هل -الدولة المدنية- هي الحل؟

مشعل يسار
2018 / 5 / 26

على خلفية دحر وتفكيك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية واستقلال جمهورياته وإحرازها السيادة الكاملة وإعلانها طموحها إلى التطور العاصف بعد أن تحررت من "قيود الشيوعية" و"قمعها للأفراد والجماعات والشعوب" ومن ربقة البيروقراطية السوفياتية، وحتى بعد تخلص بعضها من "الأغراب" أي من الروس الذين أرسلتهم السلطة السوفياتية لترقية وتطوير شعوب الإمبراطورية الروسية الأخرى المتخلفة، بدأت مشكلة اختيار النظام الاقتصادي والاجتماعي الملائم لإنفاذ هذا الطموح. غير أن الرياح جرت بعكس ما اشتهت سفنهم.
بدأ الجميع يتحدث عن اقتصاد السوق كخشبة خلاص، ما يعني باللغة المعهودة النظام الرأسمالي المبني على الملكية الخاصة. لكن ما وصلوا إليه لا يمكن وصفه بأنه الرأسمالية بمعناها التقليدي. فهو كناية عن شبه رأسمالية، وثمة من يسميه "رأسمالية الدولة" أو "حكم المافيات" أو "الرأسمالية المتوحشة"، علماً أن الواجهة السياسية لهذا النظام تظهره كجمهورية برلمانية ذات نظام رئاسي. فلا الشعب صار حاكماً، ولا مستواه المعيشي تحسن، بل خسر كل ما كان له من تقديمات اجتماعية مجانية من السكن إلى الطبابة إلى التعليم إلى الاستجمام إبان العطلة إلى الحماية من البطالة ومن النصّابين إلخ.
رغم انهيار الاتحاد السوفياتي لا يزال في العالم اليوم نوعان من التتشكيلات الاقتصادية الاجتماعية - الرأسمالية والاشتراكية. وبعد انهياره رفضت جمهورياته وبلدان الكتلة الشرقية النظام الاشتراكي، ولم تعد تعتبره احتمالاً ممكناً، كما انتقلت هذه العدوى إلى الأحزاب الشيوعية القائمة. وراحت جميعها تالياً تبحث والعرق يتصبب من الجبين عن خلق شيء جديد غير فكرة الاشتراكية كشعار وهدف، ابتكار فكرة جديدة، والتكيف مع العالم الغربي عبر استنصاح دساتيره وقوانينه وصولا إلى استنساخها. فأعلنت الدولة الديمقراطية والعلمانية ودولة القانون والرعاية الاجتماعية هدفاً، وأعلنت عندنا أيضا الدولة المدنية المقاومة وغير الطائفية. لكن كل هذه الشعارات في طرح السلطات الجديدة بقيت صدى في واد. فلا أمن اجتماعياً، ولا ديمقراطية حقيقية على طريقة توماس جفرسون. وهنا رأت المعارضات المختلفة ومن بينها المعارضة الشيوعية النظامية أن من الممكن تصحيح الوضع وتعديل شعاراتها بالإشارة إلى نظرية المجتمع المدني والدولة المدنية. وذلك مع سرد سماتها الرئيسية ألا وهي الوحدة الوثيقة بين السلطة والشعب، حيث السلطة المنتخبة لا يمكنها اتخاذ القرارات من دون مناقشتها مناقشة عامة، وحيث تتأمن الشفافية في عمل المسؤولين على أعين الرأي العام، وحيث المساءلة الشعبية في جميع مجالات أنشطة المؤسسات الحكومية، وحيث تُضمن لكل مواطن حقوقه وحرياته، وتُدعم إمكانية تجسيد أفكار كل شخص مبدع، وحيث ضمان حرية الرأي عبر وسائل الإعلام وحرية التجمع، وممارسة الشعب حقوقه الاجتماعية بحرية. وفي الدولة المدنية أولوية هي مكافحة الفساد والبيروقراطية، والجريمة وغيرها من مظاهر الفجور والتحلل الأخلاقيين. وكل هذا سيخلق الظروف لضمان العدالة الاجتماعية والوحدة الحقيقية لأبناء الشعب.
غير أن الأمر الأهم يبقى في ظل هذه الدولة المدنية، وهو ضمان الحق المقدس في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج مع الحد الأدنى من التدخل الحكومي في شؤون العلاقات الاقتصادية وعلاقات السوق، وفي هذا المجتمع "المخصخص" تظهر جليةً صورة الدولة المثالية.
لقد نشأت فكرة المجتمع المدني مع بزوغ فجر الرأسمالية، عندما كان يجري البحث عن شكل للدولة يكون أكثر تكيفا مع ضرورات تطوير العلاقات الرأسمالية. فراحت تُنشأ آلية تضمن هيمنة الطبقة البرجوازية. واعتبِر المجتمع المدني مثابة البديل الديمقراطي لديكتاتورية البرجوازية (من حيث الشكل طبعا وليس المضمون). وقد انتقد ماركس هذه الفكرة أيما انتقاد، لأن الاستغلال والتفاوت الاجتماعي العميق في ما بين الناس سيبقيان في دولة كهذه على حالهما بالكامل. ولم تنفذ فكرة المجتمع المدني بشكل كامل في أي مكان في العالم، حتى أنها بدأت تُنتسى وصارت دول "ديمقراطية" مثل سويسرا والدنمارك والسويد والنروج وغيرها تسمى بدول "المجتمع المدني".
الملكية الخاصة قسمت الناس إلى طبقات متعادية أشد التعادي، وعززت انقسام المجتمع في العمق بين أغنياء وفقراء. لكن الانفصال كان يحصل في الوقت نفسه على أسس قومية ودينية ترتبط بطريقة أو بأخرى بالملكية الخاصة، وهو ما يشكل عقبة كأداء في وجه وحدة الشعب في البلدان الرأسمالية. وباتت تنشأ وتترسخ تدريجيا في شتى أنحاء العالم فكرة الليبرالية التي كادت تعتبر آخر الغيث ومرتع الأبدية.
ولكن مع تعمق الأزمة العامة للرأسمالية يصبح جلياً خطل الليبرالية وفشلها. فهي تستنفد ذاتها لتضحي مثابة الثوب البالي سياسيا واقتصاديا، ولتشكل خطرا على الحياة عموما على كوكب الأرض، وهو ما نشهده خاصة في الآونة الأخيرة. في ظل هذه الظروف، تطفو إلى السطح مرة أخرى فكرة المجتمع المدني شبه المنسية كحل وسط بين الطبقات المتعادية. علما أن بعض السياسيين يرى فيها خطوة كبيرة تخطى نحو الاشتراكية عبر صيرورتها سلمياً، وبعد ذلك يمكن السير في مسالكها تدريجيا بما أن "الثورة لم تعد واردة والقدرة عليها قد استنفدت" بحسب ما تعتقد اليوم معظم الاحزاب الشيوعية سابقا والتصفوية حاليا، والتي هي أقرب إلى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. هذا التكتيك يعني في جوهر الأمر الرغبة في تمديد حكم البرجوازية وفي خداع الناس حقيقةً.
يتسلح بعض الشيوعيين واليساريين والقوميين اليوم بفكرة "المجتمع المدني" أو "الدولة المدنية" بأمل العثور على وفاق وانسجام بين العمل ورأس المال، وتحقيق العدالة الاجتماعية. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه يرونها في الجمهورية البرلمانية والانتخابات النزيهة وخارج القيد الطائفي في البلدان المتعددة الطوائف والمذاهب. ولكننا نفهم كل خداع هذا التكتيك، بما أن اساس الاقتصاد يبقى الرأسمالية في هذه الحالة، وبما أن الأغنياء سيبقون على رأس السلطة كما كانوا من قبل.
إن برامج الأحزاب السياسية المتنافسة تحتوي اليوم على أشكال لتحسين الرأسمالية وتكييفها مع احتياجات الشعب العامل المتواضعة، وتسوّق كلها مجتمعة الفكرة "الجديدة القديمة" حول المجتمع المدني.
بيد أن النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي لن يكون فيه لا استغلال إنسان لإنسان ولا ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، والذي سوف يتم القضاء في ظله على الطبقة الرأسمالية الطفيلية، وتوزيع الثروة الوطنية وفق مبدأ "من كل حسب قدرته، ولكل حسب عمله"، وحيث سيتم تدمير سلطة المال، وإقامة مجتمع العدالة الاجتماعية، يمكن أن تؤمنه فقط الاشتراكية والملكية العامة لوسائل الإنتاج عبر التأميم والتعاون الإنتاجي. لكن كلمة "اشتراكية" لم يعد يستسيغ استعمالها اليوم حتى من كانوا بالأمس دعاة لها وباتوا يخجلون من ذكرها. فهي برأيهم جُرِّبت وفشلت!!! ولا يمكن الغطس في النهر نفسه مرتين!!! ولذا نراهم يهرولون جيئة وذهابا بحثا عن أشكال دولة جديدة. ولكن فكرتهم حول "المجتمع المدني" ليست سوى إعادة نبش لما لم يجتذب أحدا في الماضي نظرا لخطله وهروبه من الفكر التحريري الحقيقي بعد ما شابه من هزيمة وتراجع مؤقتين. ولكنه كالعنقاء سوف ينهض من تحت الرماد.