قضايا التراث و التراثيون و هدر العمر في اللاجدوى

حمزة بلحاج صالح
2018 / 3 / 8

أشفق على الكثير لما أراهم في سجن مسائل التراث و فروعه فلسفة و منطقا و علم كلام غارقين يتوهمون الفهم و التوسل بما فات للقياس عليه أو التجديد و النهوض بالتراث

يهدرون أعمارهم و قد رسخت في أذهانهم أن من لم يتحكم في مسائل اللغة تحكما فنيا رفيعا عجز عن ابتكار الجديد و هو لا زال يتعثر تارة في ارتكاب حماقات لغوية و نحوية مفزعة
فكيف نثق به و بعلمه و هو يمارس فهم التراث عاجزا عن التحكم في اللغة و قواعدها و لم يستبحر في فنونها و مباحثها و متونها و شروح كبرى مصادرها و مراجعها

و هذه مغالطة كبيرة و تضليل متعمد لاحتكار العلم باللاعلم أو بقشور العلم و مسائله الثانوية التي تفني العمر و تنتج لنا كتابا ركاكا في كتاباتهم و مستوى إبداعهم و خيالهم باهتين متقعرين متنطعين

و لو زعموا الكتابة في المصطلح و فنه فهيهات فإن البون شاسع بين فن نحت المفهوم و التأسيس له بما يتعدى البناء اللغوي و بين ما هو سائد و شائع من تطفل

فالمفهوم لن يكون بفلسفة اللغة و فقهها فحسب بل بالفلسفة و فلسفة العلم و فقههما

نعم إن البون شاسع بين الإشتغال بالمفهوم و بين صناعته المحترفة العميقة البانية للعلم و تأسيساته

يهدرون أعمارهم في وحل سجالات الفقه القديم و إشكالاته و أصوله و فروعه و مسائله و يزعمون أنهم يحققون و يجددون و يقيسون الشاهد على الغائب

و يتغافلون لفقر تحكمهم في الجوانب الايبستمولوجية و المعرفية و المنهجية و الفنية أو يغفلون عنها ففاقد الشيء لا يعطيه

و أيضا لإهمالهم معطى أساسيا هو بنية الأصول الفقهية و هيمنة المنطق الأرسطي في بناء هذا العلم و أسسه و مرتكزاته ناهيك عن غفلتهم عن علم سبب ورود الحديث و دوره الهام في علم دراية الحديث في إطار نواظم الفهم القراني

و قبل ذلك لا يهتمون بضرورة مراجعة الأسانيد و علل المتون و إعادة النظر في الرواية و الدراية معا فلا فقه بغير فقه المتن و علله و انتظامه في إطار المحاور القرانية الكبرى

و لا فقه بغير مراجعة طرق التلقي و علم الرجال و العلاقة بين السند و سلسلة الرواية من جهة و سياق الرواية و الأبعاد السياسية و الايديولوجية و علاقة ذلك بالخلافات و دور السلطان

يهدرون أعمارهم في فحص أصول الفقه و مباحثه فحصا مستلبا للمنطق و مباحثه و الكلام و مسائله القديمة و نادرا الحديثة و إن كان في الحديث ما يقال

بل و في جدوى الكلام و المنطق و أي منطق و أي كلام أو كلام جديد

و تراهم يتصببون عرقا و يستغرقون وقتا طويلا و يتوهمون أنهم يجددون

يهدرون أعمارهم في دراسة مقاصد الشريعة و ما يستوجبه هذا العلم من روافد علمية أخرى و يبحثون في استقلاليته من عدمها

و هل نتجاوز الفروع الفقهية و الفقه و النوازل باعتبارها أساسا لتجديد المقاصد أو نعتمد على القران و غيره لأن الفروع جاءت لسياقات محددة و كيف نجدد علم المقاصد

و يغلب على تجديدهم تدوير إضافاتهم في سياق إطار عام لم يفحص تحليلا و نقدا فهو يستمر للأسف على استقالة بعض جوانبه يوجه كل فهم و تطوير و إضافة للمقاصد الشرعية لتبقى جراحة تجميلية دون جراحة عميقة تحدث ثورة إيبستمولوجية و معرفية في

عمق هذا العلم و تطرح بقوة أسئلة الجدوى و تراجع علل هذا العلم و تتتبعها في مسار العلوم الرافدة و الأساسية في تأسيس الخطاب المقاصدي

ناهيك عن غفلة من ينتسبون لتجديد هذا العلم عن الإشكالات الجوهرية و التحديات الكبرى التي يشهدها العالم و العلوم و طبيعة العقل المادي و المناهج و أدوات النظر الموصلة أغلبها عند الحضارة الغربية إلى عدمية صرفة و نفي للمطلق و اللاهوت و صناعة

ناسوت متعال مقارن غير صاعد صعود تعال المطلق المفارق

فكيف يمكننا أن نكون علميين و نحن لا ننتج علمنا مستقلا و متميزا و راهنيا

بل كيف نجدد و نحن لا ننتج أدواتنا و مفاهيمنا و مناهجنا و مقارباتنا و نقتصد في تطوير القديم بل نمارسه بعين الرضا كأنه منجز اللحظة و جهد العقل الإسلامي الحديث و ما هو كذلك

هل تراني أعدم التراث كليا كلا بل أرفض أن يتحول من متكأ إلى سجن و من ماض يستوعب و ربما يتجاوز بعضه أو كثير منه إلى شبه حاضر مستقيل

هل تراني أدعو الناس إلى استبدال التراث بمنجز الغرب و معاداة تراثنا كله كلا بل أرفض إدارة الظهر لمنجز إنساني بما له و ما عليه يحتوي على كنوز ثمينة

إنني باختصار شديد أقول إن طريقة التعاطي مع التراث بالية و مهترئة و غير مجدية و تحتاج إلى ثورة و انقلاب معرفي