كارثة كيميروفو: الرأسمالية تقتل

مشعل يسار
2018 / 3 / 29

مرة أخرى، كما هو الحال في جميع الحوادث السابقة (وكم كان منها، هذه الحوادث التي تبين فيها أن "الرأسمالي المفيد" ليس سوى نذل مستهتر بحياة الناس؟)، يأتيك من يقول لك مستهزئا: "وما شأن الرأسمالية هنا؟ أنت تريد ان تعمل لنفسك دعاية على حساب مأساة الآخرين"؟

لا، لا أحد يعمل لنفسه دعاية على حساب مأساة الآخرين. الجميع متألم والجميع يشعر بالمرارة. لكن نموذج السلوك الذي يفرض علينا وخلاصته: 1) دموع وتعاطف ومواساة، 2) صور شموع في الشبكات الاجتماعية، 3) تعويضات للأقارب، و 4) تكرار الشيء نفسه المرة تلو المرة - هذا النموذج لا ولن يمكن له أن يعمل لأجل غير مسمى.
هنا ينهار سقف مركز ترفيهي. وهناك يحترق سوبر ماركت. وهنالك ينفجر منجم فحم. هنا تتحطم طائرة. وهناك يغرق قارب نزهة أو قارب صيد أو قارب يحمل أطفالاً. وهنالك تسقط حافلة مكتظة بالعمال في هاوية. وفي معظم الحوادث يفترض عند الفحص الدقيق أن تقع المسؤولية على المالك. لكنها لا تقع. على الرغم من أن المالك هو الذي "أراد أن يوفر ويقتصد"، أو بالأحرى، أراد أن يكسب المال. ولكي "يكسب" عليه ان يوفر على حساب صحة وسلامة الناس (أي أن يسرق من أحد ما):
- ساعاتِ عمل تُشتغل ولا يُدفَع مقابلها،
- وقتاً للراحة قبيل تحليق طائرة أو قيادة باص،
- سلة تقديمات اجتماعية،
- مالاً لازماً لتركيب جهاز إنذار ببدء حريق أو إنذار بتكاثف غاز الميثان في منجم،
- سائلاً مضاداً للتجمد على متن طائرة أو قطع غيار أصلية معتمدة لتأمين السلامة.
لكن الثمن النهائي لمثل هذا التوفير (وهو في الواقع والحقيقة يشكل كل مغزى اقتصاد السوق، كل جوهره) هو الحياة البشرية في كل مكان وزمان.
لذلك، في كل مرة يريد رأس المال أن يتملص من المسؤولية، أن يشتري المصيبة ببعض النقود الموفَّرة. يريد إذا لم يسعه أن يمنع خسائر فادحة أخرى في الأرواح، أن يضخ في وعي الباقين على قيد الحياة مخدراً قوياً حقا لمنع التغيير المؤلم له ولأمثاله، لتمديد اللحظة الراهنة ما أمكن. أمر رهيب بالنسبة للناس، ولكنه رائع بالنسبة له.
رأس المال هو أينما كان رأس المال. غرائزه لا ترتبط بالجغرافيا والثقافة والدين. فلا يختلف الحريق الذي وقع في مصنع "ترايانغل" في نيويورك عام 1911 عن الحريق في مصنع للنسيج في بنغلاديش في عام 2012.
يمكن فعل هذا فترة طويلة. ولكنه لا يمكن القيام به إلى أجل غير مسمى. فعاجلاً أو آجلاً، سوف تصبح العلاقة بين السبب والنتيجة التي توحد جميع المآسي واضحة وضوحاً فاقعاً ومؤلماً.
نعم، الرأسمالية تقتل. حرفياً ومجازاً. وفي هذا القتل، في تجريد الإنسان من إنسانيته، في تشييئه يتشارك على قدم المساواة مالك مركز التسوق، ومالك الشركة الأمنية، ومالك المسرح، ومالك شركة التأجير التي زودت دار السينما بفيلم الكرتون الفاجر المخصص للأطفال.
الرأسمالية تقتل.
عرير جوقة حماية هذا النظام التي تطلب معاقبة الشيوعيين وتطالبهم "بألا يعملوا دعاية لأنفسهم على حزن الآخرين" يبدو، في الواقع، تهكماً وتجديفاً ما بعده وقاحة.
لأن الأمثلة التي تساق اليوم عن كوارث العصر السوفييتي ليست تقارن بالماراثون المأساوي الذي يشارك فيه الشعب منذ عام 1991. وذلك للأسباب التالية:
- كوارث العصر السوفييتي لم تكن بسبب الجشع.
- هي لم تكن لتحدث بمثل هذا الانتظام الرهيب الرتيب.
روسيا اليوم من حيث عدد السكان تساوي حوالي نصف الاتحاد السوفياتي. بينما نسبة الحوادث والكوارث التي هي من صنع الإنسان تبدو وكأن الأمر عكس ذلك تماما. كل شيء تقلص وتناقص: النقل الجوي، الملاحة النهرية، حركة نقل الركاب بالسكك الحديدية. إلا المآسي والكوارث فهي تكاثفت وتكاثرت وتضاعفت. الكوارث تزايدت بنسبة عكسية.
عندما حدثت مأساة تشرنوبيل، ذهب المتطوعون إلى هناك من جميع أنحاء البلاد. لينقذوا الأرواح، لا ليحافظوا على سمعة أو ممتلكات سيد أو نبيل ما. عندما وقع الزلزال في سبيتاك بأرمينيا السوفياتية، هرع المتطوعون من جميع أنحاء البلاد إلى هناك، لكن لا لمساعدة هذا المتعهد الخاص أو ذاك، بل لمساعدة الناس البسطاء الذي حرموا المأوى.
كانت هناك حوادث في الاتحاد السوفياتي، لا أحد يجادل في ذلك. وحدثت كوارث جوية (على الرغم من أنها كانت أقل بعشرات المرات)، ولكن هذه المآسي عايشها مجتمع لم يكن ينقسم إلى عبيد ونبلاء. لم تكن لتحصل بسبب تعطش شخص ما إلى تحقيق المزيد والمزيد من الربح. أليس الفرق واضحاً؟
من دون وعي الجماهير لهذا الاختلاف، سوف تدور العجلة الشيطانية كما كانت تدور من قبل، لتسحق في دورانها مصائر جديدة وجديدة.
هذا هو السبب الداعي إلى ضرورة التحدث عن الاختلافات بين الاتحاد السوفييتي وروسيا. هذا هو السبب في أن مثل هذا الكلام يرتعب منه من يستهويه تقديم التعازي وإبداء "الرأفة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي".
فهم من خلال "تعازيهم" تلك، ومن خلال مقارناتهم المسوقة في غير محلها، يحمون ببساطة الرأسمالية الروسية. بزعمهم أن هناك مشاكل في الرأسمالية، ولكنها بشكل عام ليست أسوأ من "الاشتراكية السوفياتية" اشتراكية فقيري الحال كما يدعون. لا، إنها – والحق يقال - أسوأ. ألف مرة أسوأ.
لأن الرأسمالية... تقتل.

عن موقع حزب العمال الشيوعي الروسي
ترجمة مشعل يسار
(حريق مركز التجارة واللهو المشؤوم في مدينة كيميروفو الروسية والذي كان فيما مضى فبركة اشتراها رأسمالي روسي من نتاج النظام الجديد يعيش في أستراليا هو وعائلته ولا يأبه لحال مؤسسته لناحية السلامة العامة بقدر ما يهمه الربح.. الربح.. الربح.. أودى بحياة عدد كبير من الناس جلّهم من الأطفال الذين أتوا ليقضوا أوقات عطلتهم في مشاهدة الأفلام واللهو بالألعاب. وقد أوصدت فيما الحريق يلتهم الطابق الرابع الأبواب وسدت الأدراج ولم تعمل أجهزة الإنذار بوقوع الحريق)

http://rkrp-rpk.ru/2018/03/26/%D0%BA%D0%B5%D0%BC%D0%B5%D1%80%D0%BE%D0%B2%D0%BE-%D0%BA%D0%B0%D0%BF%D0%B8%D1%82%D0%B0%D0%BB%D0%B8%D0%B7%D0%BC-%D1%83%D0%B1%D0%B8%D0%B2%D0%B0%D0%B5%D1%82/