حوار الحضارات...أم حوار الثقافات ؟

عبد اللطيف بن سالم
2018 / 5 / 14

عفوا ليست الثقافة هي الحضارة كما أنّ الحضارة ليست هي الثقافة وإنّما هما يتبادلان التأثير بينهما، وإذا لم نتفق على هذا فإلى اللغة مرجعنا إذ أنّ الثقافة هي مصدر من فعل ثَقًفَ يثقُف ثقفا و"ثقافة" ومعناه قد صار حاذقا خفيفا مهذبا فهو ثَقِفٌ أو "مثقّف" إذا ما تلقى تثقيفا من أحد، وأنّ الحضارة صفة للعيش في القرى والمدن ومن كانوا يعيشون كذلك فهم حَضَرٌ ضد البدو في وصف حالتهم. وقد صارت الحضارة لاحقا تعني كل أساليب العيش المدني بكل وسائله وآلاته وصناعته وهو عيش يتطور مع الزمن بفعل تطور الثقافة والتثاقف. ونستنتج من هذا كله إذن أنّ الثقافـة هي روح الحضارة وأنّ الحضارة بها ترقـى أو تضعف والتأثيـر – كما ذكرنا آنفا – بينهما متبادل.
كما يمكن اعتبار الحضارة الوجهين المتلازمين للواقع الإنساني بما ناله من التقدم قي الجانب المادي وفي الجانب الروحي أو( الثقافي) ولكن قد يطغى احدهما على الآخر كما هو حاصل اليوم في العالم الثالث الذي يطغى فيه الجانب الروحي وما هو حاصل اليوم في العالم الغربي الذي يطغى فيه الجانب المادي ويكمن الإشكال هنا في هذا المفترق حيث تتبدد إمكانيات التحاور والتفاهم و الملاحظ أنّ المداخلات في أغلبها – باستثناء بعضها – قد انزلقت عن الخط الذي أريد لها والذي يوحي به موضوعها الذي هو في أساسه "حوار الحضارات وليس حوار الثقافات" والذي كان بمثابة الحصن المنيع الذي يستعصي على من يتجرّأ على الدخول اليه باستثناء الأستاذ حسين فنطر الذي اهتم بالموضوع معنى ومنهجا و السيدة ريم بنا التي التحقت في التوّ من فلسطين ولم تكن حتى مهيّأة كتابيا لما عساها أن تقوله فانطلقت بعفوية ظاهرة لتصيح: " كيف لي أن أتحاور مع جلاّدي ؟ وهل ترون أنه سيفهمني أو يتفاهم معي ؟ " .
ومن هنا كان يجب أن نبدأ وإلى هنا كان يجب أن ننتهي بمعنى ما من المعاني التي يقتضيها الحوار بين الحضارات أي البحث عن الشروط الضرورية والكافية لهذا الحوار الممكن. ولعل هذه الشروط تتمحور جلها إذا لم نقل كلها حول توافق المصالح وتكافئ المطالب وإلاّ استحال الحوار إلى الأبد بدليل ما نراه الآن على أرض الواقع بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني أو ما نراه حاصلا أيضا على أرض الواقع بين أمريكا بل (الولايات المتحدة )وأفغانستان وحضارة ما بين الرافدين العريقة. وإنّ هذا لصدام بين الحضارات وليس حوارا ولا يستجيب لأي نوع من الحوار المرتقب الذي نفترض أن يقوم على المحبة والتسامح بين البشر وبالتالي فلا يكون هناك أيّ حوار ممكن مع "هذا الآخر" مادامت الموازين غير متكافئة والقوى غير متوازنة وهل نسينا قول أبي القاسم الشابيّ:
لا عدل إلا إذا توازنت القوى *** وتصادم الإرهاب بالإرهاب ؟
ولا يعني هذا أبدا أنّنا مع الإرهاب مهما كان نوعه أو مصدره وإنّما كل فعل له ردّ فعل من نوعه وهذا ما في الطبيعة شئنا ذلك أم كرهناه، فلا مجال إذن للتحاور مع الآخر إذا لم يتوقف عن رغبته في الصراع والتصادم.
لكن في أي وجهة سارت المداخلات إذن ؟
إنها كانت في الغالب تعبيرا عمّا جرى في الماضي أو ما يجري الآن في الحاضر من التثاقف في الداخل بين بعضنا البعض أو مع الخارج أي مع الآخر الذي ما هو في واقع الأمر إلا جزء من الأنا الكلي بوجهيه الذاتي والموضوعي، لكنه بتفوقه المادي قد صار - فيما يبدو – يتعامل مع جزئه الآخر باعتباره فقط موضوعا للاستهلاك أو بضاعة في السوق وليس باعتباره ذاتا للتفاعل معها والتكامل وهذا هو عين الخطر المتجذر في الحضارة المعاصرة.أما التثاقف عن بعد فهذا أمر بديهي، إذ أنّ ثقافات العالم كلها تتقارب ويؤثر بعضها في بعض وتتلاقح بفعل تعلم اللغات والترجمة وبفعل ما حدث في الماضي للشعوب من تبادل للمواقع... من الرومان مثلا إلى البربر ومن البربر إلى الفتوحات الإسلامية ومنها إلى الإمبراطورية العثمانية فإلى الاستعمار المباشر ومنه إلى الاستعمار غير المباشر لبعض الشعوب والدول، أليس في كل هذا تلاقح وتبادل للثقافة ؟ وبوعي أو عن غير وعي منهزّ طفقت أغلب المشاركات – إذا لم نقل كلهن تستعمل عبارة "حوار الثقافات" عوضا عن عبارة "حوار الحضارات" وذلك لأنّها العبارة الأقرب لمسار تفكيرهن هذا الذي لا يستطيع أن يخرج عن دائرة التخاطب بخلاف ذلك لأنّ حوار الثقافات أو ما عبّرت عنه بالتثاقف هو الأمر المعقول والمعيش في حياتنا في كل لحظة، مع أنفسنا ومع أبنائنا وتلاميذنا وجيراننا وكل معارفنا، وهو واقع حسي وإدراكي متواصل، أمّا ما نطلق عليه "حوار الحضارات" فهذا لعمري أمر يكاد يكون مستحيلا وقوعه في هذا العصر على حقيقته عصر "العولمة – الهيمنة". وكيف يمكن لحضارة محتضرة أن تتخاطب مع حضارة صاعدة متوحّشة ومتجبّرة ولا يهمّها في الحياة إلاّ الاستبداد والنّهب وتحقيق التسلط والسيطرة ؟
ترى لماذا لم تتقدّم المفاوضات أو الحوارات – المباشرة كانت أو غير المباشرة – والتي انطلقت منذ سنين بين الفلسطينيين ومن يسمّون أنفسهم بالإسرائيليين ؟
لأنّ التبادل المطلوب بينهما غير متكافئ أبدا، فهؤلاء يريدون التجذّر في أرض اغتصبوها واحتلوها بقوّة السلاح المدعومة ببريطانيا العظمى وأمريكا الأعظم وفرنسا وغيرها من دول العالم الغربي... وهؤلاء يتمسكون بأرضهم ويريدون تحريرها من عدوّهم ليعيشوا في سلام آمنين. فالمطالب إذن غير متكافئة والتقارب بينهم يكاد يكون مستحيلا إلا إذا أيقن كل منهما وأدرك بالضبط ما يريده الآخر وما هو مصمّم على تنفيذه ويعمل بالتالي على التخلي والتنازل عن بعض من حقوقه أو التي يراها حقوقا له ليحصل ويضمن لنفسه الحقوق الباقية كما كان يقول جان جاك روسو في زمانه وما ذكره في كتابه "العقد الاجتماعي" ويتفق الجمعان ويتعاقدان على العيش متجاورين إذا لم يقدرا على العيش سويا. أليسوا جميعا بشرا قبل أن تأتيهم الأديان والمعتقدات وتتوزّع بينهم الأفكار والثقافات ؟ وماذا نفعل بالديانات إذا لم تكن في صالح الإنسانية وسعادتها ؟ إنّها هي بالفعل من أجل ذلك ولكن الناس يخطئون في استعمالها عندما يسيّسونها.
الملاحظ اليوم أنّ الكثير من الناس من يركبون الدين ويتخذونه مطيّة لقضاء شؤونهم السياسية أو تحقيق مطامعهم التوسعية، وما قال الله يوما في أيّ دين من الأديان: "اقتلوا الناس لتستحوذوا على أموالهم وأرزاقهم وتسلبوهم أراضيهم وأوطانهم" أمّا الإسلام فقد جاء فيه "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" والتعارف هو من أقرب السبل إلى التفاهم وإنّه الفضيلة الوحيدة المؤدّية إلى الحكمة.
إنّ عزاء الإنسان في مأساته الوجوديّة أنّه في هذه الحياة ليس وحده وأنّ معه غيره الذي عليه أن يتعامل معه ويتفاعل وإلا فلا معنى له.
أمّا إذا قام الحوار بين أناس يحملون مركّب الاستعلاء وآخرين يحملون مركّب النقص والحال أنّه لا مبرّر ولا ضرورة لحمل هذا المركّب أو ذاك ما دمنا جميعا بشرا أسوياء ويحبّ بعضنا بعضا. لكن هل يمكن أن يقوم حوار بين شخصين أحدهما يمدّ يده للتحيّة والآخر يشهر في وجهه السلاح ؟
أن يتثاقف المثقّفون ويتبادلوا الآراء فيما بينهم كمن يطحن الطحين ليزداد به الدقيق دقة ورهافة أو هو كمن يتحاور مع نفسه أو يتجوّل في بيته ليكشف من جديد عمّا به وبزواياه وأركانه. صحيح أنّ الإنسان مهما أوتي من علم وثقافة يبقى قاصرا ومحتاجا إلى غيره ولكنّ نفس الأسباب في نفس الظروف تؤدّي دائما إلى نفس النتائج خصوصا في العلوم الإنسانية لدى المتقاربين في العمر وبالتالي فإنّ الأفكار التي تبودلت في هذا الملتقى تكاد تكون واحدة وهي هي لدى جميع المتداخلين والمتداخلات والحاضرين والحاضرات مع وجود الفارق الضئيل الذي يقتضيه فقط تنوّع الأساليب في التخاطب والاختلاف النسبي في المواضع. وفي إطار هذا المعطى "النفسي – الاجتماعي" يصبح التثاقف أو الحوار الثقافي المنتج والمجدي هو الذي يتمّ بين المثقف والمتثقف أي الطالب الفعلي للثقافة الذي نلاحظ أنه كان غائبا في هذه المعادلة "كما أشرنا إلى ذلك في المناقشة". وإنه بهذه الطريقة وحدها يمكن للحوار الداخلي (أي بين المتعايشين معا) بواسطة مثل هذه الندوات الفكرية والعلمية أو الثقافية عموما أن يعطي ثماره للبشرية ويستفيد منه الشباب والأجيال اللاحقة بما يسمح لنا في المستقبل أن نتقدّم أكثر في تصوّر الممكن ونتسلّح بما يجب أن يكون للمواجهة والحوار مع الآخر.
الحوار: لكن ماذا نعني بالحوار وهل له من شروط لا بدّ من الالتزام بها ؟ ولماذا ظهرت الحاجة الآن إلى هذا الحوار ؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها والإجابة عنها تدلّ على الطريق، الطريق إلى المحبّة والسلامة اللتين نصبو إليهما لتحقيق التعايش الكريم واللائق في ما بيننا.
يعني الحوار – في ما يعنيه – المراجعة في الكلام وتبادل الآراء حول موضوع معيّن من أجل الوصول إلى التفاهم والاتفاق حول حقيقة ما تصبح واحدة لدى جميع الأطراف المتحاورة رغم اختلاف وجهات النظر، أليست الحقيقة ذات وجوه كما يرى بعض الفلاسفة؟...
وأترك الإجابة عن بقية الأسئلة لكم ريثما نلتقي وإياكم في مناسبة قادمة مع العلم أنّ الأسئلة دائما أهمّ من الأجوبة...
وللتفاعل: abdellatif_bensalem@hotmail.fr