وشوشات فبراير 18

فاطمة ناعوت
2018 / 3 / 6


كنتُ أتجوّلُ في حيّ "حدائق القبة" بالقاهرة، وقد أنهيتُ لتوي قراءةَ كتاب "عبدةُ الصفر" للفرنسي آلان نادو. لمحتُ محلاً للزهور مكتوبًا عليه "عبدة للزهور الجميلة". أعجبني الاسم وقلت لابد أن صاحبه شاعرٌ، إذ آمن أن الزهورَ لابد لها من محرابٍ للعشق والتعبّد وتسبيح خالق الجمال الأعظم، سبحانه. دخلتُ المحلَّ وصافحتُ صاحبَه بحرارة وأعجاب بثقافته وتحضّره، وجسارته كذلك، وأنا أحدّث نفسي عن ارتقاء الوعي والذائقة والثقافة لدى تجّار بلادي. وبعدما أثنيتُ عليه وغمرتُه بفيض ابتساماتي وإعجاباتي، همستُ على استحياء: "ليتكَ فقط، أيها العزيز المثقف، ليتكَ تمحو الحرف الزائد (اللام) ليغدو الاسمُ: "عبدةُ الزهورِ الجميلة"، بدلاً من: "عبدةٌ للزهور الجميلة". نظر لي الرجلُ باستغراب واسترابة وشكّ. ثم خرج معي إلى بوابة المحلّ ورفع بصره وأشارَ بإصبعه إلى عنوان المحل قائلا: "عبدة... للزهور الجميلة"، أنا اسمي "عبده" وهذا محل محل زهور! سلامة نظرك!". نزلت كلماتُه على مسمعي كالصاعقة. وقلتُ لنفسي ليتني ما توقفتُ ولا سألتُ وعشتُ في وهم كاذب وجميل. وهممتُ أن أرتكب حماقة مع هذا "العبده"، لكنني كظمتُ غيظي، وأشحتُ وجهي، وصرختُ وأنا أعبر الشارع مسرعة: “طيب (عبده) بالهاء، مش بالتاء المربوطة يا عمّ، الله يسامحك بقا!”
حين ألتقيه المرةَ القادمة، سأطلبُ إليه أن أرافقَه مشوارَ حياته، لا أتركه لحظةً. سوف أقرأ له، أرتِّبُ مكتبَه وكتبَه ومكتبتَه. سأجلو الغبارَ عن الكرسي الذي يجلس عليه. وبرُقعةٍ من جلد غزال، سأصقلُ نظارته السوداء التي تُخبئ وراءها عينين نجلاوين. عينان أبصرتا أكثرَ مما أبصرت عيونُ البشر مجتمعين، وأعمق. حين يُطرِقُ برأسه ليغرقَ في تأملاته، سأصمتُ. فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالٌ. وهو قطعةٌ بشرية من الجمال خلقه اللهُ ليكون قبسَ نورٍ للشعراء والأدباء والحائرين. أتأملُ الجلالَ المهيب. أتلصَّصُ على لحظة هاربة من الزمن، وأخترق هذا الرأس عساي أعرفُ كيف تعتملُ الفكرةُ في المخّ الاستثنائي. وحين يشْخَصُ ببصره لأعلى وينظر نحو لا شيء، أعرفُ أن الفكرةَ اكتملت، وأن مقالاً جديدًا أو دراسةً توشكُ أن ترى النور، أو أن كتابًا جديدًا قد وُلِدت فكرته الآن. وأن القرّاءَ الجوعى على موعد مع رؤية جديدة، لم تدوّنها ذاكرةُ الإنسانية، سوف تفتح دروبًا تُفضي إلى عالمٍ لم يرَوه من قبل. هذا الرجل أحبُّه. هذا الرجل السمه: “طه حسين".
هل مَن يفكّرون خارج الصندوق الحديدي ويتساءلون، أيًّا ما كان التفكير ومهما كان السؤال، هل هم أطفالٌ لا جُناح عليهم مثل أولئك الأطفال، تلاميذ المدرسة البريطانية، الذين تجاسروا وحاوروا اللهَ؟ أم هم مجانين لا تصحّ محاسبتهم لفُقدانهم الأهلية؟ أم هم كفّار، يستحقون الملاحقة بالقضايا والزجّ بهم في غياهب السجون، حتى يتوبَ الكفّارُ عن كفرهم وراء القضبان، أو ينفضوا عنهم جراثيم جنونهم، ويتخصلوا من بقايا طفولتهم التي سمحت لهم بالتفكير، ثم السؤال؟
طوبى للأطفال فإنهم لا يتوقفون عن السؤال ولا تبرحهم الدهشةُ. لكنني كبرتُ، للأسف! وبرحتْ رأسي تلك الأسئلة "الكبرى" الملوّنة التي تسكن الروؤس الصغيرة. حلّت محلها أسئلةٌ أكثرُ قتامةً وعبوسًا وأقلُّ شعريةً وألوانًا. ولم أتنازل عن الإجابات أبدًا. ولم أصل للإجابات أبدا. حتى اكتشفت الطريق الفذ للميلاد والموت كل يوم: الكتابة. في الشعر ليس فقط ستقدر أن تشهد لحظة ميلادك وموتك كثيرا جدا، بل تقدر أن تجعل من نفسك بشرا كثيرين. فأنا اليوم زنجية وغدا عمياء وبعد غد "عبيط القرية" وإسكافيّ ودلاي لاما وغاندي وجان دارك وفلورانس نايت إنجل، وهتلر أيضا. أنا اليوم إلهة وغدا شيطان وبعد غدٍ نحلةٌ ودودة وشرنقةُ وشجرةٌ وعمود إنارة. كل هؤلاء وأكثر أشهد ميلادَهم، ثم أقتلهم، فأشهد موتَهم. ألوّن حياتهم وملابسهم كما يحلو لي. أحاكمهم: أُثيبهم، أعاقبهم، أتوّجهم بأكاليل الغار أو الشوك أو أشنقهم حتى. ومحدش منهم يقدر يقول لي "بِمْ". أنا حرة محدش شريكي أعمل زي مانا عاوزة في صفحة ورقتي البيضاء! ألوّنها، أمزّقها، أعملها مراكبَ وطياراتٍ وعرائسَ وبشرا.
كلُّ هذا طبعًا بفرض أن أحدًا من قاصفي الأقلام سافكي الحبر سيأتي ليحاكم خيالي قائلا: "هذا ا كفرٌ وزندقة!” ثم يقيم عليّ دعوى حِسْبة لأرسمَ بقية خيالاتي وراء قضبان قفص!