رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -12-

علي دريوسي
2018 / 3 / 6

خفَّف القطار سرعته المتواضعة وأطلق صفارته العالية المتقطِّعة مُعلّناً عن إنهاكه وشيخوخته ووصوله إلى محطة بغداد في مدينة حلب الشهباء، ميتروبول سوريا الاِقتصادي. نهض المسافرون وراحوا يوضِّبون حقائبَ السَّفر وعلبهم الكرتونية المملوءة بالمؤونة، وقفتُ بدوري، فتحتُ نافذة القطار ورحتُ أنظر إلى مدخل المدينة التي اِمْتَلأَت بالأوساخ والأَزْبال، إلى مكبات القمامة وجبال الأكياس السوداء وإلى الأطفال المشردين في الضواحي، يا للتلوُّث البصري في مدننا.
قالت فاتن: "أحمد، محطة بغداد ترحِّب بكم".
أجبتها بطيبةٍ: "شكراً للدعوة فاتن، أنا مسرور لوجودي معك، والمحطة تبدو حقاً جميلة".
قالت فاتن بنزقٍ لا يليق بجمالها: "لم يفعلوا شيئاً لتحديثها، أولاد الحلال، لم يفعلوا شيئاً أبداً إلا السرقة والنهب".
حاولت تهدئتها فقلتُ: "بعضهم يسرق البرغي فقط والبعض الآخر يسرق محطة قطار. أو كما قال ثيودور روزفلت (الشخص الذي لم يذهب إلى المدرسة في حياته يستطيع أن يسرق شيئاً من عربة بضائع في قطار شحن، لكن من لديه شهادة جامعية يسرق محطة السكة الحديدية بأكملها)".
خرجنا من المحطة التي لا تصلح لأن تكون المحطة الرئيسية والوحيدة للعاصمة الثانية، كما عبَّرت فاتن بطريقةٍ شاعرية حين قالت ما معناه:
"لمحطات القطارات في الغرب أفلامها، قصائدها، حكاياتها، رواياتها، أقلامها، رومانسيتها، أحقادها، ذاكرتها، حوادثها، حنينها، أسرارها، خياناتها، عربداتها، أحزانها، أفراحها، دموعها، مخاوفها، فصولها، ثلجها، شمسها، مواعيد رحلاتها، جداولها، أرقام أرصفتها، مواقف دراجاتها، أغراضها، أعمارها، هياكلها المعدنية، وصلات براشيمها وبراغيها، أشكالها، سقوفها القرميدية، تصاميمها، أحجامها، أرصفتها، سككها، صرير حديدها، سلالمها، ألوانها، مقاعدها، حقائبها، أبوابها، نوافذها، إضاءاتها، لوحات إعلاناتها، قاطعو تذاكرها، مفتشوها، مسافروها، عابروها، عشّاقها، مجانينها، عمالها، متسكعيها، حشَّاشيها، سجائرها، دورات مياهها، مخابزها، رائحة خبزها، خمّاراتها، رائحة خمّرها، مقاهيها، رائحة قهوتها، باقات زهورها وجنونها، لمحطات القطارات ساعات جدرانها المستديرة بمينائها الأبيض، بعقرب ثوانيها باللّون الأحمر وعقربي ساعاتها ودقائقها بالأسوّد...".
عقّبتُ على اِسترسالاتها ولا سيّما أنني كنت من المدمنين فيما مضى على قراءة الألغاز البوليسية بالقول: "لا أذكر أنَّنا تعلمنا في المدارس شيئاً عن معجزة بناء سكة حديد قطار بغداد-إسطنبول ولا سكة حديد الحجاز، كل ما حفظناه هو كلمات ثلاث: قطار الشرق السريع، لا لشيء إلا لأنّ جريمة أغاثا كريستي قد وقعت فيه".
*****
أوقفتْ فاتن سيارة أجرة، صعدنا إلى المقعد الخلفي، طلبتْ من السائق إيصالنا إلى شارع أبو فراس الحمداني بالقرب من جامع السبيل.
على حين غِرَّةٍ قالت فاتن وكأنّها رغبت باِستئناف حديثها: "في البلدان الديمقراطية يسعى المهندس جاهداً إلى توظيف نفسه في مؤسسات القطاع الخاص أو العام، أما في بلداننا فتُوظِّف الدولة المهندس، وإذا أرادت مكافئته لكسله وغبائه ووساطته توظِّفه في دائرة الخدمات البريدية أو الفنية أو في محطات السكك الحديدية في أحسن الأحوال. أليس هذا هو الجنون بعينه؟"
وعندما لم تلقَ أي ردة فعل من طرفي، ساد الصمت لبرهةٍ، استثمرها السائق الشاب بلباقةٍ أدهشتنا إذ قال: "أنْ تصبح في الغرب سائق قطار يقودُ قطاره إلى بَرّ الأمان، خير لك من أنْ تصير في بلدنا رئيس تحرير جريدة يحاول التأثير بمن حوله عن طريق تضخيمه المُفتعل لدور بعض الأحداث. وأن تصير في بلدنا سائق تكسي وأنت مهندس كمثل حالي خير لك من أن تكون موظفاً عديم النفع في محطة قطار".
بعد حوالي عشر دقائق وصلنا، نزلنا من السيارة ومشينا عدة خطوات إلى بنايةٍ بالقرب من مدرسة الفرنسيسكان، هناك في الطابق الثالث اِستكرت فاتن شقتها الصغيرة.
*****
كان الدرج الموصل إلى طوابق البناية نظيفاً ومُحاطاً بدرابزون خشبي قديمٍ، وعلى البَسْطَة التي يغيِّر السُّلّمُ عندها اتِّجاهَه ثمة أصيص لنبات زينة تحت نافذة تطل على الجوار وقد أُسْدِل عليها سِّتَارَة حَجْباً للنظر واتِّقاءً للشمس. فتحت فاتن باب شقتها والمُؤلَّف من مصراعين عاليين مطليين باللّون البنيّ الرماديّ، وكل درفة مُقسَّمة إلى خمسة أُطُر مربعة الشكل، خلعنا أحذيتنا وجواربنا، كانت الشقة معتمة قليلاً، على الجهة اليمنى من المدخل المُبلَّط بنوعين مختلفين من البلاط مربع الشكل ثمة باب خشبيّ يفضي إلى مطبخٍ ضيقٍ، وفي الجهة اليسرى باب يقود إلى الحمّام والمرحاض، في الكوريدور علّاقة ملابس ومرآة وخزانة صغيرة بنية اللّون لتوضيب الأحذية، على جدار الكوريدور المطلي باللون السماوي عُلِّقت صورة بالأبيض والأسود للفنّان فاتح المدرس، على مسافة مترين من باب الشقة وعلى موازاته تماماً ثمة باب عريض من الخشب وألواح الزجاج يفصل الكوريدور عن غرفة الجلوس ذات الجدران العالية، كانت الغرفة مستطيلة الشكل عرضها حوالي ثلاثة أمتار وطولها خمسة أمتار، اِحتوت على أريكتي جلوس متقابلتين صالحتين للنوم تفصلهما طاولة خشبية مُرتَّبة بعنايةٍ، على سطحها بعض الكتب والمجلات والأقلام ومسجلة وبعض أشرطة الكاسيت ومزهرية بزهورٍ ذابلة، وفي الزاوية اليمنى من الغرفة برّاد كبير ماركة بردى، وبجانبه باب يفضي إلى غرفة نوم صغيرة فيها سرير عريض وخزانة ملابس وكنبة مُنَجَّدة وثيرة لشخصٍ واحد، في الزاوية اليسرى آلة خياطة منزلية سوداء ماركة سنغر على طاولة من الحديد، بجانبها كان هناك مكتبة معدنية بخمسة رفوف مملوءة ببعض الكتب والدفاتر الجامعية وبعض لوحات الرسم الصناعي الملفوفة بعنايٍ، في الرف الرابع كتب أدبية وسياسية تتصدرهم صورة ببروازٍ بنيّ أنيقٍ لفاتن وعائلتها في محطة قطار برلين، وفي الرف العلوي مجموعة من الكؤوس والصحون الزجاجية، على جدران الغرفة المدهونة باللّون الأبيض علَّقت فاتن صوراً لوجوه شخصيات نضالية وأدبية، بالإضافة إلى عبارات عديدة بعضها شخصية وبعضها الآخر ثورية، وفي الجدار الموازي لباب غرفة الجلوس الواسع باب ونافذة يطلان على شرفةٍ ضيقة، تدخل منهما الشمس لتضيء عتمة المكان.
*****
فتحت فاتن نافذة البلكون وقالت: "سأدخل الحمّام ثم أعد لك إبريق المتة، تصرّف وكأنَّك في بيتك، دخِّن كما يحلو لك، دقائق وأعود".
*****
يتبع