مرض الشيخوخة المبكرة

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 6 / 2

النخبة "النكبة "
ومرض "الشيخوخة المبكّرة"
هناك ممن يسمون بــأنصار الشريعة في تونس من اعتبر النخبة التونسية ( نكبة).
لماذا- ترى يصفون النخبة التونسيّة بـ"النكبة" أليس لأنّها تكشف عن عيوبهم وعن سوآتهم وتشير إلى جهلوتهم ومحدودية ذهنيتهم في هذا الزمن الذي تجاوزهم وتجاوز رؤاهم وأفكارهم ؟
هناك مرض عضال وقديم لايزال منتشرا في العالم بنسب متفاوتة لكنه متغلغل أكثرفي المجتمعات العربية اسمه الشيخوخة المبكرة , مرض متوارث منذ زمن بعيد وبالخصوص في العائلات المنغلقة على نفسها في جماعات إتنية groupes ethniques أو في ما يعرف لدينا بالقبائل وبلآخص منها تلك المحاصرة نفسها برؤى محافظة جدا لا تخرج عنها أبدا وهي بطريقة أخرى تلك المجموعات التي تعيش في ملل ونحل دينية جد متعصبة وتعيد نفسها كذلك على مر الزمن ,تكرر ذواتها في نسخ متشابهة ومطابقة للأصل دائما حتى أن أفرادها تشيخ قبل أوان شيخوختها . ومن مثل هؤلاء ما نشاهد اليوم في بلداننا العربية مما أفرزته لنا هذه الثورة *غير المباركة * من هؤلاء الشباب ـ الشيوخ والذين هم في الواقع ليسوا بشيوخ ولاهم في عمر الشيخوخة وإنما هم مصابون بمرض الشيخوخة المبكرة دونما يدرون وهؤلاء هم الذين يصفون النخبة التونسية بالنكبة ولهم الحق في ذلك من حيث هم لايستطيعون أن يتجاوزوا محنتهم تلك فيقعوا تحت أنظار هؤلاء الموقع المزري الذي يحتاجون فيه دوما إلى العطف والمساعدة لآنه من ليس على طبيعته فهو مسخ metamorphose أو معاق وبالتالي يستحق من غيره الشفقة والرحمة دائما وهؤلاء عادة ما يضعون أنفسهم في غير موضعهم ويدعون ما ليس في قدرتهم ويعتقدون ـ خطأ ـ في اكتمال نضجهم وامتلاك مفاتيح الحكمة قبل غيرهم لكنهم مع ذلك ـ وككل المراهقين في الدنيا ـ يشعرون في قرارات نفوسهم بأنهم يخادعون الناس ويخادعون ذواتهم وأن الحقيقة ليست في متناولهم هم وحدهم وأن ما يعتقدون أنهم قد عرفوه منها ليس إلا مجرد وجهة نظر محدودة جدا جدا ...جدااااولا تخص إلاهم وحدهم ، وبالتالي فإن هؤلاء المرضى ب (الشيخوخة المبكرة ) في حاجة ـ في الحقيقة ـ إلى عملية جراحية لاستئصال مورث (جينة ) هذا المرض إن كان ذلك ممكنا أكثر من حاجتهم إلى اتهام أطبائهم ب ÷النكبة ÷ عساهم يواصلوافي الحياة نموهم أسوياء مثل غيرهم من البشر الآسوياء لكن لابد للنحبة أيضا من أن تتقي شر من تحسن إليه دائما .
السلفية الملتحية والخنافس:
يجدر التذكيرهنا بأن مثل هؤلاء الفاشلين والعاجزين عن الاستمرار في الحياة كغيرهم من الناس العاديين قد ظهروا في الستينات من القرن الماضي في ما يعرف بحركة الهيبي والتي اشتهرت لدى العرب حيئذاك ب (الخنافس) وكانت إفرازا طبيعيا للقهر والقمع الذين كانا مسلطين على المجتمع الغربى عموما وعلى الطبقة الشغيلة منه بالخصوص من الرأسمالية الغربية المتوحشة والتي كادت بجبروتها وطغيانها أن تنزع من الناس إنسانيتهم وتجعلهم ربوات تتحرك أوتوماتيكيا دون وعي منها وفي حالة استيلاب كامل aliene) ) . مثل هؤلاء ما نشاهد اليوم في بلداننا العربية وبالخصوص بعد هذ ه الثورة ـ مع وجود الفارق طبعا بين هؤلاء وهؤلاء ـ إذ أن هؤلاء الخنافس كانوا واقعين في استيلاب الاقنصاد الآلي الشرس وهؤلاء الشباب الملتحي والمنقب واقعون في استيلاب الدعوة إلى الآخرة ، هؤلاء كانوا ثائرين على الرأسمالية المتوحشة وهيمنتها المادية التي كادت أن تكون مفرغة من الروح الأنسانية كما كان يقول برقسون المفكر الفرنسي وهؤلاء يعبرون عن الفشل في التأقلم مع محيطهم العربي الذي لا يحسن التصرف بعد في مدخراته وأمواله ولم يعرف بعد كيف يستجيب لمطالبهم وأهدافهم من تلك الثورة فهم إذن سلفيون في الظاهر ويمارسون طقوسهم الدينية وفي الباطن يعيشون احتقانا وإحباطا وكبتا وشعورا بالعجز عن مواجهة هذا الواقع
المتردي الذي يعيشون به ولا يقدرون على تغييره لآن جحافل الضلام فيه أكثر من فصائل النور حتى أن البعض منهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة مبررين ذلك إلى الناس وإلى أنفسهم بأنهم مجاهدون في سبيل الله إذا ما ذهبوا إلى قتال إخوتهم في سورية العربية المسلمة ولقوا حتفهم هناك . إنهم باختصار قد ضاقت بهم الدنيا فأسلموا أنفسهم إلى الآخرة .
ومن نكد الدهر على هؤلاء أنهم يقعون بسهولة في أيدي السماسرة , سماسرة الموت الذين يتاجرون بهم في سوق النخاسة الجديدة ، أليسوا جميعا عباد الله ؟وليس على العبد إلا الطاعة لسيده والاستسلام بالتالي لمشيئة ربه ومشيئة الرب في اعتقاده تدعوه ألى الجهاد في سبيلهوقتل الآبرياء من بني جنسه لإرضاء ربه فعليه إذن أن يلبي داعي ربه ويذهب إلى سورية لقتال إخوته الذين لم يقف من العالم العربي مثلهم في مواجهة الامبريالية العالمية لكنهم ينسون للأسف أو يتناسون فول ربهم (ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ...ألى آخر الآية ).
إنه من المتناقضات العجيبة في هذا العالم العربي أنه من أغنى المناطق في العالم بأسره لكن أغلب شعوبه لا تزال تئن وترزح تحت وطأة الفقر المدقع وما كل هذه التيارات المتطرفة في الدين أو في السياية إلا إفرازات لهذا الوضع السيئ المتأزم وأكبر عامل في هذا كله هو الجهل والنقص الكبير في العلم والمعرفة بالنسبة للناس الموجودين في القمة ( الحاكمة ) والذين لا يفكرون بما يجب أن يفكروا فيه لصالح القواعد ولأنهم لايزالون مرضى بالأنانية التي هي أبرز علامة على التخلف الحضاري .