قرنان من الخمول و الإنكسار

محمد حسين يونس
2018 / 7 / 3

ورط الباب العالي (جيوش مصر ) في حروب عديده بصفتها ولاية عثمانية يحكمها الوالي محمد علي .
حروب في شبه الجزيرة العربية للقضاء علي الوهابية وفي السودان ثم في اليونان لردع ثورة المورة.. و إنتهز الوالي المغامر هذا ليحقق إنتصارات عديدة شملت بعد ذلك جنود الانكشارية أنفسهم في الشام و كاد أن يصل بجيوشه لمقر السلطان العثماني .
انتهى هذا الطموح عندما تحالفت دول اوروبا ضده وارغموه بناء علي معاهدة (لندرة ) على ان ينسحب من الاماكن التي استولى عليها فى مقابل ضمانهم له أن يصدر السلطان العثمانى فرمانين (في 13 فبراير 1841) يمنح فيهما حكم مصر له و لأبنائة من بعده .
بداية الانهيار جاءت قبل هذا التاريخ بأربعة عشر سنة عندما لاقي الاسطول المصرى بقيادة إبراهيم باشا هزيمة ساحقة أمام سواحل اليونان في 20 أكتوبر 1827 فيما سمي بعد ذلك بمعركة نيفارين البحرية .
((قتل فى المعركه 30.000 بحار من ال 42.000 الذين كانو فى الاسطول ، و غرقت 19 سفينه مصريه من ال 31 سفينه التي شاركت فى المعركه و اعداد ضخمه من الناقلات ، و ضاعت مبالغ ماليه مهوله دفعها الشعب المصرى هباء))..
بعد نيفارين تجنب محمد علي مواجه الدول الغربية و لكنه زحف(بتشجيع منها ) بجنودة إلي الشام وإستولي علي أجزاء واسعة تعويضا عن الاضرار التي لحقت به من حرب المورة ..وظل يحكمها ..حتي تم عقد معاهدة بين الدول الاوروبية و السلطان العثماني في لندن عام 1840 أجبر فيها محمد علي ،علي سحب جنوده من الشام في مقابل ما سبق ذكره من ضمان حكم مصر له و لابنائة من بعده .
بعد الانسحاب وبمرور الوقت و تنفيذا لهذه المعاهدة الظالمة فقد جيش محمد علي قدراته القتالية ثم تقلصت أعداد جنوده و عتادهم ثم تم إغلاق معظم المدارس و المصانع التي كان قد أنشأها لخدمة احتياجاته العسكريه .. و تفرغ بعد 1841 هو و أبناؤه ولنهاية عمره لترسيخ حكما إستبداديا في مصر و علي أراض سودانية منحه إياها الفرمان العثماني .
هل توقف بعد ذلك الزج بجنود مصرفي حروب لا ناقة لهم فيها و لا جمل.؟؟
لا ...فمنذ هذا الانكماش و السقوط وعلي مدى القرنين التاليين لم يتوقف إستنزاف الدم المصرى في حروب تفرضهاعلي الحكام قوى خارجية .
في زمن عباس الاول حرب القرم (1855 ) بأوامر من السلطان و في (1863 ) أرسل سعيد جنودنا ليحاربوا في المكسيك بجوار فرنسا..و (1874)أرسل إسماعيل قواتنا لتحارب في الحبشة...و عام (1881 ) كانت مواجهة الثورة المهدية في السودان مع الانجليز وإستمرت حتي (1899) و ..عام (1948 ) أرسل فاروق الجيش ليحارب في فلسطين .. ثم بعدة عبد الناصر عام ( 1962 ) ذهب بقواته لليمن .. و حتي بعد الهزيمة في 67 أرسل قوات مصرية لنيجيريا .. السادات (1977 ) حارب في ليبيا و مبارك (1991 ) حارب جيوش العراق في الكويت .. و السيسي (2015 ) قصف قوات داعش بليبيا و يشارك بشكل ما (غير واضح ) مع القوات السعودية التي تحارب الحوثيين في اليمن . .
لم تنتصرجيوش مصر بعد معارك الشام ضد الخليفة العثماني في أى حرب خاضتها ، بل كان مصيرها في الغالب الخساره و أضاعت البشر و الاموال و الفرص لتطوير مجتمعنا ..و كان تأثيرها (أى الحروب ) دوما سلبيا علي آليات تنمية مجتمعنا الذى بسبب إستنزاف أمواله لتجهيز الجند و تمويل المغامرات العسكرية لازال رغم مرور قرنين علي تجميد نهضة محمد علي يعاني من الردة لاساليب حكم مجتمعات ما قبل القرن التاسع عشر عندما كان يدير مصر المماليك و الدراويش بالارهاب وإفقاد الوعي ..فلم تقم لنا قائمة أوإستطاعنا الخروج من أسر القرون الوسطي أو تعلم كيف نعيش في دولة معاصرة .
السؤال :
هل تبعات الحروب التي لم نتوقف عن خوضها علي مدى عشرات السنين هي السبب (فقط ) في أن سكان هذا المكان قد تم تشويههم وتدجينهم، وأن الامل في خروجهم من قمقم التخلف و التبعية أصبح ضعيفا ، أو أن تعلم السباحة في تيارات البحار العالية كباقي الامم أصبح في حكم المستحيل ؟
أم أن تخلفنا إستمر لاننا علي مدى التاريخ لا نفرز إلا أبغض الحكام و أكثرهم شرها للسلطة و المال يجبونه منا قهرا حتي لو إستعانوا علي ذلك بجنود احتلال أو بأجهزة سيادية امنية وحقوقية لا تختلف عن المحتل في الظلم ؟ .
زمن محمد علي و إبنه إبراهيم باشا .. و مض في سماء مصر كبرق خاطف لشهب باهرة الضوء ..عادت بعدها ظلمات العصور الوسطي لنتعرف علي أسماء مثل عباس حلمي الأول الذى حكم بعد محمد علي،و (( لم يكن له شأن في حرب أو سياسة ، و أوقف العمل بجميع الإصلاحات التي تمت قبله)). هذا العباس وصفه اللورد كرومر على أنه أسوء المستبدين الشرقيين.. ( حتي زمن اللورد بالطبع ) .
ثم الباشاوات سعيد و إسماعيل و تو فيق الذين إنهارت في زمنهم مصر رغم وفرة إيرادات محاصيل القطن بسبب الاسراف و القروض و سيطرة صندوق الدين ،الذى تلاه تحكم مباشر من الاحتلال البريطاني1882 مصحوبا بعدم ممانعة من الخليفة العثماني .
و مع مطلع القرن العشرين وتولي الخديوى الشاب عباس حلمي الثاني حاول إحداث بعض الاصلاحات و مقاومة الاستعمار البريطاني بتحريض من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مستغلا شعبية عناصر مثل محمد فريد ومصطفي كامل الذى إشتهر بعد حادث دنشواى و لكن لم يطق الانجليز عليه صبرا فعزلوه و نفوه .
خلال القرن العشرين بعد إعلان الحماية البريطانية علي مصر(18 ديسمبر 1914) حكم السلطان حسين كامل الذى جاء خلفا للخديوى المنفي ثم تلاه الملوك فؤاد و فاروق والزعماء عبد الناصر و السادات و مبارك و كل منهم لم ينتصر في حرب أو يحدث نهضة حقيقية أو تحولا ثقافيا لشعب ملوث بأفكار و سلوكيات الاحتلال العثماني .
لقد كانوا جميعا من الهواة المقلدين العجزه علي مستوى السياسة و أبدوا عدم التوافق مع التغيرات التي شهدها قرن الحربين العالميتين .
عندما ثبت محمد علي حكمه في مصر .. كان شعبها يندرج في طبقتين أساسيتين و عدة تجمعات .. طبقة حاكمة متسلطة بواسطة السيف و فتاوى رجال الدين .. يخدمها عدد من كبار التجار و رجال الدولة و الجباة تسكن القصور و تمتلك الجوارى و العبيد و تعيش في رفاهية مستفزة .. ثم أخرى عريضة فقيرة محتاجة تعمل بالسخرة تجدها في المزارع و الغيطان ومشاريع الرى و شق الطرق و في الاحياء الفقيرة من المدن .. أو في تجمعات الحرفيين البدائيين و الصناع المتخصصين .
محمد علي.. بالتعليم و التصنيع و إعادة تنظيم الدوله خلق جنين طبقة وسطي لم تكن تعيش في رفاهية الحكام و لم تكن من فقراء المستغلين المحتاجين ، هذه الطبقة إنكمشت في عهد سلفة عباس، ثم إنتعشت في زمن سعيد ، و إزدهرت في زمن إسماعيل بواسطة المهاجرين من الدول المحيطة و الاجانب النازحين خلف الصفقات السهلة .
الطبقة الوسطي رغم عددها المحدود إلا أنه كان لها الفضل في الاسراع بتحديث مصر عن طريق تقليد منجزات مثيلتها (البرجوازية ) في الغرب .. (سكة حديد ، تلغراف ، تليفونات ، طرق أسفلتية ، بناء قصور ومساكن حديثه ، و كبارى و دار للاوبرا و حديقة حيوانات) .. و(إنشاء القاهرة الخديوية ،مصر الجديدة ،والترام و النقل العام بالاوتوبيسات) ، (تعميم المدارس للصبية و الفتايات ومدرسة الالسن و جامعة القاهرة و مدرسة الفنون الجميلة .. و الجرائد و المجلات) ..(تنقية مياة الشرب ومعالجة الصرف الصحي و توليد الكهرباء و الغاز بالمدن..إلخ ) .
في الفترة التي تلت حكم الباشاوات( سعيد و إسماعيل و توفيق ).. و مع الاحتلال الانجليزى و سيطرة صندوق الدين .. إستخدم المستعمر أبناء الطبقة الوسطي (محليين و أجانب ) لإدارة مصر .. ثم مع الحربين العالميتين توسعت أنشطة هذه الطبقة و أصبحت مصدرا للالهام و تقديم كل ما هومعاصر للشعب المصرى .. لا أريد أن أسرد أسماء لمعت في سماء السياسة و الفن و الثقافة و العلم و الاقتصاد و الطب و الهندسة و الانشاء ..فمن يقرأ لي الان لا بد و أن يكون قد ناله فضلا من أفضالها .
مشكلة الطبقة الوسطي ( كما حدد هتلر في كتابه كفاحي ) أنها غير مبدعة غير ثورية.. فهي تستوعب و تفهم و تقلد و تنمط .. و لكنها لا تبتكر و لا تخترع و لا تطور أدواتها .. و هي طبقة خائفه ..ترهب و تحذر من السقوط الطبقي .. و عندما تنال الفرصة أو الصدفة التي تجعلها في مراكز إتخاذ القرار تصبح فاشيستية ،قاسية، لعينة تستخدم قوتها العسكرية، الامنية، المالية في الحفاظ علي مكتسباتها وسحق من عداها من طبقات والذى يتم عادة بالقانون المنحول المفصل من أجل مكاسبها ..
لذلك لم تلد هذه الفترة التي إزدهرت فيها البلاد من حيث الشكل ، حلولا جذرية للقضاء علي مشاكل المجتمع المزمنه خصوصا فيما يتصل بالموروث المستوطن من زمن سيطرة الانكشارية ، ولم ترتق الطبقة بسلوكها حتي المستوى الديموقراطي الذى تطور خلال القرنين السابقين أو حتي الانساني المتوافق مع وثائق حقوق الانسان العالمية بل قلدت النظم الشمولية التيسادت العالم قبل الحرب العالمية الثانية .
الطبقة الوسطي لم تمد يد المساعدة للمعدمين و الفقراء إلا في حدود فرص محدوده للبعض من النابهين منهم الذين إستطاعوا إختراق أسوارها العالية بالتعليم أو بسلطة المال أو بالقوة المسلحة .ثم تمترسوا داخلها متجاهلين أصولهم بل في بعض الاحيان مضادين لها و معاديين .
و ظلت مصرمنذ زمن محمد علي حتي يومنا هذا تعاني من نفس الامراض و المشاكل .. فالكم الاعظم من الشعب فقير مستنزف يعيش بإمكانيات بدائية و محدودة ..ومن نال الفتات ظل علي حالة خاضعا للقمة العيش .. و الغالبية العظمي مسيطر عليها فكريا وسلوكيا بواسطة رجال الدين .. والجميع يخضع لعملية جباية قهرية لتمويل سفة ورفاهية من كانوا في السلطة حتي من كانت ظروف حياتهم شديدة القسوة .
قرنان من الزمان و الحياة في مصر تكرر نفسها ..تدور في بحيرة أسنه ..نخضع للاحتلال الفعلي و الفكرى نستنزف إقتصاديا و يفترى القوى فيها علي الاقل منه .. و ينتشر الفساد كما لو كان سلوكا مستوطنا ..يتبادل الجندى و الكاهن الحكم يتحالفون حينا و يتضادون أحيانا .. و لكنه يبق حلفا لا ينفصم .
نحن شعب فقير مضطهد من حكامه .. مستسلم لقضاء اللة و قدره .. و لقد إعتدنا علي ذلك .. و كرسناه في سلوكياتنا وثقافتنا .. ولم يحكمنا خلال قرنين إلا نماذج سادية شرهه للسلطة و الاموال بالداخل و مستسلمة لتعليمات القوى المسيطرة الخارجية .
في بلاد الواق الواق .. لم يتحولوا الي بشر مبدعين صدفة لقد تحولوا عندما بدأوا في تعليم يعتمد علي المنطق و الاستدلال و الفلسفة ... بعدما دجنوا الطبقة الوسطي و و أصبحت أدواتها ( الكاهن و الجندى..) طوع برامج وخطط السياسي ..تصبحون علي خير .