إلِكْترا: الفصل العاشر 1

دلور ميقري
2018 / 6 / 22

الخريف، إنه فصلٌ من الصعب التعرّف عليه في مدينة كمراكش؛ وذلك بسبب شمسها الخالدة، المشرقة طوال معظم أيام السنة. بالنسبة لبطلة قصّتنا، ربما يكفي أن تلقي نظرة منتبهة إلى حديقة مقرّ إقامتها كي تتأكّد من أنه الخريف، مَن راحَ يمارسُ لعبةَ الساحر مع ألوان بعض أشجارها وأزهارها. هذا ما فعلته فورَ الانتهاء من الفطور، حينَ شاءت النزول إلى الحديقة على غير مألوف عادتها خلال فترة العمل. نادراً ما كانت تعرّج عليها، مكتفية على الأغلب بتأمل منظرها من علو شرفة الدور الثاني أو الترّاس. في واقع الحال، أنها سياط الصيف، اللاسعة اللاهبة، تلك التي خلّفت ندوبها على بشرة كلّ من هذه الكائنات الخضراء، الشاحبة نوعاً. شجرة الرمان المتوحّدة، ما تنفكّ محتفظة بعدد من ثمارها، المنشقة إلى نصفين ـ كقلبٍ عاشقٍ، مدمىً، خارجٍ تواً من تجربة خائبة ولا سبيلَ لبرء جرحه.
كانت " سوسن خانم " قد أنابت سكرتيرها، لحضور اجتماع عمل مع ممثلي إحدى الشركات الأجنبية. فعلت ذلك، مستسلمة لذكرياتٍ سبقَ ودهمت خاطرها أثناء قراءتها للأوراق تلك، الملحقة بمخطوطة المذكرات؛ أو " الفصل السابع "، المفقود. في الحقيقة، أن الأمرَ يتعلق بالفصل السادس، تحديداً. تكشفَ لها الأمرُ على وجه اليقين، عندما وضعت هذا الفصل في سياقه الطبيعيّ، المتسلسل في الحكاية. إلا أنّ استبدالها الترقيمَ، كان رمزياً ويُحيل إلى عدد الفصول الكاملة، وهيَ سبعة، بحَسَب صاحب المخطوطة؛ مثلما سَلَفَت الإشارة إليه في موضع آخر. ولو أجزنا لأنفسنا الاستطراد أكثر في هذا الموضوع، لقلنا أنّ الخانم آلت إلى الشكّ في اعتقادها القديم بكون مرافقتها السابقة، " الشريفة "، مَن عمَدَ إلى شطب بعض الأسماء والعبارات في نسخة المخطوطة الأصل: الرسام الراحل، على مرجوح الظن، هوَ الذي قامَ بذلك فضلاً عن احترازه على الفصل السادس من النسخة. إنّ " للّا نفيسة "، الثملة بالمكافأة المالية لقاء فعلتها الآثمة، لم يخطر في بالها احتمالُ كون النسخة منقوصة. ولم يكن ذلك همّها، على أيّ حال من الأحوال!
اللهاث خلفَ أسرار المرافقة السابقة، " الشريفة "، قد يلوحُ كما لو أنه من قبيل الفضول والتطفل على حياة الآخرين؛ وهما خصلتان تميّزان نساء الشرق بشكل عام. أو لعل الأمر أشبه برغبة أحد شريكيّ علاقة غرامية، استقصاء ما في جعبة الآخر من أشياء خفية غير معروفة له؛ أشياء، تساعده في إحكام السيطرة على الشريك نفسياً واستعمالها سلاحاً في أيّ أزمة بينهما. ولكن " سوسن خانم "، بشخصيتها وثقافتها، ما كانت من صنف أولئك النسوة الفضوليات. مثلما أنها افتقرت إلى الحب، علاقتُها مع المرافقة السابقة: فما هوَ إذاً باعثُ اللهاث خلف أسرار هذه الأخيرة؟ إنه، ببساطة، محاولة لرفع القناع عن وجه " القرين "؛ عن شخصيةٍ نرى فيها أنفسنا، المختبئة خلف قناعٍ مماثل ينتظرُ من يكشفه. ولكم تمنّت الخانمُ لو أنّ المرافقة السابقة وضعت يومياتها بلغة فرنسية، كانت تجيدها نطقاً بشكل رائع. إلا أنها، مثل العديد من مواطنيها المغاربة، وهبتْ مَلَكةُ البيان شفاهاً.. وأيضاً، لم يكن لها حظُ بعضهم؛ ممن نقلت سيرة حياته إلى الإنكليزية بوساطة أديبٍ أجنبيّ مقيم، تعلّمَ المحكيةَ الدارجة على أيدي غلمانٍ مرد في أمسياتٍ مغلفة غالباً بدخان الكيف، الأزرق!
لا مذكرات " شيرين " ولا مذكرات " مسيو غوستاف "، أمكنهما المساعدة في كشف شخصية المرافقة السابقة. زوجها ووالد ابنتها، " فرهاد "، كان قد أنهكها بتحرياته في هذا الشأن طوال فترة إقامتهما في منزل ضاحية الحميدية ـ كما أعترفَ بذلك لمعلّمته آنَ عودته للعمل لديها في مكتبها التجاريّ. قد يُعقد الأملُ على سيرته المراكشية، التي ينوي كتابتها وفقَ ما أفادت به إحدى رسائله، المرسلة من موسكو على عنوان " سوسن خانم ". بيْدَ أنّ الأملَ ضعيفٌ، مع ذلك، في أن تسبرَ سيرتُهُ المفترضة أسرارَ حياة شريكة حياته السابقة. فمهما وارى سيرة حياتها تحت رمال الخيال الروائيّ، بكل مفرداته وجمله الغامضة والملتبسة، فإنها ستكون بمثابة فضيحة تمسّ كرامته وسمعته علاوة بالطبع على مستقبل ابنتهما.

*
اشتدّت نوعاً حرارةُ الشمس، بينما الخانم ما تفتأ تتسكّع في مماشي الحديقة تحت ظلال الأشجار والذكريات. النسيمُ العليل، المداعب خصلات شعرها، جعلها تمعن في الاستغراق بتلك الأيام المنقضية، المستحالة إلى خرابةٍ سينعقُ قريباً على أطلالها بومُ خريفِ العُمر. هذه الفكرة الأخيرة، جعلتها تستعيدُ فجأةً حواراً حاداً دارَ بين مساعدَيْها يومَ أمس خلال الغداء في مدينة الصويرة. فلدى إيابها مع " زكرياء " من مكان عرض الثمار البحرية الطازجة في ذلك المطعم، حيث أوصيا على كمية معينة منها، وجدت الشقيقين يتجادلان في سياق موضوعٍ عائليّ على الأرجح. سكتَ كلاهما عندئذٍ، فيما بقيت عبارتان وحيدتان معلّقتين في الهواء. كان الشقيقُ يردد بانفعال: " طيّب، طيب.. لن أحكي لأحد. فأنتِ تجاوزت سنّ الثلاثين، ولستِ بحاجة إلى نصيحة "
" لا تنسَ بدَورك، يا صغيري، أنك أحوجُ مني إلى النصيحة..! "، قالت له شقيقته بنبرة متهكّمة. كذلك كانت " سوسن خانم " تفكّر بمعنى المحاورة تلك، وهيَ في خضم تجوالها بمماشي الجنينة، حينَ أحسّت وكأنما يدٌ ترفع ذقنها المستدقة إلى الأعلى. هنالك، على شرفة الدور الثاني، كان " آلان " واقفاً يتطلع إليها وعلى فمه تكشيرة ابتسامة مُتكلّفة. ما لبثت أن صعدت إلى موقفه، منتظرة أن يوافيها بتقرير معتاد عن محضر الاجتماع. حالما ولجت من باب الصالة، أندفع هوَ إليها قائلاً بصوت منخفض: " محضر الاجتماع جاهز، وبوسعك أخذه من على طاولة المكتب. إنني أودّ لو نقضي ساعة الغداء معاً، في الترّاس أو خارج المقر لو شئتِ؟ "
" يظهر أنّ ثمة خبراً عاجلاً! "، قالت له بنبرة مداعبة مغطيةً على ما ساورها من قلق. أجابها بلهجة جدية: " إنه ذلك الشخص، العرص! ". المفردة الأخيرة، يبدو أنها التحقت بتعبيرات السكرتير لكثرة ما ترددت على لسان مخدومته محالةً أحياناً إلى شخص بعينه؛ " رفيق ". إذاك، هجست الخانمُ بأنّ الموضوعَ متواشجٌ ولا شك مع حديث الأمس، المبتور، بين الشقيقين.

> مستهل الفصل العاشر/ الجزء الثاني، من رواية " كعبةُ العَماء "