فلسفة التربية: اهميتها خصائصها تاريخها

عبد الوافي العزوزي
2018 / 5 / 27

فلسفة التربية: أهميتها خصائصها تاريخها
للحديث عن فلسفة التربية لابد وان نعيد النظر في مسارنا الدراسي منذ الحضانة إلى آخر مرحلة في الحياة المدرسية ، هل كانت خاضعة لفلسفة تربوية أم أن التربية التي تلقيناها هي مجرد تربية تقليدية لا فلسفة ولا رؤية إستراتيجية لها ؟
إن التفاتتنا للحديث عن فلسفة التربية ليس رهينا بتعريفها أو بدراسة تاريخها منذ القدم إلى اليوم. بقدر ما هو دافع ينطلق من الواقع ، أي من الدافع المهني المستقبلي .
لان الإنسان لا يمكن أن يعيش دون أن يعرف لماذا يعيش ، لهذا نجد ؛ كما اشار الفيلسوف الفرنسي باسكال في كتابه الأفكار انه على الإنسان أن يفكر ، وان يدبر ويعيد التفكير في ثلاث أمور أساسية قبل الإقدام عليها وقبل الحسم فيها هذه الأمور ثلاثة هي :
أولا: اختيار العقيدة .
ثانيا : اختيار شريك الحياة .
ثالثا : اختيار المهنة ، لان الإنسان يجب أن يختار المهنة التي يذهب إليها كأنه يذهب إلى نزهة وليس الى جحيم ، حيث يجب أن يقبل عن مهنته بحب وشغف ، وهنا ضروري اختيار المهنة عن حب وقناعة لكي يستطيع أن يعطي فيها ، وللمهنة دور أساسي في تحديد هوية الشخص . الناس عادة ما يقدمون بعضهم للبعض من خلال مهنتهم .
وهناك دافع أخر وهو الدافع الفلسفي التربوي :
إذ انه من اللازم أن نربي الناس بطريقة حكيمة وذلك بمعرفة من هم الأشخاص الذين نقوم بتربيتهم ، ثم أن نعرف لماذا سنربيهم ، أي ما الهدف من تربيتهم . وبعد كذلك علينا أن نعرف كيف سنقوم بتربيتهم .
هذه الدوافع مهمة في فلسفة التربية إلى جانب الدافع الثالث الذي ينص على التغيير والتطور إذ أن هذا الدافع التطوري يجب أن يبدأ من المدرسة حيث انه لتكوين مجتمع الغد لابد وان ينطلق من المدرسة فمن المدرسة إما أن نكون هذا المجتمع ويكون أو لا يكون .
أين تتجلى أهمية فلسفة التربية إذن ؟
أهمية فلسفة التربية :
تتجلى أهمية فلسفة التربية في كونها فلسفة مرتبطة بالواقع لا بالخيال ، حيث يمكن أن نتناول هذه الفلسفة من الناحية النظرية أو من زاوية واقعية . حيث التناول من الناحية النظرية يبقى دراسة فلسفية للفلسفة ، ويبقى عند حدود التأمل . وهذا ما يسمى بالفلسفة المنغلقة ، هذه الفلسفة التي تبناها أفلاطون وانتقدها تلميذه أرسطو حيث قال هذا الأخير في كلام موجه لأستاذه : " يا أستاذي إنني احبك لكنني أحب الحق أكثر منك ... والحق ليس في التأمل بل في التجريب " .

من هنا تأتي أهمية الفلسفة التربوية الواقعية حيث تخرج التربية من عالم المثل إلى عالم الواقع ، ومن أهم من اخرج الفلسفة من المثالية إلى الممارسة نجد كارل ماركس ، وقبله الهيجليين الشباب ، فكان ماركس يحاول مغادرة الفلسفة المنغلقة على ذاتها الخاصة بالتأمل . حيث أن فلسفة التربية الممارس هي أساس بروز وتطور المجتمعات المعرفية والمتطورة ، هذه المجتمعات لم تنبني على أساس سياسي بل إنبنت على قيم وطموحات وغايات فلسفية كانت تروم تحقيقها .
ما هي خصائص هذه الفلسفة ؟
خصائص فلسفة التربية :
فلسفة التربية لها خصائص تميزها عن باقي الفلسفات والعلوم الأخرى يمكن أن نحصر هذه الخصائص في خمس مجالات أساسية وهي كالأتي :
خاصية الكلية : إن فلسفة التربية بخلاف العلم المتخصص في الأمور الدقيقة نجدها هي تنظر إلى الإنسان في شموليته كما يقر أرسطو على انه لا علم إلا بالكليات ، من هنا فان فلسفة التربية تهتم بالإنسان في كليته وشموليته ، فهي لا توجه إلى قومية معينة ولا إلى فرد مدد بل موجهة إلى الكل . وهي لا تهتم بالجزئيات والاختلافات بل هي تسعى للحفاظ على ما هو جوهري في الإنسان وهي حسب اريك فايل تهدف إلى إزالة العنف من العالم وكما يقر موران على انه إذا أردنا أن نقضي على الحروب في العالم فعلينا أن نبدأ بالقضاء عليها من العقول . فالحرب قبل أن تكون في الواقع هي موجودة في العقل ، بالتالي علينا أن نبدأ بالمدارس ونرسخ مبدأ السلام بدل من الحرب والعنف وهذا المبدأ لابد وان يقترن بمبدأ قبول الأخر وقبول الاختلاف فالمجتمعات الموجودة قائمة ومستمرة بسبب التنوع والاختلاف لا بسبب الوحدة ورفض الأخر . فالأمر يتعلق هنا بما هو كلي . لهذا نجد فلسفة التربية تنظر إلى الإنسان على أساس انه جزء من الكل ولا ينفصل هذا الجزء عن الكل .
خاصية الإنسانية : إن الذي يميز الإنسان عن الحيوان هو تربيته وثقافته . لفي ستراوس يقر على أن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الثقافة ، في حين أن الحيوان يتميز بالطبيعة . إن الإنسان من خلال ثقافته أنتج حضارته بينها الحيوان لا يمتلك حضارة لأنها لا تملك ثقافة وبالتالي لا تنتج أي حضارة . وحسب كانط أن الإنسانية تتمثل في التربية حيث إن الإنسان يتلقى التربية ويلقنها على أناس آخرين ، ويمكن له أيضا أن يربي الحيوانات ويروضها ، بينما الحيوان لا يمكن له أن يروض إنسانا . ، ومنه ما يجعل التربية خاصية إنسانية أنها تجمع مختلف الشعوب والأعراق ، كما إنها شمولية للإنسان ومقتصرة على الإنسان فقط دون غيره من الكائنات الأخرى .
خاصية المستقبل : إن فلسفة التربية تركز على الأفاق التربوية المستقبلية للإنسان والتركيز على البعد الدولي والاختلاف الثقافي في العالم .
خاصية الجذرية : هي ضد النفعية وضد اللحظية حيث أن فيلسوف التربية يهتم بما ينفع هذا الإنسان على الأزل وعلى الخلود فهي بمثابة نظرة لمستقبل الإنسان في تجريد تام وعمومي بعيد عن أي مصلحة لحظية ، وهي بالتالي مرتبطة بالزمان الأزلي المستمر . والغاية من هذه الخاصية هو إنتاج فلسفة تربوية خالدة تنطبق على مختلف العصور والأوقات .

خاصية العمق : تهتم فلسفة التربية بالوظيفة التي تقوم بها القراءة في تغيير حياة الإنسان ، حيث أنها تؤمن بان للقراءة والتعليم دور كبير في تنمية الإنسان وإرشاده وتوجيهه ، إذ أن القراءة هي التي تمنح للإنسان خاصية العمق الذي ينشا عن الوعي والرشد . فهدف فلسفة التربية هو إنتاج عمق معرفي ، لذا الإنسان يمكنه من معرفة الغايات من الأشياء والصالح منها . لهذا نجد بعض الأشخاص إذا قرؤوا كتابا تأثروا به ، وهذا ما تهتم به فلسفة التربية إذ لا تهتم بكيفية قراءة الأحرف ونطقها بل هي تهتم بعمق ما تقرأ حيث ما تقراه لابد أن يؤثر فيك ويترك في داخل أعماقك بصمة القراءة .
متى إذن ظهرت فلسفة التربية ؟
تاريخ تطور فلسفة التربية :
فلسفة التربية قديمة قدم الإنسانية ، فهي موجودة مع أجدادنا منذ القدم فلو لم تكن معهم تربيو وأساليب حياتية لما وصلت إلينا الآن . فأول رجل وامرأة وجدوا على هذا الكون هما ادم وحواء ومعهم كانت التربية ، هذه التربية كانت عملية حيث في ذالك الوقت لم تكن مدارس ولا معامل وبالتالي التربية كانت حياتية وتعلميه .
وهنا كلما تنشا أسرة إلا وكان فيها هاجس كيف تربي أبنائها هذا يعني أنها في حاجة إلى فلسفة تربوية تربي عليها أبناؤها .
فالبدائيون لقد اهتموا بالتربية واعتمدوا أساسا في تكوين المجتمع حيث قسمت عمل التربية إلى مجموعة من المراحل ، أولها مرحلة الطفولة التي يتم فيها العناية بالطفل بشكل لائق حيث يقدم له الاهتمام الكامل ويعطى له اسم أجداده ويعامل على أساس نسبه هذا ، وبعد هذا تأتي ثانيا مرحلة المراهقة ، فيعد فيها الطفل بدنيا من خلال تداريب قاسية تجعله يتحمل الألم والجوع والمعانات ، وذلك بغية زيادة قوة تحمله والاعتماد عليه في حماية الأسرة من الإخطار الخارجية . لينتقل بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة البلوغ التي يتم فيها استقبال الفرد كعضو من الجماعة أو القبيلة من خلال مراسيم محددة حيث تعطى له هوية جديدة واسم جديد ليصبح بذالك كائن جديد يمكن له أن يتفاعل داخل مجتمعه .
إن بعض الفلاسفة الغربيين ركزوا على أن اليونان هي مهد الحضارات وهي السباقة في العلم والثقافة والفلسفة والرياضيات ... إلى حد اعتبروا أن اليونان معجزة العالم لكن في المقابل هناك الكثير أعادوا النظر في ذلك واهتموا بفلسفة الشرق أو ما يسمى بحكمة الشرق على أن ليست اليونان هي السباقة بل هناك شعوب سبقتها بآلاف السنين في إبراز معالم الحضارة ، فقد تميزت الثقافة الهندية بتقسيمها للمجتمع إلى أربع طبقات محدد على الشكل التالي طبقة الرهبان والكهان وهي اعلي طبقة في الهرم الاجتماعي ، ثم تليها طبقة الجنود والمحاربون ، بعدها طبقة الصناع والحرفيون ، ثم في الأخير طبقة العبيد . وقد ركزت الثقافة الهندية على التزام كل كبقة لمهامها والتزام كل فرد بمهمته وعدم تجاوزها.
لهذا نجد بان الطبقة الأولى هي التي تقوم بدور التوجيه والتربية وان مهمة هذه الطبقة هي توعية الأفراد وتقديم لهم دروس دينية حيث أن المعلم عندهم هو شبيه بالفقيه عندنا اليوم .
أما اليونان فان ما يميز مجتمعهم هو تخليد فلسفتهم التربوية من خلال وثائق وكتب ، هذه الوثائق هي التي استفاد منها إنسان عصر النهضة الأوربية والحركة الإنسية . ففي اليونان كانت الفئات الراقية تخصص عبدا ليصاحب ابنهم إلى المدرسة وهذا العبد كان يسمى " بيداغوج " ، فالطفل في اليونان كان ينبغي مراقبته من الطفولة ليضمنوا شباب المستقبل ويكونوا جيل جاهز للحفاظ على جمهوريتهم و، وأيضا بعد تطورهم في الخبرة قد يصبحون حكاما فأفلاطون كان يركز على ضرورة اعتماد فلسفة تربوية قوية لتقوية الجمهورية . وقد أكدوا في تربيتهم على ضرورة تلقين مختلف العلوم والفنون والمهارات القتالية ، ذلك أن كل من مدينتي إسبارطة وأثينا قد ركزتا كل منهما على تربية خاصة بها . حيت أن اسبرطة كانت تربي على الخشونة والقوة والاستعداد للحرب . بينما أثينا كانت تربي من اجل السلم حيث كانت تكون أشخاص أحرارا يركزون على الفن والفكر والموسيقى والسياسة .
ويعود الفضل لأفلاطون في تأسيس الأكاديميات ، التي نهجت أسلوبها الخاص في التدريس حيث كتب في مدخلها " لا يدخلها إلا من كان رياضيا " وهذا يعني أن للتربية اليونانية منهج وفلسفة التزمت بها في تدريس وتكوين أبنائها .
من هنا فان فلسفة التربية ينبغي أن نتناولها من الجانب الواقعي كونها تعكس مجتمع بعينه وأطواره فانه لا يمكن أن نجد امة كبرى بلا فلسفة تربوية الشيء الذي يفسر على أن كل فيلسوف وعبر العصور نجد بأنه اهتم بجانب من التربية وكتب فيها كتب ، إذ أي فيلسوف نجده حاضرا ومشاركا في مجال التربية والتعليم إما معلما أو منظرا أو محللا لفلسفة التربية .
لهذا نجد بان فلسفة التربية هي أزلية حيت أن كل عصر استفاد من العصر الذي سبقه وطور خبراته على حساب الخبرات السابقة فإذا عدنا إلى فلاسفة القرن 19 م نجدهم استفادوا من فلسفة الشرقيين ومن خبراتهم وكونوا علوما لهم عن طريق ما اكتشفه الشرقيين السابقين ونسير على هذا النحو حتى نصل إلى وقتنا الحالي حيث نجد بان شعوب العالم الثالث تحاول أن تستفيد من تجربة العالم المتقدم في مجال علوم التربية وفي الأخذ بمناهجها وطرق تدريسها ، في حين أن العالم المتقدم يسعى دائما لتطوير وتجديد مناهجه لتساير العصر وتستشرف المستقبل من اجل حفاظها على ريادة العالم حيث أن هذه الدول اقتنعت على انه في فلسفة التربية وفي اهتمامها بالتعليم هو مصدر قوتها والحفاظ على مكانتها .