قراءة في رواية -حجر الصبر-

نايف سلوم
2018 / 3 / 16


كتبت لذكرى شاعرة أفغانية قتلت بوحشية
الرواية لها هذا الطابع الاختزالي والشعري، حيث لا تعالج البيئة الأفغانية وتاريخها القريب والذي جعل التشدد السلفي الوهابي الذي يشمئز من كل جسدية بما فيها أضرحة وقبور الأولياء يعشش في هذه "الأرض" كعنكبوت سام.
في العنوان: حجر: جسد ، حيث يقتبس الكاتب من المفكر الفرنسي ومنظر المسرح المستحيل والمتهكم الكبير حتى الجنون "أنطونين ارتو": "من الجسد وبالجسد ومع الجسد منذ الجسد وحتى الجسد" ، أرتو الذي يدعو إلى مسرح ليس فيه سوى الجسد والحركة بالتالي يدعو إلى مسرح مستحيل"مسرح القسوة"، وإلى جسد مستحيل على طريقة التهكم السقراطي.
ما قصة هذه الإشادة المضاعفة بالجسد والجسدية!؟ تبدو إجابة الحكاية بعد أن تم حبس الجسد جسد المرأة وتغييبه وصرفه بفظاظة من التداول الإنساني من قبل جنون سلفي أحمق قاتل ، ها هو سر هذه الإشادة المضاعفة يتكشف ، يبدو أنها رد فعل تهكمي لأنها مبالغة في إحضار الجسد لدرجة الوسواس والمس والجنون ، وهو المصير الذي لاقاه أنطونين أرتو (ت 1948م) على درب نيتشه (ت 1888م). فحتى نعرف كيف ولد المسرح علينا دفعه إلى تخومه القصوى لنرى موته واستحالته، هكذا الجسد.
حجر: جسد ، جاء في القرآن الكريم: "ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسداً ثم أناب" [ص: 34 ]
وأقول:
يُفجّر البشير الإلهي الينبوع من الحجر
كما يظهر المعنى من الجسد
والقيمة من السلعة
فالسَّلع : انصداع الشيء وانفتاحه
وشق في الجبل كهيئة الصدع
هكذا شق موسى البحر
وأخرج الماء من الصخرة
وشعبه من التيه
حين ضربها بعصاه
لم تكن عصا موسى صولجاناً ذهبياً
لكنها عصا رعي
يهشُّ بها على غنمه
والعصا كما يقول المتنبي عبدٌ:
لا تشتري العبد إلا والعصا معه!
والماء والينبوع والبرد والسلام
شريعة وربٌّ وقصد.
حجر اصل واحد في اللغة العربية تعني : المنع والإحاطة على الشيء(م2/ 138)
كانت ترتدي ثوباً أحمر أرجواني ، وهو علامة الخروج والتمرد ، تزين هذا الثوب عند الكمين والحاشية ببعض الأشكال الزخرفية الخفيفة من سنابل القمح وأزهارها. هذه المرأة هي الربة تكتونا البلغارية أم القمح العتيقة الربة الأرض. وهي العذراء أستريا ابنة رب الأرباب زيوس حاملة السنبلة هي البرج السادس من بروج الشمس رمزها العددي سبعة وتصوّر على شكل عذراء حاملة لسنبلة قمح ورمزها الحرفي m ، هي إيزيس ومريم ونفس محمد.
"على مخدة من المخمل وضع كتاب في متناول اليد كتاب هو القرآن مفتوحاً على صفحة الغلاف" ص 10 هو كتاب يتم التعامل معه كجسد مقدس للحماية والتبرّك.
القهّار، تعيدها وتسبّح بمسبحة سوداء. لإبليس عينان واحدة سوداء وأخرى لسبب ما خضراء! التسبيح يكسر عين إبليس ويردّها خائبة ، كما يرد الطلسم الفكرة المتسلطة.
في أصل كلمة قهر، القهر: الحجر الصلب، قهر تدل على غلبة وعلوّ، أُقهر الرجل: إذا صار في حالة يُذلّ فيها . (م5 / 35) المرأة مقهورة ومغلوب على أمرها ، والرجل لا حول له ولا قوة ، ومذلول بفعل اعترافها الشيطاني.
تسع وتسعين: أسماء الله الحسنى ومنها القهّار وترتيبه السادس عشر ، وهو مجمل مخارج أصوات اللغة العربية.
تبدأ دورة جديدة من التسبيح تدعونا لكي نفتش عن معنى التسبيح بالعربية التي هي لغة القرآن.
سبّح: جنس من العبادة ، وجنس من السعي . الجنس الأول: السُبّحة: وهي الصلاة من غير فرض أي الصلاة النافلة . لا يُسبّح: لا يتنفّل. التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، والتنزيه: التبعيد ؛ سُبحانه من كذا : أي ، ما ابعده عن كذا أو عُجباً له أن يفتخر ؛ تبعيد له من الفخر. لايزهو ولا يتيه ولايفتخر ، له الحمد لا الفخر. ومن صفات الله سُبّوح: أي تنزّه من كل شيء لاينبغي له.
والسَّبح: السباحة وهي العوم في الماء، والسابح من الخيل أحسنه مد اليدين في الجري وعكسه الساقط . (م3/ 126 )
"بسم الله " ما يظهر اسمه وما يحجبه جسده ، ألا ترى كيف حجب تجلي حرف الباء الألف فرسم "بسم" من دون ألف ظاهرة . فظهور الميم والسين يجسّده الباء في التجلي.
أسقط في يدها كناية عجزها ، هي مقهورة وعاجزة أمام ظرف قاهر. القهّار لايدرك يعني أن الذات لا تدرك ، بل الصفات هي التي تدرك ، القهار غيب وصفاته ظهور وتجلي. نقرأ في الرواية:
القهّار: يبتعد الصوت
القهّار: يبدو خافتاً
القهّار: لا يدرك
يختفي (غيب)
"ستة عشر يوماً وأنا أحيا على إيقاع تنفسك" مخارج العربية الستة عشر.. "يمكنني حتى أن أقول لك إنك تنفست في غيابي ثلاثاً وثلاثين مرة" ص 14 وهي السنوات التي عاشها عيسى المسيح وأنت في عالم الغيب لم ينزل عليك الوحي بعد . الرحمن ، الرحيم ، النفس ثلاثة مضروبة بالعدد (11) . تنفست سبع مرات ، وهي الرمز العددي للعذراء حاملة السنبلة . هي مقهورة ومغلوب على امرها تستعين بجميع الرموز المقدسة.
السبعة هي الصفات الذاتية الرحمانية التي تهبط على النفس وتنزل فيها ، حيث للمنزل أربعة "جدران" كالكعبة التي ينزل فيها الحجر الأسود فيكون المجموع أحد عشر كوكباً.
الصفات سبعة والذات واحدة حيث توجد الذات مع كل صفة ، وهذه السبع المثاني في فاتحة القرآن الكريم .
نقرأ في الرواية: "ما زال أمامنا خمس دورات من التسبيح قبل أن يرفع المُلاّ أذان صلاة الظهر ويلقي عظته" ص 15 الخمسة الإلهيين أصحاب الكساء في مباهلة النبي محمد مع نصارى نجران سنة تسعة للهجرة في المدينة. وصلاة الظهر ظهور محمد بالدعوة. والمُلاّ إمام جامع وزعيم ديني محلي . وهو تحريف للفظ العربي مولى. (مولانا أي شيخنا)
إن الحساب والمواقيت على دورات التسبيح علامة على طغيان الفكرة الدينية واستحواذها. كل شيء مضبوط على الإيقاع الديني كأننا في العصور الوسطى ، لكن هذه المرة مع طغيان السلفية الإسلامية المتعصبة للمذهب الوهابي ذو النزعة التكفيرية. فطالبان طلاب المدارس الدينية انخرطوا في الصراع ضد التدخل السوفياتي الذي حصل لصالح النظام الشيوعي في أفغانستان 1978م بزعامة نور محمد ترقّي وذلك ، نال الطلاب في المدارس الدينية دعم سعودي وهابي ودعم المخابرات الأمريكية . حيث استمرت الحرب الأهلية حتى 1992 م
واستمرت الحرب لاحقاً من قبل القبائل الأفغانية ضد الاحتلال الأمريكي وما تزال حتى اليوم.
اليوم يوم الثلاثاء يوم دام لأن حوّاء نزفت فيه دماً نجساً للمرة الأولى" أي أول حيض لحواء / المرأة . الثلاثة "هذا الجسد الممدد في الفراغ، هذا الجسد الفارغ " ص 16 الثلاثة لجهة الشيئية الحسية (الطول والعرض والارتفاع) ، جغرافيا بلا تاريخ وبلا زمن.
والأربعة "جدران" النفس الفارغة . 4× 99 = 3960 "دام غيابهن ثلاثة آلاف وتسع مئة وستين نفساً لم يقع في غضونها إلا الأحداث التي توعتها المرأة"ص 17 ياللركود والدوران في المكان. والثقافة المحافظة المتحجرة والوحي المتكلّس. هي الطيور المتجمدة على الستارة الصفراء والزرقاء ذات الثقوب. هذه هي سماؤها الوحيدة وقد تجمدت عليها طيور الوحي. تنظر إلى العالم عبرها من ثقوب قليلة.
"بعد سبعة انفاس رفعت رأسها ومسحت عينيها بكمّها المزخرف بالسنابل وأزهار القمح " ص 19 ها هي العذراء ترفع رأسها حاملة السنبلة سادس الأبراج الغربية الاثني عشر رمزها الحرفي (m)، برج من الجهة الشمالية للسماء تمر به الشمس بين 23 أغسطس و22 سبتمبر أواخر الصيف . قديماً كانت العذراء تسكن هذا البرج وقد انتقل اليوم لتشغله كوكبة الأسد نتيجة لتقدم محور الأرض (تأخر الوقت بفعل ميلان محور الأرض أثناء الدوران : بيرسيسيا تتأخر كل سنة خمسة أيام أي جزء من اثنين وسبعين أي 1/72 درجة في اليوم)
العذراء أستريا ابنة زيوس رب أرباب الرومان . هي التي قال فيها الشاعر الروماني أفيد (ت 15 ق. م) :
هُزمت التقوى، وهجرت هذه الأرض المنقوعة بالدم
العذراء آستريا، آخر الضيوف الإلهيين.
("مسخ الكائنات أو التحولات")
العذراء أستريا (m) مريم ، مايا ، مون القمر ، ربة القمر إيزيس المصرية زوجة أوزيريس وأم حورس (حور العين) هي التي جاء فيها نشيد مكتوب في القرن الرابع الميلادي اكتشف ضمن الجرار الفخارية المكتشفة في نجع حمّادي:
لأنني الأولى والأخيرة، أنا المبجّلة والمحتقرة
أنا البغي والقديسة
أنا الزوجة والعذراء
أنا الأم والبنت
أنا الزوجة والزوج، ورجلي هو الذي خلقني
(ربّة القمر ، مليكة بني الإنسان الوحيدة ظاهرها العددي أربعة وباطنها سبعة عد = 11)

ص20 الحرب الأهلية في أفغانستان وأهوالها ، لكن الحرب ليست حرب أهلية بل حرب ضد الوجود الأميركي/الأطلسي كقوة احتلال.
ص 20-21 مونولوج: الزوجة على شفى إنكار وجود الله ، هي تريد برهاناً ، تريد معجزة أو عجيبة تعيد الرجل إلى الحياة ، الرجل الجريح الفاقد الوعي. تريد معجزة وإلا فهي تهدد بالسقوط في العدمية وذهاب إيمانها بالله.
"سكتت الصغيرة، وسجا الليل " ، وسجا الليل إذا ادلهمّ وسكن.
قال جبران: سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
"مكثت في حالة تأمل للحظة مأخوذة بتلك الريشة البارزة من الكتاب المقدس وراحت تلامسها بحزن ثم بتوتر" ص22 الريشة ريشة طاووس ، وهذه كناية على الكِبْر والزهو وهي من صفات إبليس .
في السرد تسيطر صيغة المضارعة بحرف التاء المبسوطة: "تتردد.. تترك الطفلة .. " وهي صيغة المضارعة للأنثى الغائبة وضميرها (هي) أو للمخاطب وضميره (أنتَ، أنتِ). أنت تقول: هي تتردد، أنت تتردد.
هذا الطغيان للمضارعة بحرف التاء المبسوطة دليل نكوص نحو الوثنية ونحو الأنوثة والجسدية الخالصة في مشهد تهكمي . نكوص يصيب الضمير الثالث (هو) ضمير الرجل الغائب إلى (أنت) ضمير الآخر المخاطب وإلى (هي) ضمير المؤنث الغائب. إنه نكوص من الياء إلى التاء المبسوطة ؛ نكوص من عشرة إلى أربع مئة . وقد تدهشون ، كيف يتم النكوص من عدد قليل إلى عدد كثير ، فأقول إن عودة الإنسان للمشي على أربعة هو نكوص منكوس ، وهو سقوط في الحيوانية البهيمية مرة أخرى. نكوص من جسد ممتلئ بالمعنى إلى جسد اصم كالحجر أشبه بالتمثال أو الصنم أو النصب. من جسد بروح إلى جسد بلا روح أو "حجر صبر"
"تتطلع فاقدة الأمل إلى الجسد الهامد ، تجلس بين الرجل والقرآن الذي تفتحه على صفحة الغلاف" . القرآن ؛ الكتاب المطبوع على الورق جسد يمكن أن يتحول إلى رجل ، ويمكن ان يتحول إلى حيوان . "تتسلق صدر والدها وتأخذ بلحيته حاثة إياه ب (حا) و (دي) كما تحث الدابة على السير" ص 26 النكوص من (هو) إلى هي (أنت) ؛ من ياء اليمين إلى تاء الصنم المبسوطة ، من الله إلى اللات. "لم تُعد وضع يدها اليمنى على صدر رجلها، لم تسبّح بالمسبحة السوداء على إيقاع تنفس رجلها ، وذهبت." ص 27
الجسد وقد هجره الروح ، والتاريخ وقد هجره المعنى ، كجسد الرجل المتمدد أمامها وكحروبه العبثية واللانهائية.
من عشرة إلى أربعة ، قال المُلا في موعظته : "يوم الأربعاء هذا يوم شؤم .. إن الأربعاء ،كما جاء في الحديث الشريف، يوم لا تصح فيه الحجامة " ص 27
حجم: أصل واحد في اللغة وهو ضرب من المنع والصّدف ، يقال أحجمت عن الشيء ، إذا نكصت عنه (م2 / 141 ) وصدف عن الشيء إذا مال عنه.
تغير المُلاّ منذ إعلانكم القانون الجديد (القرآن جسد) وقد تحوّل السلفي الإسلامي أو طالب المدارس الدينية في أفغانستان وقد غذته الوهابية السعودية إلى حيوان كاسر قاتل مكفّر للجميع وبأبعاد دولية . . "وقع نظرها على القرآن فاعترتها انتفاضة، "عجباً الريشة؟" اختفت الريشة ! وحي جامد ، من دون حياة ، من دون روح ، جسد الصبر أو حجر الصبر: تمثال " قالت وهي تعيد الريشة إلى القرآن: طبعاً ، كذبت عليه ، أتكلم عن الحيض (اعتقد الرجل أن دم الحيض هو دم فضّ البكارة).. مع بداية تحررها من قهر الرجل السلفي "راح بطنها يعلو ويهبط بوتيرة أسرع من إيقاع تنفس الرجل" ص 30 البطن كناية النَّفس هنا لو كان يخرج الهواء من استه لكانت هذه علامة حياة ، غطته : "أكثر إثارة للتقزز من جثة، لايصدر رائحة" ص 30
يطبق صمت عميق على الشارع الذي يتصاعد منه الدخان ، وعلى الباحة لم تعد سوى حديقة ميتة ، وعلى الغرفة حيث يرقد الرجل جامداً فاقد الحس مع أنفاسه البطيئة" إنه الموت في كل مكان.
أربعة أنفاس من الرجل ويفتح الباب ، إنها المرأة ورمزها العددي أربعة (حواء= 8 + 6 + 1 = 15= 4 بالجمع الأفقي وهي ضلع من مثلث آدم = 1+4+40= 45 = 9) ومجموع آدم وحواء= 9+4= 13 وهو ما يشكل مجموع الكون الإنساني (كون= 20+6+50= 76=13 )
طيور بلا حياة ، وحي متكلّس جامد تشير إليه الطيور المهاجرة المسمّرة على السماء(الستارة) الصفراء والزرقاء .
وكما تركت العنكبوت جثة الذبابة ارتدت عن جثة الرجل.. جان ليلي ، جُنّ ليلي لقد حطمت قلبي.. ص 26 تسمع الكلمات من بعيد . حتى الدبّور لا يستطيع أن يبني عشّه في هذا الجو البهيم القاتل!
كانت تهم بالجلوس ارتدّت فجأة وهي تصيح "القرآن؟!" بان الجزع في عينيها وراحت تتفحص أركان الغرفة : لا أثر البتّة لكلام الله" ص 44 القرآن كجسد ، ككتاب مطبوع وقد تحول إلى حيوان سلفي قاتل لا اثر البتة فيه لكلام الله! ذهب الماء وبقيت النار .. يَهوْه، كيف أحزنت شعبك من أجل ريشة طائر ، ما هذا الزُهوُّ! وفجأة أخرجَت الريشة ! يا إلهي الريشة. ص 45 جاء في سورة النمل: "وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير" [16]
إن الاستمناء إذلال للجسد ص 46 والزُهوُّ عيب في العلم.
قالت المرأة: "لا أدري مالذي يحدث لي ، قواي تنهار يوماً بعد يوم ، مثل إيماني" ص 47 الله غائب وضميره ( هو ) ومع ذلك أحبه وأؤمن به " ص 48 هو غائب موجود بين المسند والمسند إليه ، بين المبتدأ والخبر وبين الفعل وفاعله. أما الإيمان بالجسد فهو إيمان بما هو حاضر امامك من شبح جسم فيزيائي وضميره أنت أو هي ، فالأم حاضرة أمام الطفل بكيانها الفيزيائي وبجسمها الشبحي. هي كالتمثال . قال الولد: اخترت القدم بدل اختيار الرأس" إننا في مسرح القسوة ، مسرح أنطونين ارتو الذي يحاول ان يُجرّب المستحيل!
ص49 يمرُّ السرد في الرواية بحالة من التجريدات الفارغة حول الحرية والسلطة . "كان والدك فخور بك عندما كنت تقاتل من أجل الحرية ، وأصبح يكرهك عندما أصبحتم (أنت وأخوتك) تقاتلون من أجل السلطة" ص 49 ونحن نعلم أن الذين قاتلوا في ثورة 1917 الاشتراكية في روسيا كانوا يقاتلون من أجل الحرية ومن أجل شعار: كل السلطات للسوفييت ، سوفييتات الجنود والعمال والفلاحين.
كذلك تعالج الرواية مسألة السلاح وحمل السلاح بشكل مجرد ومعزول عن سياقاته : "لا ينبغي أبداً الاعتماد على من عرف لذة السلاح" ص 50 وهذا التجريد خاطئ وضار. فمعالجة السلاح تكون في سياق تاريخي- اجتماعي محدد ، فهناك سيف للعدالة وهناك سيف للطغيان.
هذه النزعة التجريدية في معالجة مسائل كالحرية والسلطة والسلاح تشير إلى ملامح فوضوية لدى كاتب الرواية.
قالت المرأة: أنا شيطانتك من لحم ودم . " للشيطان علاقة بعالم الحسيات ، وليس له أن يتكبر في عالم العقل والعقليات." قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها" [الأعراف: 13]
في الصفحة 56 حين تتذكر المرأة لأول مرة يهبط السرد ويغدو ساذجاً ، يتحرر السرد من كل اعتبار وتتحرر المرأة لأول مرة من كل قيد "والحال أنني إذا ما شعرت أني منشرحة ومتحررة .. وذلك على الرغم من الشقاء الذي يصفعنا في كل لحظة ، فذلك بفضل أسراري ، لأنني بتُّ املك جسدك من الان فصاعداً وبتَّ تملك أسراري.. انت هنا من أجلي ، أنت حيّ من أجلي ، من أجل اسراري" ص60 الجسدية اصل وكل أصل ملتبس ، والجسدية سر ، وسرها كشفه ماركس في سر صنمية البضاعة : "الصنمية البضاعية وسرها" وسرها أنّ قيمة البضاعة(السلعة) تكمن فيما وراء جسد البضاعة (السلعة). فالسلعة شبح.
قالت المراة: تنفسك معلق بأسراري ، كتعلق القيمة بجسد البضاعة / السلعة.. وأسراري لا نهاية لها.
الان فهمت ما لذي كان يقوله والدك بشأن حجر مقدس، حجر سحري (سرّ) حجر اسود كريم" ص 61
جاء في حكاية "الغريب" لألبير كامو: سترى يوماً تمثال المسيح ، لقد وصل من البحر صعوداً من النهر . ولقد وجده صيادون ، ما أجمله! ما أجمله! وعندما غسلوه هناك في المغارة ، والآن نبت حجر في المغارة، وفي كل عام يُحتفل بالعيد ، وبالمطرقة تُكسّر قطع للسعادة المباركة ، ثم أن الحجر ينبت دائماً وأنت تُكسّر، تلك هي المعجزة" وهذا هو السر!
تشرع المرأة امامه في الشكوى والنواح: على مصائبك ، كل عذاباتك ، كل آلامك، كل بؤسك ، والذي تفضي إليه بكل ما في قلبك ، ولا تجرؤ البوح به للآخرين .. والحجر يصغي إليك يمتص كل كلماتك وأسرارك إلى ان ينفجر ذات يوم ويتفتت" ص 60-61 هذا الحجر عزاء للمظلومين وللمقهورين، فالدين عزاء كبير وأفيون الشعب.
قلتُ:
الصاعقة البرقية التي أحرقت قربان هابيل
كانت علامة القبول والسلام
والحجر الذي حمل القربان المقدس
احترق وتقدس
وأخذ اسمه الأسود
وبنو له حِجْراً وحرماً
هو البيت العتيق
الذي ببكّة/ بمكّة
قال والده على لسان المرأة: أخبره ملاك الوحي جبرائيل أن الحجر الأسود في مكة في الكعبة (بيت الله أو بيت الرب) يطوف حوله ملايين الحجاج. " ص 62 هذا الحجر حَجَر كل مصائب البشر! "سنكَكِ حجر" حجر الصبر، الحجر السحري ، الحجر الأسود.
قالت المرأة تخاطب الجسد الهامد: أنت حجري الخاص بي ، جسدك قربي هو حجري ، حامل قرباني وأسراري ، ومبعث سلامي. المراة التي امتلكت جسد الرجل كحجرها الأسود الخاص شعرت بالسلام وهي قادرة على البوح أمامه بجميع اسرارها دون وجل أو خوف. الحجر أو جسد الرجل يتنفس ببطء .
تبحث في ذاكرتها عن مكان تُخبئ فيه رجلها، كل امراة بحاجة لرجل تخبئه وتحجر عليه، وهذا سر المرأة الأعظم. الحجر الأسود خلف ستارة خضراء . والحواء هو الأخضر المسْوّد، ولإبليس عين سوداء وأخرى لغاية ما خضراء!
قال والده على لسان المرأة: النهاية السعيدة تكون بالتخلي عن حب الذات ، وعن قانون الأب وأخلاق الأم ، أي تكون بتجاوز الأنا وبتجاوز الآخر (أنت: اب وأم لهما رأي وثقافة ) والوصول بعد ذلك إلى معرفة الحقيقة من حيث (هو هو ) ؛ حقّ المعرفة. قالت المراة: كان ولدك يعرف شؤون الحياة حقّ المعرفة.. لقد اكتسب حكمة عظيمة" ص 80-81 لقد تقربتُ منه بفعل فضول مبهج وغامض ، هي الرغبة أن أعيش التجربة التي عاشتها هي ، هو ذلك الجزء مني المسكون بعمّتي" ص 81
الفشل في الحب والحرب
يكفي المرء أن يصغي إلى جسده ، لكن أنت لا تصغي إليه أبداً ، أنت لا تصغي إلا إلى روحك (تخيّل إنسان بروح من دون جسد!) هذا ما أوصلك إليه روحك (جثة حية) روح من دون جسد ، روحك اللعينة يا حجر صبري" ص 92 تمر بلحظة شيطنة كردة فعل ، ويحصل لها كما حصل للرجل الهامد : جسد بلا روح(كتلة لحم) ، وروح بلا جسد(طيف). تعيد الكلام : روح لعينة.
ممسوسة بتجربة عمّتها ، وبغيرتها الشهوانية من سُمّانات والدها ، الذي تخيلت انه يتلذذ بالسمانات وهي في حِجره. وحِجْر من حَجَر، العقل يسمى حِجراً لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي ، كما شبّه عقلاً تشبيهاً بالعِقال. والحَجَر معروف وأحسب أن الباب محمول عليه ومأخوذ منه لشدته وصلابته. والحِجْر هو حرم الكعبة (المدار بالبيت) ، والحِجْر الحرام حرم البيت، حِجْراً: حراماً. (م2/ 139 )
قالت له خديجة: اجلس في حِجري أي حرمي ، فسألته هل تراه(أي جبريل)؟ ، قال نعم، ثم القت خمارها وانكشف شعرها وسألته: هل تراه؟ قال : لا ، قالت: ابشر إنه ملاك "
فما أن ظهر الجسد والجسدية حتى انحجب جبريل بهذا التجلي للجسدية كما غاب الألف واحتجب بتجلي صورته الباء في كلمة (بسم). وإنما لو بقي ظاهراً مع تجلي الجسدية لكان شيطاناً ومساً وجنوناً. مسّ: يدل على جس الشيء باليد (عالم الحسيات)، والممسوس الذي به مسّ كأن الجِن مسّته (م5/271) إنما عالم الشيطان عالم الجسدية والحسيات. فليس للشيطان فضل في عالم العقل . إن السردية التي جاءتنا من الإخباريين حول خديجة ومحمد تشير إلى الدور العظيم لخديجة في كفالة محمد عند إظهاره الأمر وإعلان الدعوة. فخديجة عمرها أربعون حين نكحت محمد والميم رمزها العددي أربعون في حساب الجُمَّل الكبير. فخديجة هي نفس محمد وحِجره وسنده وكفيلته بعد موت جده وعمه.
انعكس خيالها على الطيور المهاجرة في تحليقها الجامد على الستارة (السماء) الصفراء والزرقاء" إن التشدّد والتعصب والجهل يجمّد الوحي ويجعله بلا حياة ، ولا يبقى من الوحي إلا ريشة الزهو والكِبْر.
سي مِرغ إني أناديك يا طائر الثلاثين ! أنقذ قرآنك العظيم ، قالت المرأة: يالله ساعدنا على استعادة الإيمان ، ازِل عني السحر! بعد أن اغتسلت عادت عذراء مع تزيينات خفيفة من سنابل القمح " ص 100 والسِّحْر إخراج الباطل في صورة الحق . (ولا تلبّسوا الحقّ بالباطل) [البقرة: 42 ]
قالت المرأة إن الصوت الذي ينبثق من حنجرتي هو الصوت الكامن منذ آلاف السنين (صوت بلا معنى) وقد تلبسها الشيطان ، جسد بلا روح / ممسوسة بتجربة عمتها المومس ، البغاء المقدس في الديانات الكونية الوثنية القديمة ، إنه نكوص نحو الوثنية وعودة تهكمية لها كرد فعل تجاه السلفية الإسلامية القاتلة .
بهذه الريشة و بهذا الزهو الجسدي وبهذا الكِبْر الشيطاني المتهكّم سوف تكتب نداء جسدها المنفلت من كل عقال حيث حَبْله على غاربه . قالت: سأكتب حكاية كل هذه الأصوات التي تنبثق مني وتوحي لي " ص 105 وحتى لا تواجه مصير عمّتها حملت بالطفلتين من رجل داعر ، فالعمّة سر البنت ، وكل دين حكاية كشف " ص 108 فالجسد كشف وحجب كالكلمة المكتوبة تارة تشفُّ المعنى وتارة تحجبه.