ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 2

دلور ميقري
2018 / 3 / 9

عليه كان أن يختارَ بلداً تربطه به وشائجُ اللغة، على الأقل. فكّر بالأمر ملياً، مُستبعداً مع ذلك المستعمرة الجزائرية كونها استحالت جحيماً، ينثرُ رمادَ المقيمين البيض نحوَ الضفة الأخرى للمتوسط. وإنها المرأة الغريبة الأطوار، " هيلين "، من حلّت المُعضلة ذاتَ مساء من خريف باريس البارد. أرسلت عبرَ طاولة المقهى المستطيلة نظرةَ المعلّم إلى تلميذٍ غرّ، قائلةً بلسانها الفرنسيّ المعوج: " لعمري، كيفَ ارتدَّت هذه المدينة من كعبة للفنانين، رسامين وكتّاباً، إلى منفىً يحطمُ أحلام حياتهم ". ثمّ استردت لهجتها الجدية، لتخاطبَ الآخرين من خلاله هوَ: " المغرب؛ إنه فردوسك الموعود، الجديد، تستعيدُ تحت شمسه مضاءَ عزيمتك، التي كادت أن تتلفها مواخيرُ بيغال! ثمة ستعبّدُ طريقاً غيرَ ممهّدٍ، سبقَ لمواطنك الفنان، ديلاكروا، أن عَبَره في مهمّة استكشافية بأمرٍ إمبراطوريّ. لقد شَبّه مراكش بعاصمة الإغريق، لحظة أن وقعت عينه على الملابس البيضاء لأولئك البرابرة. يا له من أمرٍ مضحك! ". ولكنّ ذهنه ذهبَ حينئذٍ مذهباً آخر؛ هوَ من كان يتصوّر الشرقَ مكاناً آبداً لحكايات " ألف ليلة وليلة "ـ كما تخيله قبل نحو قرن، شاعرُهُ وملهمُهُ، في هذيان فصل الجحيم.
مراكش؛ اسمٌ يلقّحُ الذكرى، فعلُ النحلة مع الزهرة.. ذكرى كاتبة أمريكية، أرسلت أقدامه قبل ما يقرب من ثلاثة عقود كي تخطوَ على أحد دروب أفريقيا غير الممهّدة بعدُ. في أوان ذلك اللقاء الباريسيّ، المَوصوف، كان لا يكادُ يتهجّى اسمَ المدينة. شأن كل ضاحية مهملة، كان صعباً البلوغ إلى المكان المقصود بوساطة وسيلة نقل عادية. سائق سيارة الأجرة، أودعه على المفرق الغارق في ظلام دامس، قائلاً له بفرنسية ركيكة: " تدبّر أمرك بدراجة نارية، عابرة! ". وهوَ ذا أخيراً في طريقه إلى مسكن مواطنه الرسّام، المعلّق بخيط عنكبوت الضاحية. كانت الفيللا من دورين، مضاءة بمصابيح كهربائية فيما البيوت الأخرى ما تني تنارُ بطرق بدائية. " مسيو جاك "، استقبله بودّ إجمالاً.. اللهمّ إلا من بعضَ الضيق، فيما يتعلق بنظرته إلى حقيبة السفر. الحقيبة، ما لبثت أن فتحت وكان فيها هدية من الكاتبة الأمريكية لزوجها. كانت عبارة عن غليون من خشبٍ رخيص، منحوت على شكل العضو المذكّر. وضعَ المُضيف هديته جانباً، ثمّ راحَ يرمق الشاب بنظرات غائمة، غامضة.
" هم م م.. ما فهمته من مكالمة امرأتي، أنك تودّ تنمية موهبتك الشعرية في أجواءٍ شرقية، غرائبية؟ ".
تمتمَ الرجلُ الأربعينيّ بنبرة متهكّمة، مُظهَّرة بالود. لم ينتظر جوابَ ضيفه، بل رماه بسؤال آخر: " وأظنك تعتقد، أنّ ثمة من سيقرأ لك في بلادٍ ترطنُ بلغتك، وفي آنٍ واحد، تلعنُك بوصفك نصرانياً؟ ". المفردة الأخيرة في جملة المُضيف، لُفظت بالنطق المحليّ، " كَاوري ". فيما بعد، سمع الشابُ المفردة مراراً على ألسنة آخرين حتى ألِفها. بدَوره، همهمَ ببعض الكلمات في حضرة صاحب البيت، وقد استولى عليه شعورُ الحرَج. راح على الأثر يتشاغل بتأمل لوحة تعلو طاولة المكتب، تمثل طفلة بعُمر الرضاع، متسائلاً في سرّه ما إذا كانت ابنة أحد المقيمين الأوروبيين. فإن امرأة الرسام، قالت له مرةً أنهما لم يرزقا بأولاد.
لم يبدِ الرسامُ، إذاً، اكتراثاً كبيراً بمشاعر الشاب. وهذا هوَ يواصل القولَ، متدفقاً كمسيل يجرف الحجارة إلى الوادي: " لا مانع لديّ من استضافتك لفترة، ريثما يتمّ تدَبّرُ حيلة لوضعك. مثلما ترى، فإنني أعيشُ وحيداً مع كلبي. أعني، في غياب قرينتي المسافرة. إنها أيضاً كاتبة، كما تعلم، ولعلها بمقدورها مساعدتك خيراً مني. ثمة كتب في كل مكان بالبيت، بعضها تستحق أن تُقرأ فيما لو علمنا أنها من تأليف امرأتي! ". تفاقمَ قلقُ الضيف من لهجة الرجل، مع اطمئنانه لوجود مبيت مؤقت. على ذلك، هزّ رأسه معبراً عن الشكر. قال المضيف وهوَ يتنحنحُ بحيوية: " سأشرعُ الآن في حشو غليوني، المصنوع تجويفه من العنبر الفاخر. أأنتَ تدخن؟ في وسعك استعمال هدية صديقتك ". شدّدَ على مختتم الجملة، وما عتمَ أن حدّقَ في ضيفه بعينين عميقتيّ الزرقة ـ كيمّ بلا قرار.

*
الأصيلُ كانَ قد أنقضى مع قرص الشمس الورديّ، المنزلق وراءَ الأفق المفتوح على المحيط القصيّ. وما فتئ المجلدُ السميك، الراقد على طاولة الشرفة، مفتوحاً على آخر صفحة قرأتها " سوسن خانم ". بدت لها عندئذٍ غريمتها، تتطلع إليها عبرَ الصفحة الناصعة، مثلما فعلته عينيها اليانعتين في لوحة الطفولة تلك، المعلقة في مكتب المسيو الفرنسيّ. وكان ذهنها مشوشاً بشتى الأفكار، فأُشْبِهَ أيضاً بالمخطوطة المتداخل فيها خطوط وتشطيبات المسيو بقلمه، الأسود الجاف، كما قلب ربيبته سواءً بسواء. تساءلت، عما دفعه إلى تصحيح مخطوطة صديقه: أكان قد فكّر فعلاً بنشرها، فأضافَ إليها حواشٍ تُصوّبُ ما أعتقدَ أنها معلومات مغلوطة، مسجّلة بناءً على تحامل شخصيّ، تصفية حساب، أو ربما تأثراً بأحاسيس وأقاويل أشخاص آخرين؟
فاءَ ذهنها إلى ذكريات الضاحية المنحوسة، الثاوي فيها منزل المرأة الماكرة. ثمة أينَ حُبِكَت الأحابيل، واختفت ربما إلى الأبد بغياب صاحبتها؛ فعلُ الثعابين حينَ يتم اصطيادها ومن ثمّ بيعها إلى حواة ساحة المدينة. بالأمس القريب، تلقت مكالمة من " مسيو جاك " يُعلمها بخبر فقدان أثر غريمتها: " أمها في غاية القلق، لدرجةٍ طلبت فيها من رجال الشرطة أن يفتشوا أعماق الآبار! ". مهما تكن ردة مشاعر " سوسن خانم " إزاء الخبر، إلا أنّ المطمئن بالأمر كانت المكالمة بحدّ ذاتها. لقد حقّ لها، مرصّعةَ الملامح بالحبور والارتياح، أن تتيقنَ بكون العجوز الفرنسيّ على غير معرفة بسرقة المخطوطة من مسكنه على يد ذات المرأة الملولة، الجشعة.