الشاعر المتيم عبد الكريم موس سويلم

رائد الحواري
2018 / 3 / 5

الشاعر المتيم
عبد الكريم موس سويلم
التمتع بعذاب الحب حالة حاضرة عند العديد من الشعراء، قديما وحديثا، وليس هناك أدل من "قيس بن الملوح" الذي هام في "ليلى" حتى اصبح عذابه حالة طبيعة بالنسبة له، فلا يستطيع أن يكون، أن يعيش بدون هذا العذاب، فهل الدافع لبقاء هذا العذاب واستمراره هو الحب؟ أم أن الشاعر يجد ذاته ـ كشاعر ـ في هذا العذاب الذي يفجر الشعر فيه؟، وهل هذا العذاب حالة طبيعية ام أنه حالة متعلقة بالشعراء (المجانين)؟.
سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة من خلال القصيدة، يفتتح لنا الشاعر قصيدته بهذه الأبيات التي تؤكد حالة الألم الذي يمر به:
"أيا رهمُ ما للقلبِ باتَ مولّعا :: وجفني بحرِّ الدمعِ صارَ مصدّعا
تعبت صراخا والعيون بها دم :: يسيل على الخدين حتى تطبّعا
وكنت انا والحب والليل ثالث :: والحزن من وقع الصدود تربعا"
لنتوقف عند الالفاظ المستخدمة وهي "مولعا، الدمع، مصدعا، تعبت، صراخا، دم، يسيل، تطبعا، الحزن، وقع" كلها الفاظ مؤلمة وحزينة، فشاعر وجد في عذاب الحب ما يستطيع أن يفجر ما فيه من شاعرية، لهذا كتب ثلاثة ابيات كاملة تتحدث عن الألم والعذاب، فهو في العقل الباطن يريد/يبحث عن حدث/فعل/شيء يستطيع من خلاله ان يجد ذاته كشاعر، فكان الحب، ـ وهو ظاهرة إنسانية نبيلة ـ الوسيلة المناسبة والملائمة التي بها سيجد/يطور/يظهر "عبد الكريم سويلم" كشاعر.
يستحضر الشاعر رفاقه ـ وهم له ناصحون ـ ليحدثهم، ويحدثوه عن أزمته وضرورة أن يتخلص منها:
"يسألني صحبي اذا رمت مجلسا :: نرى القلب مسلوبا وعقلك ضائعا
فأغضي عن الجرح والهمّ واقع :: والبس وجه الغير وجها مقنّعا
فيا ليتهم يدرون قلبي وما به :: لكان الذي في العذل يهوى التواضعا"
بهذه الابيات يحسم لنا الشاعر مسالة اختياره "لعذاب لحب" فقد اصبح هو العذاب متوحدا معا، بحيث يستطيع من خلال هذا الحب أن يجد في داخله شاعر آخر، شاعر يتجاوز العادي غلى ما هو متألق، فكان الحب هو الوسيلة لهذه الغاية.
والتأكيد الثاني على ما ذهبنا إليه أنفاً هذين البيتين:
"رحلت فلا صبرٌ يعود على الفتى :: وما كان دمعي في فراقك نافعا
عزمتُ فؤادي ان ابوح بسرّهِ :: ولكن من خوف الصدود تمنّعا"
يتحدث الشاعر عن نفسه وكأنه شخص آخر "رحلت فلا صبرٌ يعود على الفتى" وهذا ما يؤكد على أن لعبة (الم/عذاب الحب) وسيلة الشاعر الوحيدة ليظهر ما فيه من شاعرية، لهذا نجد بداية البيتين "رحلت، عزمت) وهما فعلين متناقضين، الرد الطبيعي على فعل "رحلت" هو فعل "الوداع" لكن الشاعر يرد عليه ب "عزمت" والتي تفيد الاستمرار بتحمل مزيد من العذاب والألم، أليس كل هذا دليل على أن الشاعر يتمتع بهذا العذاب، فهو وجد ذاته كشاعر في هذا العذاب، فأراد أن يستمر فيه كشاعر وليس كحالة حقيقية.
يتماهي الشاعر مع عذابه أكثر فيقول:
"فلستُ أرى في الناس مثلك سارقا :: أخذتِ فؤادي ثم راح مودّعا"
فعل السرقة لا يتناسب مع فعل الوداع، لكن الشاعر يتوغل أكثر في حالة العذاب، فمن خلالها يستمر في تألقه كشاعر وكمحب ـ وهما صفتان حميدتان ـ وهو هنا يمارس شيء من الخداع، فلو كان على يقين بان فعل السرقة حدث معه، وأن تلك الحبية سرقت قلبه، ، وأنه خسر شيء عزيز ومهم بالتأكيد سيرد عليه بعنف يماثل فعل العنف الذي قامت به الحبية، لكنه في حقيقة الأمر يقف بالحياد، متفرج على ما يحصل، وكأنه هناك شخص آخر حدثت معه سرقة القلب، لأنه يريد الشاعر، ولا يريد الشخص "عبد الكريم سويلم" العادي.
يبدا الشاعر في كشف حقيقة علاقته بالحبية، فلم تعد لعبة العذاب مخفية كما كانت في فاتحة القصيدة، وظهرت لنا على حقيقتها، يقول:
"ومذ قلتِ انّا منك في القلب حاجة :: ركبت المنى حتى عن اللهو اقلعا
وكيف أزيل الحبّ بعد تعلق :: فكيف يزول الوشم عمن ترصّعا
فما كان حظي منكِ في العيشِ وافرا :: ولا كان جهدي منك للحبّ صانعا"
نجد هدوء في هذه الابيات على النقيض من سابقاتها، فكافة الألفاظ المستخدمة جاءت أفاظ عادية، لا تحمل أي قسوة أو ألم، على النقيض مما سبقتها، والتي جاءت حامية ومشتعلة وكأن الشاعر في حالة حرب.
يختم لنا الشاعر قصيدته بهذا الأبيات فيقول :
"عشقتكِ في عامين قلبا و خاطرا :: أ في لحظة يلق الفؤاد المواجعا؟
ولم اك يوما في الهيام معلما :: ولكن نبضي بالهيام تسارعا
فلست اجازى ان اكون بمثله :: ولست اجازى ان اكون مبايعا
فبعتك نفسي دون ربح وانني ::غدوت بعرف العشق للنفس بائعا"
خاتمة واضحة وضوح الشمس، لقد اكتملت قصيدة الشاعر، ولم يعد بحاجة إلى مزيد من العذاب أو الألم، لهذا وجدناه يستخدم آخر لفظ فيه ألم "المواجعا"، ويحرر الشاعر من تحمل "عذاب الحب" ويأخذ يحدثنا بطريقة عادية وكأنه الاحداث لا تعنيه، فقد اكملت القصيدة، وكانت متألقة بالمشاعر الحميمة التي جاءت فيها، ولا يريد أكثر من ذلك.