غبش البياض -نفن مردم-

رائد الحواري
2018 / 3 / 8

غبش البياض
"نفن مردم"
دائما نبحث على الكمال، عن المطلق، لكن في الأدب، من الصعب أن نجد هذا الكمال/المطلق الذي يلبي طموحاتنا، وكأن هناك مستودع من العذاب ـ في العقل الباطن ـ يتم تهريب شيء منه إلى الكاتب/ة بحيث يفقده/ا نصاعة الأبيض، عندما يكون مجمل النص أبيض، واستخدمت فيه الألفاظ الناعمة والجميلة، أليس من المفترض أن تكمل لنا ما غالب ليصل إلى الذروة؟، لكن نفاجأ كما تفاجأت هي عندما قالت في بداية القصيدة:
"حين يفاجئني الفجر"
فعل المفاجأة ليس بالضرورة أن يأتي بما هو جميل، فقد يحمل الفاجعة أيضا، فالفجر هنا ليس الفجر العادي الذي نشاهده يوميا، لأن المشاهد اليومية بالتأكيد لن تكون مفاجأة، فهو حدث/مشهد يومي عادي وطبيعي. وهذا ما وجدناه في التكملة الناعمة والهادئة للقصيدة، والتي جاءت بهذا الشكل:
"أدونك بألف فجر وشفق
وأرسمك بألف لون قزح
تناغم مع لحن الوتر
في الصباح أقرع زجاج
نافذتك كحبات مطر تجلت
الحضور وَهْناً بلا خبر
وأخط زهرة الياسمين على
خط القدر"
إذا ما استثنينا فعل "أقرع" والذي يحمل شيء من القسوة، تكون بقية المقاطع ناصعة البياض، ونقف هنا قليلا عند الأفعال القاسية التي تستخدمها "نفن مردم" وهي "يفاجئني، اقرع، يباغتني، تجتاح" فهي تعطينا أن ـ في الا شعور ـ شيء تحمله من القسوة، أو هي ترغب في هذه القسوة، والقسوة التي تريدها هي قسوة مستقبلية، أنية، حاضرة الآن، وليست ماضي، بمعنى أنها تمارسها الآن، لهذا جاء حضورها بصيغة فعل المضارع.
ونجد معنى الدهشة في فعل "يفاجئني، ويباغتني" وهما يشيران إلى أن هناك رغبة عند "نفن مردم" نحو "المفاجأة" وبالتأكيد تريدها ان تكون مفاجأة سعيدة، وهذا ما تعكسه بقية الألفاظ المستخدمة في القصيدة، وهما جاء بمعنى المذكر وليس المؤنث، وهذا يعطينا فكرة أنها تريد منه هو، من ذاك الحبيب أن يقوم بفعل المفاجأة والمباغتة.
ونجد معنى القسوة في فعل "اقرع، تجتاح" والأول جاء بصيغة المذكر، والثاني بصيغة المؤنث، وكأن فعل "اقرع" الذي قامت به نتج عنه "تجتاح" وهما حالة متعلقة بالأنثى.
بقية القصيدة جاءت بذات الاسلوب، تقول:
"حين يباغتني الصباح
تحملني أجنحة الفؤاد لكشف سر
طال الأمد به حتى علم البشر
لتجتاح اختلاجات الوسن
عين القمر
أنت بؤرة النضج في المدى
اكتمل مع فيض الخبر"
المثير في القصيدة أن البياض يكاد أن يصل إلى الذروة، ويحلق بنا إلى عنان السماء، لكن وجود بعض الغباش يحول دون وصولنا إلى هذه المكانة، فما هو السبب وراء هذا الأمر؟ هل تريد "نفن مردم" أن تمنعنا من الاستمرار سائرين بيسر وسلاسة إلى الكمال؟ أم أن لها ـ في الا شعور ـ هدف آخر؟.
اعتقد أن الاستمرار اليسير والهادئ يجعلنا نأخذ/نحصل على ذاك البياض دون تعب أو مشقة، ومن ثمة لن ندافع عنه إذا ما فقدناه، فهو جاء بسير ودون مشقة، لكن إذا ما كانت هناك أفعال "يفاجئني، اقرع، يباغتني، تجتاح" بالتأكيد سنشعر بأن هذا الفرح، هذا البياض جاءنا بعد مشقة، فعلينا المحافظة عليه.