حكاية بنت اسمها فافي

فاطمة ناعوت
2018 / 3 / 8

هذا أصعب مقال في الدنيا. لهذا سأكتبُه بالعامية المصرية. ليه صعب؟ لأن الكتابة من داخل الدائرة صعبة. وليه بالعامية؟ لأنه فضفضة لأصدقاء. مفيش قضية غير الكلام عن بنت من مصر. مناسبة المقال إن "المصري اليوم" قررت تخصيص عدد النهارده للاحتفاء بكائن جميل اسمه المرأة، عشان النهارده "اليوم العالمي للمرأة”. الحكاية عن بنت صغيرة شقية و"لمضة" اسمها “فافي". و“لمضة" دي لها حكاية.
وهي طفلة كانت بتسأل مامتها: “ليه الراجل ده أعمى؟ وليه البنت دي مشلولة؟ وليه الست دي بتشحت؟" وكانت الإجابات صادمة: “ربنا عاوز كده!” تسأل تاني: “ليه أنا باشوف والراجل لأ؟ ليه أنا بامشي والبنت لأ؟ ليه عندنا أكل في البيت والست لأ؟ هو ربنا مش عادل يا ماما؟!" وكانت مامتها لما تزهق من كتر الأسئلة تقوللها: “كفاية لماضة بقا!” وهكذا حصلت على لقب عمرها ما فهمت معناه، ولا فهمت هو مدح واللا ذمّ. عشان أحيانا كانت ماماتها تقوله وهي مكشَّرة وزهقانة، وساعات تقوله وهي بتضحك لصاحباتها: “فافي طالعة لمضة أوي وبتسأل كتير هاهاها.” وكانت صاحباتها ترد: “ما شاء الله، بخريها يا سهير. هاهاها.” وفضلت "فافي" محتارة في تعريف هذا المصطلح الغامض حتى لما كبرت. وكبر السؤال معاها: “ليه مفيش عدل في الدنيا؟ ليه البنت الحزينة بتقعد في آخر الفصل تعيط عشان مامتها ماتت ومامتي أنا عايشة؟" ولم تقنعها عبارة: “ربنا عاوز كده!” ربنا جميل ومش بيظلم. بدأت تحلّ المشكلة بطريقتها.
في الطريق للمدرسة تشوف أعمى، تروّح البيت تدخل أوضتها وتغمض عيونها نص ساعة وتمشي تتخبّط في السرير والمكتب والدولاب. تشوف بنت عندها شلل أطفال، تدخل أوضتها وتثني ساقها وتمشي بقدم واحدة لغاية ما تتعب وتقع. كانت متصورة أنها كده بتحقق مبدأ العدل؛ عشان الدنيا تمشي صح.
لما كبرت شوية بدأت تفكر بطريقة تانية. أكيد ربنا خلق عميان عشان يخلينا إحنا عيونهم. وخلق مشلولين عشان نكون إحنا سيقانهم. ربنا بيعلمنا درس الرحمة. كانت ساكنة في شارع فيه جريك وأرمن كبار السن. ترجع من المدرسة ترمي الشنطة لعم عبده البواب وتجري تساعد الستات العواجيز تشيل مشترواتهم وتمشي جنبهم لغاية ما توصّلهم لبيوتهم. وطبعا ترجع البيت تتعاقب من مامتها عشان خايفة عليها. “ازاي تروحي بيوت ناس غريبة؟ مين قالك تعملي كده؟!” فافي تجاوب وهي تبكي: “ربنا امبارح كلمني وقالي أعمل كده.” وكانت فاكرة إن مامتها بتصدق الكذبة دي لما تضحك فجأة وتقول: “ياااادي اللماضة!”
ووصلت "فافي" لقرار نهائي. “أكيد ربنا عادل. وأكيد عنده حكمة في توزيع المنح. ومش بإيدينا نفهم الحكمة دي ولا نغيرها. لكن بإيدي وبإيد كل الناس على الأقل إننا نمنع الظلم اللي بنظلمه إحنا لبعض.” تقف في الشباك تشوف أطفال أشقيا رابطين كلب من رقبته بحبل وبيعذبوه. تنزل من ورا مامتها وتصرخ فيهم: “كان ممكن جدا ربنا يخلقكوا كلاب ويخلقه هو إنسان. تحبوا إنه يعذبكوا؟ صدفة جميلة خلتنا بشر، يبقى إزاي نعذب اللي نفس الصدفة مخلتوش إنسان؟" وكان الأطفال يضحكوا ويسخروا منها، ويرفضوا يحرروا الكلب؛ إلا لما ياخدوا مصروفها. وأصبح ده قانون. جزء من مصروفها اليومي رايح للعيال السخفاء اللي بيعذبوا الكلاب والقطط.
وكبرت فافي وقضية "العدل" شاغلة كل تفكيرها. تشعر بالخجل من كل إنسان ماشي على الأرض وهي راكبة عربية. تشعر بتأنيب الضمير كل ما تشوف حد مريض وهي سليمة. تشعر بالكسوف وتبص في الأرض كل ما تشوف حد كفيف ماشي بعصاية. ولما تتكاسل عن مساعدة حد فقير أو مريض، أو لما تتغاضى عن نُصرة مظلوم أو رد غيبة غائب، كانت تتعرض لمحنة تعذيب المرآة. وابتكرت نظرية طفولية اسمها: "عقاب المرايا". هاحكيلكم عنها في مقال قادم. بس بالفصحى بقا عشان تعبت أوي في كتابة المقال ده بالعامية. ياااااه! العامية صعبة قوي يا عم أبنودي، ويا عم حجاب، ويا عم بيرم، ويا عم حدّاد. أنحني أمام عظمتكم. كل سنة وكل نساء العالم جميلات.