لو كانت -شيرين- إماراتية!

فاطمة ناعوت
2018 / 3 / 6



تعالوا، من فضلكم، نشحَذُ أجنحةَ خيالنا، ونطيرُ... ونحطُّ فوق أشجار الأقدار البديلة، ثم نُحلِّقُ في فضاء الافتراضات. هيّا نفترضُ عدّة افتراضات خيالية. أولا نفترض أن المطربة "شيرين عبد الوهاب" مواطنةٌ إماراتية، أو وافدةٌ تعيشُ على أرض الإمارات. ثم نفترض أن في دولة الإمارات نهرًا جميلا اسمه "النيل". ونفترضُ أيضًا أن النهر العظيم الذي يقطع دولة الاتحاد الإماراتي من الجنوب إلى الشمال ويُغذّي شرقَها وغربَها ويروي زرعها ويسقي طيرَها، كان حزينًا لأن بعض "غير الشرفاء" يلقون فيه نفاياتهم وصرفهم الصحي، وأن بعض المصانع المجرمة تلقي مخلّفاتها السامّة في جوف مائه الطاهر. ثم نفترض أن شيرين كانت تُغنّي أمام جمهور حاشد من كل الجنسيات، ولسبب ما، في لحظةٍ ما، ذات طيشٍ، أطلقتْ ِمزحةً سخيفة وأهانت "نهر النيل الإماراتيّ" قائلةً إنه ملوّثٌ ويصيبُ بالأمراض مَن يشرب منه. بالطبع غضب الإماراتيون من قولها، وتقدّم محامٍ "نحريرٌ" ببلاغ للنائب العام الإماراتي ضد المطربة الإماراتية شيرين لإهانتها رمزًا إماراتيًّا عزيزًا على الشعب، وهو نهر النيل. وقُدّمت المتهمة للمحاكمة. انتهت الفرضيات. وقبل تخيُّل بقية الحكاية، سأحكي لكم واقعةً حقيقية حتى ننسج بخيوطِها وعلى نولِها، بقية حكايتنا الخيالية.
قبل عام قام مجموعة من العابثين بإلقاء "قطة" حيّة، أمام قطيع من الكلاب الجائعة في مدينة دبي، ثم وقفوا يستمتعون بصراخها والأنياب الحادّة تنهشُ أشلاءها. لم ينتظر حاكمُ دبي، الشيخ محمد بن راشد، حكم المحكمة، وحكمعليهم حكمًا مثقفًا "من خارج الصندوق". أمر بأن يقوم أولئك الغلاظ بتنظيف حديقة الحيوان في دبي ثلاثة شهور، بواقع أربع ساعاتٍ يوميًّا. تأملوا معي عبقرية العقاب. ماذا يحدثُ حين يدفعُ إنسانٌ 360 ساعة من عمره (4 ساعات x 3 شهور) في تنظيف أماكن عيش الحيوانات التي احتقرها وعذّبها وأهلك روحَها دون مبرر؟ تلك الساعاتُ سوف تُقارب بين المجرم وبين عالم الحيوانات حين يرقبها في لحظات صحوها ونومها ولعبها وسكونها وصخبها وأمومتها ووداعتها وشراستها، فيتأمل عظمةَ الله وعبقرية خلقه، ما يُزيد من حبّه للحيوان واحترامه لذلك العالم السحري الآسر: عالم الحيوان. ثم تأملوا عبقرية الرقم (360). الرقم الدائري المُلغز الذي يفهمه أربابُ الرياضيات. وكأنما أراد الحاكمُ المثقف أن يقول للمخطئ إن الكونَ دائرةٌ، وأن للحيوان ما للإنسان من حقوق، وأن تعذيب حيوان أعجم، لا يمرُّ مرور الكرام، وعلى المذنب تدور "الدائرة”. هنا تتمُّ عملية إعادة إعمار روح المذنب، بتحويله إلى مواطنٍ إيجابيٍّ فعّال يمنحُ الخيرَ والفرحَ لمن حوله، بعدما كان مواطنًا سلبيًا غير فاضل سارق الفرح والأمان من قلوب الناس.
نعودُ إلى قصّتنا الخيالية الآن. أغلبُ الظنَّ أن حاكم الإمارات سوف يقضي بأن تطلبَ المطربةُ شيرين من جمهورها من الشباب والشابّات بأن يساعدوها في تنظيف نهر النيل الإماراتي لمدة ثلاثة شهور، فيقدمون نموذجًا محترمًا أمام العالم في "تحويل المشكلة إلى حلّ”. فكما صنع الحاكمُ علاقةً "حبّ" بين معذّبي الحيوان، والحيوان في القصة الواقعية، سوف يخلق علاقة "حبٍّ" بين مزدري النيل، وبين النيل، في الحكاية الخيالية. هنا ينجحُ الحاكمُ في تحويل "مخطئ" خارج عن مظلّة التحضّر، إلى شخصٍ فاضلٍ كريمٍ له أيادٍ بيضاء على الناس والمجتمع. ما جدوى حبس مخطئ وخسارة جهده، في مقابل الجدوى من عمله في تنظيف ما يجب تنظيفه في الوطن؟ إنها فلسفة تحويل الرذيلة إلى فضيلة، وتحويل الإيذاء إلى خدمة مجتمعية رفيعة.
لا أُبرئ المطربةَ شيرين مما قالت عن النيل. فأنا أكثر من جُرِح من قولها، لأن للنيل قداسةً في قلبي يعرفُها قرائي. ولا أُعلق على أحكام القضاء المصري المحترم الذي حكم بحبسها شهورًا ستّة في المحكمة الابتدائية. ولكن إن أردتم سَجنَها فلا تنسوا أن تسجنوا معها ملايين المصريين الذين يُهينون النيل ويستخدموه كحوض نفايات ممتد من جنوب مصر إلى شمالها. إن أردتم أن تسجنوا "القائل"، فلا تنسوا أن تسجنوا معه "الفاعل". نحتاج إلى بناء سجون بطول مصر وعرضها لو شرّعتم قانونا يعاقب (المُلوِّث) عوضا عن القوانين التي تسجن (المتكلم).