التحولات الاجتماعية وأساليب السرد في الرواية الإماراتية الحديثة

عدنان حسين أحمد
2018 / 6 / 22

صدر عن "مكتبة الطليعة العلمية" بعمّان كتاب "أيقونة السرد: دراسات نقدية في الرواية الإماراتية الحديثة" للدكتور ذياب فهد الطائي حيث تتبّع فيه خمس روايات إماراتية وهي على التوالي: "أميرة حيّ الجبل" 2014 لعلي أحمد الحميري، و "امرأة استثنائية" 2014 لعلي أبو الريش، و "لعلهُ أنت" 2010 لباسمة يونس، و "بين حين وآخر (حدّثتنا ميرة) 2013 للميس فارس المرزوقي، "و "ريحانة" 2003 لميسون صقر. يتضمّن الكتاب مقدمة مُقتضبة، وخمس دراسات نقدية، وثبْت بالمصادر والمراجع، وقد خلا الكتاب من خلاصة البحث والنتائج التي توصّل إليها الباحث وهي ضرورية جدًا في هذا النمط من الدراسات النقدية.
يرصد الباحث في هذه الدراسة أشكال التطور الحاصلة في الأدوات الفنية التي استعملها كُتّاب الرواية بعد عام 1971، وهو العام الذي ظهرت فيه "شاهندة"، وهي أول رواية إماراتية للكاتب راشد عبد الله النعيمي، كما يفحص اللغة الروائية، وأساليب السرد، والبنى الزمكانية، ونمّو الشخصيات، والتحولات الاجتماعية في الروايات الخمس المذكورة سلفًا.
إذا ما استثنينا رواية "بين حين وآخر" للميس المرزوقي فإن الروايات الأربع برمتها تدور حول ثنائية العاشق والمعشوق التي يغلب عليها الجانب العاطفي أو الرومانسي بمعناه الأوسع. فرواية "أميرة حيّ الجبل" لعلي الحميري ترتكز على قصة حُب بين محمد وصفيّة وتنتهي بالزواج بعد أن تُسنَد إليه إمارة التحالف العشائري ويعود إلى الدراسة والعشيرة، فهو طالب في المرحلة الثانوية، ويعمل في منظمة سريّة مناهضة للوجود البريطاني في الإمارات. يتوصل الطائي في دراسته النقدية إلى أنّ الرواية تلتزم بالزمن الخطّي، وأنّ المكان مُتخيّل، وأن السارد لم يكن غير المؤلف نفسه، ويكفي أن نتوقف عند شخصية محمد التي حمّلها المؤلف أكثر مما تحتمل بكثير بحيث جعله يتحدث عن إعجابه بكتاب "رأس المال" من الناحية النظرية، وصعوبة تطبيقه من الناحية العملية وهو لم ينهِ المرحلة الإعدادية بعد. يصف الباحث هذه الرواية بالنص المغلق الذي يهيمن فيه الكاتب على الشخصيات ولا يترك لها فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن الكاتب سوف يرخي قبضته قليلاً حينما يسافر علي وأخته مع ابن عمهما إلى إنكَلترا في تمهيده للجزء الثاني من الرواية حيث ينتقل من النص المغلق إلى النص المفتوح الذي يتيح للقارئ المساهمة في مجريات الأحداث أو البحث عن حلول للأسئلة الجوهرية التي تثيرها الرواية على مدار النص السردي.
يدقق الطائي في شخصية صفيّة ويرى أنها شخصية تابعة لبطل الرواية وتدور في فَلَكه، على العكس من شخصية "زينب" المرأة المتميزة، والفاعلة، والتي تعرف ماذا تريد. لا تتحدث الرواية، من وجهة نظر الباحث، عن التاريخ وإنما توظّفه لمصلحة النص السردي. كما يتوقف الباحث عن أسئلة السرد وطرائقه التي تحدد شكل الرواية وأسلوبها الفني.
علىى الرغم من الشهرة الأدبية الكبيرة التي حققها علي أبو الريش إلاّ أنه لم يسلم من مشرط الجرّاح فقد وضع الباحث اصبعه على الجُرح وكشف لنا الخلل في بناء شخصية "جوعان بن ناصر" الذي ترك حبيبته "عفراء" وغادر قرية "الرمس" إلى أبو ظبي ليصبح صحفيًا، ويُظهر براعة في العمل الصحفي من دون التمهيد لموهبته الصحفية، أو ولعه بالقراءة، ثم يتعرّف على المُحررة سعاد، وتنشأ بينهما قصة حب لم تكتمل، إذ يُصاب "جوعان" بالفشل الكُلوي لكنه يرفض زرع كُلية جديدة رغم أن سعاد قد أبدت استعدادها للتبرّع بكُليتها، فيموت "جوعان" متأثرًا بمرضه بينما تقفل سعاد راجعة إلى بيروت بعد أن فقدت الإنسان الذي أحبّته ووجدت ضالتها فيه.
يناقش الطائي سؤال السرد في هذه الرواية ويكشف لنا بالتفاتة نقدية حصيفة أن الموت المبكر لجوعان يُعتبر كسرًا متعمدًا لشخصية البطل الذي يبقى حيًا لأطول مدة زمنية ممكنة. كما يتناول الباحث سؤال الهُوية بوصفها كينونة وجودية، وليس هُوية مرحلة تاريخية محددة. أما بصدد المكان الذي عُوّم روايتي الحميري وباسمة يونس فإنه يتجلّى في مدينتي الرمس وأبو ظبي ويُشعِر المتلقي بأنه يقرأ نصًا محليًا أصيلاً حتى وإن كانت الرواية برمتها هي من نتاج المؤلف وخياله المعرفي المجنّح الذي لا ينسجم مع الواقع بالضرورة.
لم يشأ الباحث أن يتناول الروايات الثلاث المتبقية من دون تمهيد آخر يخصّ "الرواية النسوية في الإمارات" حيث أخبرنا بأنّ عدد الروائيات الإماراتيات قد بلغ 23 روائية تبدأ بباسمة يونس التي أنجزت رواية "ملائكة وشياطين" عام 1990، وتنتهي بلولوة المنصوري التي أصدرت رواية "آخر نساء لنجة" عام 2013 لكنه لم يذكر لنا عدد الروائيين الإماراتيين وإنما اكتفي بعدد الروايات التي كتبها الرجال وهي 60 رواية في مقابل 40 رواية نسوية، وسبب هذا الفرق الكبير أنّ علي أبو الريش قد أنجز لوحده 17 رواية!
يشخِّص الباحث بدقة أن باسمة يونس التي أنجزت رواية "لعلهُ أنت" عام 2010 متأثرة بالأدب الروسي الذي عمّق إحساسها بالواقعية فدَرَجت عليها من دون أن تغفل بصمتها الخاصة. لا شكّ في أن عنوان الرواية ماكر، ومُستفِّز لأنها تلمِّح للقارئ قائلة:"ربما أنت مَنْ سأتحدث عنه". وعلى الرغم من تعدد شخصيات هذه الرواية إلاّ أن بطليها مريم وهلال هما محور النص حيث يحبان بعضهما بعضًا وسوف يموتا في اليوم ذاته ليثيرا السؤال الآتي: لماذا مات البطلان في اليوم نفسه؟ لتأتي الإجابة المراوغة:"لم يحدث شيء من هذا، لكن لعلّه حدث، ولعله يحدث ذات يوم". يتطرق الباحث إلى اللغة، والبناء، وأسلوب السرد فيصف جملتها بالشفافة والقصيرة التي لا تُعنى بالتفاصيل الصغيرة. أما بنيتها فهي مغلقة تيهمن فيها الكاتبة نفسها، بينما تتوزع أساليب السرد على أسلوب الرواي، والمونولوغ الداخلي. بقي أن نشير إلى أنّ شخصية البطلة قوية، ومتماسكة، ولا تنصاع لرغبات الأهل.
يتوصل الباحث إلى أنّ رواية "بين حين وآخر" للميس المرزوقي هي "كتابة جديدة"، خالية من الحبكة، وبسيطة في لغتها، وأنها سوف تكتب مستقبلاً رواية حداثية. ينوّه الطائي في متن قراءته النقدية إلى أنّ المرزوقي كانت محايدة جدًا حينما تركت الساردة تروي لنا مذكرات "ميرة" عن الحيّ، والطفولة، والمدرسة. ويبدو أن الروائية قد وظفت روايات مهمة في نصها السردي وهي "ألف ليلة وليلة"، "جوستين"، "11 دقيقة" و "المسرّات والأوجاع" وعكست ما ينسجم مع تفكيرها في هذه النصوص الإشكالية المعروفة عربيًا وعالميًا.
تحتاج رواية "ريحانة" لميسون صقر إلى مساحة واسعة كي نلمّ بأحداثها الكثيرة وسنكون مضطرين لتقسيمها إلى قسمين أساسيين، الأول يتعلق بريحانة وولديها "محراك" و "نصّور"، والثاني بـ "شمسة" و "هادف" الطالب القادم من الصعيد. تتمحور هذه الرواية في جانب منها على تجارة العبيد حيث ترافق "ريحانة" أسرة الحاكم بعد الانقلاب إلى القاهرة وينحرف ولداها هناك، إذ يميل الأول إلى الملابس النسائية، فيما يتجه إلى الآخر إلى أفغانستان ويعود مصابًا. أما "شمسة" التي تمثل أسرة الحاكم المخلوع فتفشل في الاقتران بحبيبها "هادف" لتتزوج من ابن عمّها في خاتمة المطاف لأنها لا تمتلك حرية الاختيار. يصنف الباحث هذه الرواية بالنص المفتوح الذي لا تهيمن فيه المؤلفة، كما يعتبر الرواية مكانية بامتياز، ويتسيّد فيها السارد الموضوعي.