العوامل المؤثرة في الرأي العام

جاسم محمد دايش
2018 / 6 / 20

العوامل المؤثرة في الرأي العام
جاسم محمد دايش

مقدمة
للرأي العام مجموعة من العوامل تؤثر فيه وتتأثر به , ونقصد بالعوامل التي تؤثر في الرأي العام لا من حيث وجوده بل من حيث اتجاهه وقوته وشدته ومديات انتشاره , وهذه العوامل تتمثل بما يأتي :-
أولاً :- عامل الثقافة المجتمعية .
ونقصد بالثقافة المجتمعية مجموعة السنن والتقاليد والعادات والآداب والفنون والقيم والعقائد والأفكار والخبرات . وهي جميعاً تشكل منظومة الثقافة لكل المجتمع . وهذه المنظومة بدورها سوف تستحضر حين تواجه جماعة معينة على صعيد محلي أو وطني أو إقليمي أو عالمي , تواجه قضية ما , لكي تنتج أو تعيد إنتاج وتشكيل رأي عام بصددها .
وهذا الاستحضار للثقافة المجتمعية سيجعل من تلك الثقافة عاملاً مؤثراً ربما في وجود الرأي العام أو عدمه , وكذلك في تحديد مساراته واتجاهاته وفي مديات انتشاره وشدته . عليه نتلمس اهتمام كبير من قبل المعنيين الرسميين وغير الرسميين أصحاب العلاقة بالرأي العام بهذا العامل . فالملاحظ أن كل النظم السياسية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية تأخذ بنظر الاعتبار منظومة الثقافة المجتمعية حين تتخذ أجراء أو قرار أو نشاط . فكل الدول في تعاملها مع بعضها وفي تعاملها مع رعاياها تحاول أن تبلور فكره عن كل مفاصل هذه الثقافة كي تتعامل بشكل سليم مع الرأي العام لتعرف من خلال هذه الفكرة على ما يرغب به الرأي العام وما لا يرغب به , ما يريده وما لا يريده , وما يحلله وما يحرمه .
مثال ما تقدم , أن المملكة المتحدة في عهدها الاستعماري أجادت التعامل مع هذه المنظومة من خلال استحداث وزارة خاصة (وزارة المستعمرات) انحصرت وظيفتها بإقامة الدراسات والبحوث للتعرف على تقاليد وأعراف وآداب وفنون وكل ما يتصل بمنظومة الثقافة المجتمعية لشعوب المستعمرات الخاضعة لبريطانيا . فهذه الوزارة كانت حريصة على أن تتعامل مع هذه الشعوب بشكل يضمن الهيمنة والنفوذ البريطاني الاستعماري عليها . لذلك درست ثقافتها وتعاملت مع شعوب المستعمرات بموجب النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسات .
أن الثقافة المجتمعية تشكل أهم العوامل المؤثرة في تكوين الرأي العام . فمن غير الممكن إهمال هذا العامل عند الحديث عن تكوين الرأي العام بالصيغة التي تتضمن وجود الرأي العام واتجاهاته وشدته .

ثانياً :- عامل الزعماء في المجتمع .
ونقصد بذلك أن الزعيم التقليدي والحديث في كل المجتمعات يلعب الدور المؤثر في تكوين الرأي العام وفي تغييره وفي انتشاره وشدته .
أن الحديث عن الزعماء يقودنا للحديث عن التفسيرات الخاصة بالزعامة والتي يطلق عليها البعض مصطلح " نظريات "نشوء الزعامة , وتتوزع كل التفسيرات في هذا الشأن ما بين مجموعتين هما :
1- التفسيرات التقليدية : والتي ترى أن نشوء الزعماء والزعامة يعتمد على معايير قديمة مثل معيار القوة والفروسية والحكمة والسن .
2- التفسيرات الحديثة : والتي ترى أن الزعامة تنشأ بفعل موقف وتسمى " زعامة الموقف " أو تنشأ بفعل ظروف موضوعية تلائم العصر وتسمى " الزعامة الموضوعية أو الملائمة للعصر " , أو إنها تنشأ بفعل ظروف أو قدرات ذاتية خارقة للأفراد فتسمى " الزعامة الملهمة " . وتتوزع الزعامة إلى أنواع ما بين زعامة فكرية وزعامة إدارية وزعامة رمزية ..الخ .
ومهما اختلفت أنواع الزعامات تظل مختلف الجماعات متأثرة بآراء وممارسات الزعامات القادرة فيها , الأمر الذي يجعل من الزعماء في الماضي والحاضر وكذلك المستقبل عاملاً مؤثراً في تكوين الرأي العام حيث يلعب الزعيم أو القائد دوراً مهماً في حياة الناس وآرائهم . صحيح أن هذا الدور أخذ يتلاشى في الدول المتقدمة نظراً لوجود أحزاب ومؤسسات تقوم به . إلا أن هذا الدور يزداد أهميته في الدول النامية فالزعيم في الدول النامية يجسد الملامح الأساسية لمواطنيه بحيث يتعرف هؤلاء عل أنفسهم في الحياة السياسية عبر شخصيته .
فالزعيم في أكثر الدول النامية ما زال يشكل إحدى العوامل الأساسية في تكوين الرأي العام ولعل الزعيم الراحل( جمال عبد الناصر) يعتبر مثالاً لما نذهب إليه . فالكل يعلم كيف استطاع جمال عبد الناصر أن يجسد ويعكس لفترة طويلة بعض الأهداف الوطنية والقومية لا للعرب المصريين فحسب ولكن لكل العرب وأينما كانوا . ويبدوا أن الحاجة إلى الرمز على هذا النحو تبدو في اجل صورها في البلدان العربية , حيث تروج وسائل الإعلام , ليس الرموز كوسيلة للتأثير على المواطنين فقط , بل على السعي إلى العبادة و" التأليه " لشخصية الزعيم والأمثلة كثيرة في هذا الوطن العربي الكبير .


ثالثاً :- عامل الاتصال ووسائل الاتصال .
بلا شك أن للاتصال ووسائله أهداف تتمثل في التأثير والتغيير لمواقف وأراء الناس على نحو تتوخى منه تحقيق أهداف أو مصالح الخط السياسي الفكري الذي تتبناه . أم تأثير الوسائل الإعلامية في الرأي العام من الأمور البديهية لأن الفرد متعلماً كان أو أمياً , لابد له أن يقرأ جريدة أو أن يسمع راديو أو أن يشاهد تلفزيوناً .
أن التطور الهائل في وسائل الاتصال أدى إلى وجود علاقة متبادلة ومتفاعلة مع النظام السياسي المعبر عنه بالحكومة , فأجهزة الاتصال تشكل في أغلب النظم قنوات اتصال بين الحكومة وبين الرأي العام لعرض سياستها ومشاريعها , وهي بذلك تدفع المواطن من حيث لا يدري إلى تكوين رأي عام يصب في الأهداف التي تطمح إلى تنفيذها , لذا تسعى اغلب النظم السياسية إلى ضمان سيطرتها أو مراقبتها الشديدة لأغلب وسائل الاتصال .
أن الاتصال بوصفه علاقة يتم بموجبها نقل الأفكار والأخبار والمعلومات والمشاعر والأحاسيس ما بين الأفراد والجماعات سيشكل عاملاً مهماً في تكوين الجماعات فلا وجود لجماعة من دون اتصال ما بين عناصرها ولا وجود لرأي عام من دون وجود جماعة , إذاً لا وجود لرأي عام من دون وجود اتصال . يضاف إلى ذلك أن الاتصال ووسائله لا تدخل فقد في وجود الرأي العام ؟ بل تدخل أيضاً في تغيير الرأي العام وفي قياس واستطلاع الرأي العام . أن الاتصال لا سيما في عالم اليوم يبقى عاملاً مؤثراً وأساسياً في تكوين الرأسي العام .

رابعاً :- عامل طبيعة الأحداث .
أن الحدث وقد يسمى قضية أو مشكلة أو موضوع للرأي العام يدخل أساساً كعنصر من العناصر المكونة للرأي العام , غير انه من ناحية أخرى ومن حيث طبيعته سوف يؤثر على اتجاهات الرأي العام ومدى انتشاره وشدته وقوته , فإذا كانت طبيعة الحدث عادية كان الرأي العام عادياً في اتجاهاته وقوته وشدته ومدى انتشاره , وإذا كان الحدث غير عادي سيترتب على ذلك رأي عام غير عادي في اتجاهاته وانتشاره وشدته .
وهناك الشائعات وهي الأحاديث والأقوال والأخبار والروايات التي يتبادلها الناس و يتناقلونها دون التثبت من صحتها أو التحقق من صدقها , فالشائعات ذات اثر بعيد في تكوين الرأي العام أو تعديله سيما إذا لم تتوفر وسائل الاتصال العلنية ذات مصداقية وموضوعية .
وهكذا فأن طبيعة الحدث تشكل عاملاً مؤثراً في تكوين الرأي العام إضافة إلى أن الحدث بحد ذاته يشكل عنصراً من عناصر تكوين الرأي العام .


خامساً :- عامل التربية والتعليم .
تساهم المؤسسات التعليمية في تكوين الرأي العام وتشكيل سواء من حيث مضمون المعرفي أو من حيث اتجاه وقوته حيث تؤثر في سلوك الأفراد وأرائهم واتجاهاتهم من المؤكد أن تأتي المؤسسة التعليمية (المدرسة) بعد الأسرة في ترتيب أهمية المؤسسات المؤثرة على أفكار الفرد ويعتبر التعليم المدخل الطبيعي لنجاح أي تغيير في الميادين السياسية والاقتصادية و الاجتماعية .



الخاتمة
أن الرأي العام عبارة عن مزيج من الآراء أو الميول والتي تختلف في اتجاهها من وقت إلى أخر ومن موقف إلى أخر وتتأثر بعدة عوامل حيث أن الرأي العام شديد الحساسية للأحداث الجوهرية المرتبطة بمصالح الجماهير وحاجاتهم ودوافعهم , فالرأي العام لا يخرج عن كونه إرادة أو فكر أو اتجاها أو رأي مجموعة كلها أو غالبيتها بما يتفق ومصلحتها الذاتية . وطالما كانت هذه المصلحة قائمة فإنه من الممكن تغيير الرأي العام .
ـــــــــــــــــــــــ
- عامر حسن فياض , مقدمة منهجية في الرأي العام وحقوق الإنسان , بغداد , الطبعة الأولى , 2003 .