السبيل إلى إحياء دور الدين كرافعة حضارية في الحياة ح4

عباس علي العلي
2018 / 3 / 6

إن إخراج الدين وعموم الفكر المرتبط به تأصيلا وتفريعا من أزمته الحادة مع الإنسان ومن خلال تطبيقاته والتصورات التي نسجها العقل البشري، هو واجب كلي وعام على كل إنسان أن يساهم بدوره في جزء من هذا المشروع التنويري من باب المسؤولية ومن باب تصحيح حركته في الوجود في جزئها الروحي والأخلاقي، وبالطبع ستكون المؤسسة الدينية التجديدية الواعية المتحررة من سطوة الكهنوت أول المعنيين فيه، وكذلك النخب الفكرية والثقافية ذات العمق المعرفي الإنساني لها دور العمود الأساسي ومن أعمدته الموثوق بها، فقضايا الدين ومسائله قضايا الفكرية ذات المساس المباشر بالوجود الإنساني هي قضية رأي عام، وببساطة شديدة إنها مسائل عقلية ذات خطورة وحضوة للناس جميعا، فمن جعلها حصرا وتخصيصا بيد البعض من كهنة بيت الرب وخدام طلاسمه فرض علينا منهج تفرد وديكتاتورية عنوانها مقدس وجوهرها لا شرعي ولا أخلاقي إنساني.
من يقول أن الدين ليس في أزمة وأن العقل البشري هو المأزوم وعليه أن يصحح الأخير مدركاته وفهمه وأساليبه العملية في التعبد والإتباع، إنما يتجاوز الحقيقة ويحاول خلط الأشياء من غير أن يعرف حقيقة الأزمة ذاتها وسر جوهرها المنحرف، العقل البشري ما هو إلا مجس وكاشف لما يدور حوله ويتعامل مع الواقع ومعطياته على أساس فعل ورد فعل، إلا من بعض العقول التي تحررت من وهم القبول بما هو واقع وسائد ومفروض ومفترض سابقا وسلفا، نعم أقول أن الدين في أزمة حقيقية ولا نكران لذلك لأن من يشرف على حركته الأجتماعية البينية في واقع الإنسان جره إلى مكان ليس بمكانه الصحيح، وحرف دوره من رافع وحامل للمعرفة الفضلى إلى دور بوليسي مرعب وقاهر ومضاد لمشروع وعلة وجوده الأساسي، هذه هي جوهر أزمة الدين وجوهر قضية أن ما يعرف اليوم بالدين الرسمي السائد بمختلف مذاهبه وتطبيقاته يبتعد كثيرا عن نقطة الشروع الأولى وخط سيره المراد له أصلا، وسلكوا به مسالك وعرة وغربوه وتغربوا معه وكأن دين أخر وفكر مختلف عما في كتب ونصوص ما كتب منه وفيه.
رسالة الإنسان في الوجود حسب معطيات الفكرة الدينية في جوهر الرسالة أن يكون الفرد خالقا للواقع بحدي الخير والصلاح، وهذا يعني أن الدين لا بد أن يكون من ضمن وسائل ومسائل هذه الوظيفة وأن لا يبتعد عنها لتقديم الوسيلة على الغاية، مشكلة الكهنوت أنه يعبدون الدين ولا يعبدون الديان ولا يخضعون لأحكامه إلا بما تشتهي أنفسهم وما يتلائم مع الوظيفة التي أخترعوها لأنفسهم، وإلا ما هو تفسير هذا الإصرار العجيب على جعل الدين الذي جعله الديان تسخيرا لمنهج الإصلاح والترقي، مجرد عبادات عبودية خالية من روح المعنى وبعيدة عن جوهر فلسفة الإيمان به، لقد نجح الكهنوت في حصر الإنسان في دائرة الأفعال الغير منتجة والتقليدية التسليمية، ومنعوا العقل من تدبر المعاني وأستكشاف ما وراء النصوص من غايات ومدركات وفهوم عميقة، بحجة أن العقل الإنساني ما خلا عقولهم لا يدرك جنجلوتية النص الديني ولا يمكنه أن يفعل ذلك ابدا، هذا القطع الممنهج بالصلة ما بين الدين والإنسان لا يخلو من تعمد على تغريب الدين وزجه في صراع مع الكائن الأكثر أحتكاكا به وبما فيه من أفكار ورؤى ومصلحة معتبرة وهو الإنسان المكلف به.
فالإنسان العاقل كما يقول (ابن رشد) لا يمكن الإقرار له أن يخضع ويستجيب لدعوة الكهنوت في تعطيل التعقل في الدين وهو مكلف بالتعقل أصلا بما منحه الله من ملكة العقل والتدبر والفهم، وإلا ما فائدة عقل بدون وظيفة مترجمة وما فائدة دين لا يفهمه العقل الإنساني بموجب ألياته الخاصة وقوته الحضورية، العقل رديف الدين وأداته الأولى للبناء الكمالي وطريقه للحياة الراشدة والمرشدة للخير، وهذا يستوجب من الإنسان أن يستجيب لهذه العلاقة ويشجعها لأنها في الأول والأخر قضيته وعليها يتوقف سعيه نحو الفضائل وأولها الأخلاقية التي تنبع من إنسانيته الطبيعية، الكهنوت الديني بمنهجه الراهن الذي يعزل الدين في خانة المحرمات العقلية يعلن عداوته للعقل ومنهج الديان، محاولا بكل الوسائل أن يستحوذ وجوديا على مقدرات الحركة الكونية ويسيرها وفقا لنظريته الخاصة وليس تبعا للنظام الديني الذي وضعته الرسالة كأهداف ومناهج وغايات عليا.
إن أزمة الدين هنا ليست أزمة العقل السليم السوي بل أزمة عقل تابع ومتبوع وما بينهما من علاقة غير أصولية يراد لها أت تكون القاعدة والله يقول لعلهم يعقلون ولعلهم يتفكرون ولعلهم ينظرون، هذه الـــ (اللعل) مفردة تحضيض ودفع وتكليف للعقل وهي موجهة للإنسان عام مؤمن وغير مؤمن، ولا من دليل على أنها مخصصة لبضعة أفراد من خلق الله يتولون بسط الدين ونشره ومن ثم التحكم بالناس وفقا لتكليف غير موجود ولا حقيقي، الإنسان سيقف أمام ربه كما في النص الديني ليسأله ويتسائل منه عما كسب وأكتسب وسيجيبه الله بقوله {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179، هنا وصفهم الديان بالغافلين لأنهم عطلوا العقل ومداركه ووسائله وما تكتشفه الحواس المتصلة بالعقل عن معنى وجودها ووظيفته الأصلية التكوينية والتكيفية {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }الإسراء36.
من ينكر مسؤولية العقل عما كلف به بالتأكيد هو على مقولة ومنهج الكهنوت وموافق على ما يطرحه من إشكاليات تغيب وعي الإنسان في علاقته المثمرة مع الدين، لأنه يظن أن هذه المؤسسة المنغلقة والمغلقة على أفكارها هي البديل الطبيعي عن حالة أرادها الله وعمل على دعمها والشد على تتبعها لأنها هي المنهج السليم والصراط المستقيم، إن الأساس الأول والمقتضى المنطقي لتصحيح مفاهيمنا ومعرفتنا بالدين يتجلى في تفكيك العلاقة المنحرفة التي صاغها الكهنوت الديني والعودة إلى العقل أيا كان توجهه طالما أنه يخدم قضية نوصيل وتواصل الإنسان مع دين الرب، مستعينا بالحس المنطقي ومتماهي مع قصديات النصوص في أهدافها العليا والبعيدة، فالعقل السليم وإن جنح أو شط لا بد له من أن يعود طائعا ويصحح مساراته الطبيعية، لأنه لا يقبل بالمقطوع منه ولا بنهائية الفكرة حتى لو كانت تبدو زاهية وجميلة عنده، العقل السوي عقل يؤمن بأن الفضيلة والحقيقة والخير والمحبة والأخلاق بمفهومها الإنساني النبيل هي مبادئ أساسية للحياة، ومن دونها لا يمكن أن تستمر عملية تواجدنا في الحياة بشكلها الطبيعي، لذا فهو في مخاض مستمر ومتجدد ولا ينتهي أبدا عن نقد نفسه أو نتائج تعقله لأنها فقط تنبع منه.