غذاء الآلهة !

مظهر محمد صالح
2018 / 6 / 20

غذاء الآلهة !


الكاتب:د. مظهر محمد صالح

03/9/2013 12:00 صباحا

في بقاع باردة شديدة الغربة والكآبة من القارة الاميركية الشمالية، اعتلى استاذنا يومها منصته في حجرة الدرس ليرشقنا بسيل لا هدنة فيه من معادلات رياضية صماء صعبة على من يحاول فتح لغزها في الحال سوى استاذنا العالم الجليل وحده لا غيره، وذلك لغزارة فكره وقوة عقله وحبه في صنع معارفه بنفسه امام جموع طلبته الذين جاؤوا من اصقاع الارض ليتعلموا وهم يحملون الكثير من غرورهم وهمومهم وجهلهم!!. غدا يومي اشبه بقلب رجل كهل ثقيل يخفق بخواطر وتجليات مضطربة تدلك على اغتراب كبير وحرية موؤدة وانتحار معنوي امام عملاق العلم والتواضع وهو يبحث مسروراً في فضاءات دائرة معرفته التي افنى حياته فيها والتي كانت واحدة من نظريات الرفاهية التي ديدنها بلوغ التوازن الاقتصادي العام في سوق تنافسية تامة ولكن ليس لها وجود على ارض الواقع!!. انتهى الدرس الاول وانطلقنا نتمتع بفترة استراحة او بالاحرى أخذنا هدنة بعد ان عطبت رفاهيتنا نحن الطلبة في نفير معركة مع درس اسمه العلم النظري الاقتصادي المجرد. قلت في سري، امامنا خيار واحد، فأما ان يطاردنا الجهل بعذوبته و ننتحر بعدها معنوياً، وأما ان نتذوق طعم الرفاهية بحقيقتها المرة مع الاستاذ الجليل... فلا مفر من معركة العلم هذه!
استدركت حالا فترة راحتي وتوجهت الى ماكنة اطعمة بنفسجية اللون لتناول ما نشتهي منها وكانت دولاباً جميلا في تصميمه يحثك من فوره على التفاؤل و قد وضع في زاوية مناسبة من المبنى الجامعي وخارج ميدان معركتنا!!. اصطفت الى جانبي امام الماكنة زميلتي في الدرس وهي مقطبة الحاجبين، قلت لها مبتسماً: هل اساعدك بقدح من القهوة. اجابت: كلا، ارحمني بقدح ساخن من الكاكاو او (الجكليت) كما يسمى في الانكليزية. قلت لها مازحاً: نعم ،عسى ان يزيد من رفاهيتك بعد هذه المعاناة في رياضيات علم الرفاهية والتوازن العام. فانفتحت اساريرها وضحكت بقوة وقالت: كلا اريد ان ارتقي بذكائي كي افهم ما يجري في المحاضرة القادمة او المعركة المقبلة!. تصورت في حينها انها تمزح معي كرجل نقله حظه العاثر من الرمال المحترقة في شرق المتوسط الى جنة ترقد في جليد اصم لا ينتهي برده ولا ينفع دثاره في شمال غرب الارض.
غادرتني تلك الفتاة وهي تفيء الواناً من السماحة ودفء العلاقات الانسانية والتسابق الى الخير ....وظلت كلماتها تطرق في ذهني طوال العقود الثلاثة الماضية عن اثر الكاكاو الساخن في ذكاء الامم يوم كنا نبحث سوية عن مفتاح العلم لنشرع ابواب مستقبل بلداننا نحو الرفاهية الاقتصادية!!.
لم تفاجئنا الدراسة العلمية التي نشرتها جامعة هارفرد قبل ايام مضت وكشفت فيها بأن احتساء قدحين من الكاكاو الساخن يوميا ولمدة شهر واحد يرفع من النشاط الوظيفي للدماغ و يوفر كميات من الدم تصل الى قلب العقل وبنسبة 30بالمئة، الامر الذي سيعين كبار السن على التذكر الجيد والتمتع برفاهية الحياة!. ذكرني الخبر حالا بزميلتي في دراستي العالية قبل اكثر من ثلاثين عاماً في الجامعة عند اقاصي شمال العالم، حيث كانت حقاً على دراية بسر العلاقة بين احتساء قدح الكاكاو او الجكليت الساخن وتفعيل الذكاء الانساني يوم كنا نبحث عن التوازن الاقتصادي العام في درس علم الرفاهية الاقتصادية. وتعجبت بأن الشيء الذي توصلت اليه جامعة هارفرد اليوم لم يفارق اكتشاف زميلتي لهذه الرابطة العلمية على ماكنة الخدمة السريعة لبيع الكاكاو الساخن بعد مرور تلك العقود من الزمن!!.
الكاكاو هو الاسم الشائع لذلك المسحوق المستخلص من بذور شجرة الكوكو والتي يرجع تاريخها الى عصر (الازتك) وهم سكان اميركا القدامى من الهنود الذين حكموا حضارة المكسيك قبل الفتح الاسباني لها في القرن السادس عشر الميلادي حيث كانوا يطلقون على الكاكاو ( غذاء الآلهة)! وقد ادعى الاسبان انهم اول من اكتشف محصول الكاكاو قبل500 سنة في ارض القارة الاميركية الجنوبية .
وعلى الرغم من ذلك، تعد دولة ساحل العاج في غرب افريقيا اليوم مطرقة انتاج الكاكاو في العالم وتجهز لوحدها قرابة ( 37بالمئة) من انتاج الكاكاو العالمي البالغ 3 ونصف مليون طن سنويا، تليها غانا التي تنتج ( 20بالمئة) منه، ثم اندونيسيا التي تجهز (14بالمئة ) من العرض العالمي من محصول الكاكاو.. كما تنتج الكاميرون والبرازيل (5 بالمئة) لكل منهما من انتاج العالم منه سنوياً.
وعلى النقيض من ذلك ، يعد سكان الاتحاد الاوروبي من اقوى اسنان الامم القاضمة للشوكولاته في العالم، حيث يستهلك سكان الاتحاد لوحدهم حوالي40 بالمئة من حصة العالم من الشوكولاته الذي مادته الاساسية الكاكاو، كما ان بلجيكا المركز الام للاتحاد الاوروبي هي اليوم في طليعة بلدان العالم في انتاج الشوكولاته المميزة عالمياً. في حين تستهلك الولايات المتحدة الاميركية بنحو (12بالمئة) من استهلاك العالم للشوكولاته .بمعنى ان( 52بالمئة) من انتاج الشوكولاته في العالم ينفرد في استهلاكها سكان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية لوحدهم وهم لايمثلون سوى (14بالمئة) من سكان العالم.. في حين ينفرد (86 بالمئة) من سكان الارض الآخرين في استهلاك( 48بالمئة) من الجكليت او الشوكولاته المنتجة في العالم.
صفوة القول هي اذا كانت الشوكولاته التي تصنع من كاكاو العالم الثالث كمادة خام هي مصدر ذكاء العالم الاول وهم الاكثر استهلاكاً لها، فان اللامساواة العالمية في استهلاك اكسير الذكاء بين الامم الغنية المستهلكة للكاكاو والامم الفقيرة المنتجة والمصدرة له، لا بد من ان تثير حفيظة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الدولية وتؤجج جدلية التفاوت الاقتصادي بين الشمال والجنوب!! انه عالم غير متوازن ولا يوفر شروط الرفاهية على الصعيد العالمي، طالما ظل الكاكاو واكوابه الساخنة غذاء الآلهة حصرياً!!.