان الجنرالات الذى جاءت به هوجة 30 يونيو 2013 الذى لم يصدرعنه إلا قوانين ضاره و مؤذية و سالبة لحرية و أموال الناخبين .
الاخطاء التي إرتكبها المجلس العسكرى الاول أثناء توليه الحكم .. كانت المدرسة التي تعلم فيها المجلس العسكرى التالي .. و إستطاع بواسطتها .. فرض سياسة صندوق الدين .. و السيطره علي كل العناصر التي توجه الحجيج ناحية التكبير و التهليل بفضل متخيل لهم مرسوم بدقة بواسطة أجهزة البث و الدعاية المختلفة .
رغم أنني متوقف منذ مدة طويلة عن متابعة وسائل النشر من إذاعة و تلفزيون و جرائد و مجلات و منشورات .. إلا أنه يصلني بين الحين و الاخر دليلا علي مدى كفاءة هذه الاجهزة في جعل الفسيخ شربات من خلال مناقشات مع بعض السادة الذين اصابهم الفيروس بشده و جعلهم لا يفهمون معني أن 38% من موازنة الحكومة مخصصة لسداد فوائد الديون .. و أن الاجور تقلصت من 33% إلي 18 % بينما الخدمات الاساسية لا نسمع إلا وعودا بتحسنها تنسي بعد ساعات .
أجهزة البث و الدعاية بالاضافة إلي تكنولوجيا حماية الريس هي الفنون و العلوم التي تفوقت فيها أجهزة الحكام منذ نائب مجلس الشعب الراقص .. حتي الراقصات المدربات حول لجان الاقتراع .
المصريون .. منذ زمن بعيد يصل إلي خمسنيات القرن الماضي .. لم يعد يهمهم من الذى يحكمهم و لا من الذى يسرقهم و لا من الذى ينفق أموالهم في بلاعات الاسراف .. و لا من يستدين و يكبل الاجيال التالية بسداد القروض و فوائدها .. و لا من يستخرج الذهب و يهربه أو الاثار و يبيعها أو البترول و يسلمة لصاحب نصيبة .. فحسين سالم .. أصبح منه الالاف .. و إذا لم تكن متابعا لقضايا الرشوة .. التي أصبحت حكرا علي اللواءات السابقين .. فأنت تعيش في سلام تحلم بغد لن يشرق و غرقان في العسل ؟؟ يا بختك يا هناك ..
أن تقدم الحكومة مثل هذا القانون الذى يقول أن هناك من يعتبر نفسه البريمو و الباقي أتباع وأن يقوم البرلمان بإصدار قانون تمييز البعض صاحب الحظوة و الحظ الحسن و ان يتقبل الشعب هذا ببساطة و إبتسام المستسلمين لقضاء الله و قدرة .. يدل علي أن هذا المجتمع في أزمة تفوق تلك التي واجهها في 67 .. بصراحة ..حاجة تكسف .