إلِكْترا: الفصل السادس 3

دلور ميقري
2018 / 5 / 27

على خلاف زيارته الأولى لباريس، فإنه بالكاد تسنّى له وقتٌ للقاء " لويس " وصديقته المغربية. في المقابل، أتاحت ساعة واحدة، قضاها معهما في مقهى مُشرف على الشانزيليزيه، أن ينتبه إلى فتور علاقتهما واتسامها بالتوتر. الأميرة، جاءت إلى الموعد الصباحيّ بمفردها. وما لبث صديقها أن دخل على الأثر، فجلس دونَ أن يقبلها. كانت متأنقة، مثلما عرفها " غوستاف " قبلاً. ظهرت الفتاةُ السمراء بمعطف ناصع البياض، شبيهة بتمثالٍ برونزيّ مجلل بالثلج. كان المعطفُ مبطناً بفرو رماديّ، حال قبعته، وقد شدّ من جهة الياقة بشال كشمير من اللون نفسه. خلعت المعطف أولاً مع أنشوطته، ثمّ سحبت القفازين من يديها ووضعتهما أمامها على المنضدة. فعلت ذلك ببعض العصبية، وعلى الرغم مما أظهرته ابتسامتها من بهجة بلقاء الصديق القديم، القادم من موطنها. عندما شخصت إليه عيناها القاتمتان، الرائعتان، لحظَ ما ارتسمَ في ظلالهما من خطوط. فكّر عند ذلك، أنها ربما تجاعيدٌ ناتجة عن ماء المآقي المالح ـ كما يخلّفُ المعينُ العذب الأخاديدَ، آنَ انحسار مجراه عن التربة.
لما نهضَ " لويس "، مستأذناً في الذهاب إلى الحمّام، حدجته صديقته بنظرة قاسية. لم تتردد، على أثر ذهاب الرجل، في القول لصديقه: " إنه يكذب! لقد اتجه إلى البار، كي يشرب كأساً من البراندي ". انتبه إلى ملامحها عندئذٍ، ولاحظ ما تخللها من صرامة وتسلط كانا غريبين عليها فيما مضى. لم يستطع إلا التساؤل، مأخوذاً بكلامها: " ولِمَ سيمتنع عن الشراب في حضورك؟ إنّ شهرَ رمضان ما زال بعيداً.. ". أوقفته ضحكتها الرنانة، المتردد صداها مع الموسيقى الصاخبة، المنبعثة من الستيريو. قالت له، مستعيدةً صفاءَ سحنتها السمراء: " أعتقدُ أنك أتقنتَ الآنَ المحكية المغربية؟ "
" ليسَ تماماً، ولكنني أتكلمها أفضل مما كان عليه الحال قبل نحو ثلاث سنين "
" لقد تغيّرنا جميعاً، في خلال تلك الأعوام؛ ولكن ليس للأفضل بالضرورة! "، قالتها هذه المرة بألم وأسف. ثم تابعت: " أنتَ كنتَ قد سألتني، عن سبب تسلل لويس إلى البار؟ وأجيبك، أنه أصبحَ شخصاً مدمناً. وليتَ أن خلافنا محصورٌ في هذه النقطة، أو في بطالته وتسكّعه واستهتاره وكسله.. ". خرجت هذه الكلمات من فمها بمرارة، فيما كانت تستدير إلى ناحية البار. استأنفت القولَ، وهيَ تهز رأسها بحركةٍ معبّرة عن يأسها من حال الرجل: " لقد انتهى إلى الإدمان، شأن كل شخص فاشل في الحياة. وما ينكي أكثر، ادعاؤه الدائم بأنه خلقَ للكتابة حَسْب. أصدرَ مجموعتين شعريتين، لاقتا صدىً طيباً. وماذا بعد؟ لا شيء. أتذكُر في زيارتك الأولى، حينَ جئتك إلى الفندق دون علمه كيَ أطلب منك ثنيه عن فكرة الزواج، المجنونة؟ لك أن تتصور لو أنه ركبَ رأسه حينذاك، وأطعتُ رغبته: لكنتُ اليومَ منبوذة من أسرتي، وفي ذات الوقت، تعسة بالحياة مع زوج سكّير وعالة.. ".
عليها كانَ أن تخلد للصمت، ما دامَ صديقها قد آبَ إلى مكانه. جلسَ " لويس " مع رائحة الشراب، الملتصقة بجلده، ثم أشعل سيجارة وراحَ ينفث دخانها وقد بدا خالي الفكر مما كان يشغل صديقته. أخذ ينقّل عينيه بينها وبين الضيف، منشرحَ الأسارير حال عاشقٍ عند بلوغه النشوة. مع ما يكنّه " غوستاف " لصديقه الشاعر من محبة شديدة، وما حز في قلبه لأجل وضعه التعس؛ مع كل ذلك، شعرَ في أعماقه بالراحة كونه لن يندمَ على قرار قطع كل صلة مع موطنه. ثمة في محطة القطار، ودّعه كلاهما ثم سارا مبتعدين وقد غلفهما الضبابُ وبخار الجليد. ما لم يخطر في باله حينئذٍ، أنه سيلتقي بعد أشهر قليلة مع امرأة صديقه في مراكش، المزركشة سماؤها دوماً برسم الشمس.

*
كانت " سوسن خانم " تتطلّع إلى لقاء الرسام العجوز، مثقلة الضمير بسبب موضوع سرقة مخطوطة مذكرات " مسيو غوستاف ". ضميرها، راحَ يحضّها على الاعتذار للرجل، فيما هيَ تطوي المخطوطة. ثم عادت ونحّت الفكرة جانباً، قائلة في نفسها: " إنّ فعل السرقة لا يخصّني وحدي، بقدر ما يخصّه. كلانا، لم يكن له الحق في استحواذ المذكرات! ". ارتاحت لهذه الفكرة، وما لبث ذهنها أن انتقل إلى موضوع الطفلة. ليلة أمس، وجدت في بادئ الأمر مشقةً في إقناع والدة " سُميّة " بأخذ الطفلة إلى الرجل " الكَاوري ". كانت العجوز امرأة صعبة الطبع، عنيدة فظة، مع ما تتسم به من خلق مستقيم. قالت للخانم بنبرة صريحة وشديدة: " خدّوج الصغيرة، تعتبر ابنة ربيبي سيمو. فإنها ابنتنا، بطبيعة الحال. ". لحظت المرأة ما طاف على شفتيّ الضيفة من ابتسامة ساخرة، ولمّا تتم كلامها. الخانم، لم تجد مناصاً من تبرير موقفها بالتعقيب: " حين اتصل معي الكَاوري، قال أيضاً أنه يعتبر الصغيرة بمثابة حفيدته، بما أن والدتها كانت ربيبته! ". ظلت العجوز شاخصة ببصرها إلى عينيّ الضيفة، وكأنما لم تسمع ما قالته. فواصلت كلامها، ولو بلهجة أكثر هدوءاً: " لقد سجلناها على هذا الأساس، بوصفها ابنة سيمو، وبالطبع بعد بذل الكثير من الجهد والمال. أما ذلك الشاب السوريّ، فإنه حتى لم يسأل عن الطفلة هاتفياً ". استغرقت الخانم بالتفكير دقيقة، مؤوّلة سببَ امتناع العجوز عن مجرد ذكر اسم والد الطفلة أو والدتها: لعل الأمر يتعلق بنظرتها إلى زواجهما، باعتباره غير شرعيّ.. أو لكون الشريفة قد حبلت بابنتها، وكانت ما تنفكّ على عصمة سيمو.
" أيمكن أن يكون الرجل عازماً على إجراء قانونيّ، يخصّ ابنة ربيبته؛ كأن يذكرها مثلاً في وصيته؟ "، تساءلت الابنة الكبرى للأسرة وهيَ تحدّق في الضيفة بعينين تفيضان مكراً. احتفظت الخانم برباطة جأشها، ولم تزِدْ على القول باقتضاب: " ربما..! ". إلا أنّ " النبوءة " لم تمر، دونما أن تشحذَ اهتمام الحاضرين. تدخلت ابنة الخالة، لتهتف بحماسة: " إذا كان الموضوع يتعلق بالإرث، فلا تثريبَ على الطفلة إذا قضت بعضَ الوقت في حضن جدّها.. أعني، ذلك العجوز الذي تكفّل تربية والدتها! ". أبدى كذلك " رفيق " تأييده لوجهة النظر هذه، ولو بهزّ الرأس حَسْب. عميدة الأسرة، الشديدة الكبرياء والعزيزة الكرامة، طفقت تنقل نظراتها الحزينة بين الحضور. لا ريبَ أنها كانت جريحة النفس، كون الإرث هوَ من أيقظ الانتباه وليسَ مستقبل الطفلة، التي ستعلم حينما تكبر بسيرة والدتها المخزية.