لا حدود جغرافية للكلمة وحربنا حرب المعرفة

ريم شطيح
2018 / 5 / 30

"بالنسبة لجماعة ليش قاعد برا وما بتجي بتكتب من البلد!"

هذه الفكرة غالباً ليست موجودة إلاّ في الثقافة العربية، فمعظم الكُتّاب ومَن دعوا للتغيير عبر التاريخ كانوا يُقيمون في مناطق أخرى ولا علاقة للمكان بما تكتب عنه طالما ما تدعو له وتكتب عنه هو (واقع حال وليس ابتداع).

الكثير من الكُتّاب المعروفين أقاموا في بلدان غربية لأعوام طويلة ولم ينضب نشاطهم الفكري والثقافي لمجتمعهم الأول وهم بعيدون عنه، بل والبعض منهم كتبوا حتى وهم في السجون والمعتقلات.

(المجتمع يريد من الكاتب أفكاره وليس جسده. عندما نقرأ مقالاً لأحدهم في الصحف أو كتاباً، لا يعنيني أين يقطن الكاتب ولا حياته الشخصية؛ يعنيني ما قدّم لي من أفكار).

من جهة أخرى، الكاتب وحده لا يستطيع أن يغيّر مجتمع بأكمله؛ الكاتب والمثقف التنويري يقدّم أفكاره التي يرى فيها تنويراً للمجتمع كما فعل الكُتّاب والفلاسفة عبر التاريخ كدوستويڤسكي أو جبران خليل جبران وغيرهم. في هذه الحالة، القرار يبقى للمُتلقّي من القُرّاء فيما لو أرادوا الاستفادة من هذه الأفكار المطروحة، بالإضافة إلى نوعية التعليم المتوفّرة لهذا القارئ من مناهج دراسية ودور الأسرة والمحيط القريب والمجتمع. لكن يبقى هناك عامل مهم ورئيسي وهو دور السلطة في هذا التغيير، فكثيرا ما يتصادم الكمّ والمستوى المعرفي مع وضع السلطة السياسية في البلدان العربية المحكومة من أنظمة شمولية، فهذه الأنظمة تتولّى كل القرارات حتى المتعلقة بدرجة التنوير والتعليم في البلاد وممارستهما وليس فقط تلقّيهما، ولهذا فالكاتب والمثقف الحقيقي هو عدو السلطة الأول ويشكّل ضغطا حقيقيا على السلطات السياسية والدينية بشكل عام، وسجون الأنظمة الشمولية تعجّ بالمُعتقَلين من كُتّاب ومثقّفين ما دفع الكثيرين منهم للرحيل والهروب والكتابة من الخارج لاستحالتها أمنياً من الداخل. ولا شك في هذه الحالة تُرِكَت الساحة للمُرتزقة من الكُتّاب وما يُسمَّى مثقّفين السلطة وبعض رجال الدين وقبضة الأمن الحديدية والفقر والجهل أن يتحكّموا بالعقول والسلوك.

مَن يحمل مشروعاً تنويرياً لهذه البلاد فليطرحه أينما كان يقطن، فنحن نريد أفكاره وليس مكان إقامته، فالعلم والمعرفة لا يتوقفان على مكان، وعملية التنوير عملية طويلة وليست عملاً نُنجزه في يوم واحد ونجني ثماره في ذات اليوم، هذا تاريخ أمم يا رفاق. فلنخرج من قوقعة المكان والأفكار المعلَّبة؛ لا حدود جغرافية للكلمة من أي مكان خرجَتْ!

إننا لمتعطّشون للكلمة الحرّة، للمعرفة، لفتح آفاق الفِكر، فلا نستطيع أن نحاربَ عدواً أو أن نستردَّ حقاً، ما لم نُثقِّف أنفسَنا أولاً ونتسلّح بالمعرفة والتطور لكي نخوضَ معركتَنا الفكرية والسياسية ونرقى بمفاهيمنا الأخلاقية.
في هذا السِّياق، سألني البعض وقال: "حربنا إذن حرب أخلاق؟"

قلت:
حربنا اليوم في العالم والعربي خاصةً هي حرب المعرفة، لأنّ حتى الأخلاق تُسيَّس حسب المصدر المُشرِّع لها وحسب "الخلفية المعرفية" لهذا المصدر وماهية إسقاطها. فتقييم ما هو صح وخطأ وما هو خير وما هو شر يتبع للجهة التي تُحدّد هذا التقييم، وبناءً عليه، الكثير والكثير من السلوكيات تتمّ وتُشرعَن ضمن هذا المحور على أنها سلوكيات أخلاقية وواجب مُجتمعي في الوقت الذي تنتهك فيه كل معايير الإنسانية والقيم الأخلاقية. فما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي قد يتبع مثلاً للعرف الاجتماعي السائد في مجتمع ما، ولكن قد يكون هذا العرف غير صالح وغير عادل وغير ضروري. إذاً مَن يحدّد ما هو أخلاقي وغير أخلاقي؟

من هنا، حتى نصل لنسلك ونتبنّى فكراً أخلاقياً إنسانياً؛ علينا تعريف ما هي الأخلاق أولاً، وعليه فإننا بحاجة للبحث في كثير من التعريفات والمفاهيم السائدة وإعادة طرحها وتنقيتها وتعريفها من جديد وتسمية الأمور بمُسمياتها، وبكل جدية لدينا أزمة تعبير ومصطلحات ومفردات غير مضبوطة وغير مفهومة ويتمّ استخدامها وتوظيفها بشكل خاطئ، والمعرفة لا تتحقّق من دون ضبط للصيغ والمفردات وتحديد معنًى واضحاً وشاملاً لها وإلاّ يضيع المعنى ويضيع معه الهدف والقيمة وبالتالي المعرفة.

الأخلاق ليستْ ذات ألف معنى، قد تكون بألف شكل وسلوك، ولكن الهدف والمعنى والأساس يجب أن يكون واحداً كي نحصل على مفهوم واضح للأخلاق نستطيع أن نَنهجَه ونبنيَ عليه، وبهذا فالمعرفة أولاً هي أساس كل هذا البحث وهي التي ستقودنا إلى هذا الوصول.

في ذلك الشرق، حربنا حرب معرفة كانت وما زالت، ولهذا نحن بحاجة للكلمة الحرّة للتنوير في أي وقت ومن أي مكان.
ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية
———————————