السبيل إلى إحياء دور الدين كرافعة حضارية في الحياة ح3

عباس علي العلي
2018 / 3 / 4

بعد هذه المقدمة الضرورية وتجسيدا للأفكار التي وردت فيها وهي جزء مهم من مشروع أكبر ينتظر عقولا تشارك وأراء تثري الطرح، لا بد لنا أن نرسم خطوات عملية خارج مسألة التنظير والتدبر تترجم عملية أعادة تموضع الدين في حياتنا الخاصة والعامة، أساسها ومنهجها أن الدين معرفة رافعة وحاملة للفضيلة والإصلاح ويجب أن لا يتعدى دورها عملية تنقية الفكر الإنساني من لوثات الأنا والذاتية المفرطة والتي أطاحت بفاعليتها على الإنسان مشروع الديان وجوهر الفكرة الدينية، وعلى رأس هذه الخطوات العملية أن تعلن المؤسسة الدينية التي تتولى التحدث باسم الدين وترعى شؤونه أنها فقط مؤسسة هداية وتذكير وأصلاح وليست شرطيا قهريا على العقل البشري وأنها ليست وسيطا بين الله والإنسان، وكل ما تبتغيه هو أن تفسح المجال للإنسان أن يرى حقيقة وجوده ودوره وتتركه في حالة أختيار حر بين الصراط وبين أن يتحمل مسؤولية قراره مؤجلا لإرادة الله وقدره وتقديره، وبذلك تزيح عن نفسها عبء دور رسمته لنفسها خارج صلاحيات الرسل والأنبياء بإرادة تراكمت وتحولت لسيف يقهر الإنسان ويلجئه إلى النفاق أو التسليم بما لا يؤمن به حقيقة.
في الخطاب الديني هناك تضارب عقلي في ما يخص بعض المفاهيم والأحكام الواردة في نصوص مختلفة تنبئ عن تناقض ظاهري، لم تنجح المؤسسة الفقهية العقائدية أن تتداركه وأخترعت له حلول غير مقنعة أبتكرت لها مسميات ومفاهيم منها دخل الشيطان كعنصر من عناصر الحل، فجاؤوا بما يعرف الناسخ والمنسوخ وأن الله أراد شيئا ثم تراجع عنه في مرة أخرى، وكأن الديان كان ينتظر أن تمر تجربته على الإنسان ليقرر بعدها ما هو صالح وما هو دون ذلك، لذا فترك هذه المفاهيم وأخذ النصوص والأحكام الدينية وفق نسق واحد موحد هدفه الأول والأخير مصلحة الإنسان ووجوده السليم، فلابد إذا من أن نطرح رؤية الله كما هي خارج عجزنا وفشلنا أن نفهم المقصود والمعني به، وهذا يتطلب أن لا نحصر مبدأ التفسير والتعليل والتدبير داخل أطار حلقات الفقة والعقائد والأصول المتبعة في درسها الديني، ولا بد من إشراك المعرفة الإنسانية كاملة أشخاص ومناهج في بيان ما يستعصى عليها، وهذا ليس عيبا ولا منقصة بل هو شجاعة في إدراك المعاني والمباني من الفكر الديني، فالفلسفة وعلم الأجتماع وعلم النفس وكل المعارف الإنسانية هي وسائل لإدراك ما لا يدرك وما لا يترك، وعلينا أن نخضع كل ما بين أيدينا لها دون أن نضع خطوطا حمر ضد هذا الفرع أو ذاك لأجل الغاية التي نسعى لها.
إن معرفة المؤسسة الدينية بحدود دورها ومسؤولية هذا الدور نقطة الأرتكاز الأساسية في عملية الأصلاح والتنوير، وبدون هذا الإدراك تبقى تتخبط بين مشتبهات وشبهات حول حقيقة وجودها أساسا ومشروعيته، وبذلك تضع نفسها خصما للإنسان من خلال أستغلال الدين كواجهة تحتمي بها في هذا الصراع اللا مبرر واللا ضروري، كل دور المؤسسة يجب أن يكون تحت عنوان الإصلاح والإرشاد والهداية خاصة في مجتمعها الأساس وحاضنته المجتمع الإسلامي، فلم يبقى هناك دور للدعوة داخل هذا المجتمع الذي يعيش الدين ويتعامل به، فهم ليسوا خارج دائرته أو مطلوب منهم أن ينتموا له مجددا، وتقريبا الكل يعرف أساسيات الإيمان وشروطه ووظائفه على وجه التحديد، فمن العبث أن ندعوا مسلما اليوم ليكون مسلم أخر لأن المؤسسة الدينية تراه خارج دائرة نفوذها أو خارج دائرة تفكيرها المحدد.
في مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبي وبعد أن أصبح المسلمون واقعا على الأرض تحولت وظيفة النبي في داخله، من منذر ومعذر إلى دور الهادي المربي وباشر ببناء وتمتين العلاقات داخل منظومة أجتماعية تطورت بفعل عمليات الإصلاح الداخلي بالحسنى وبالتي هي أحسن، لم يمارس النبي دور الحاكم المطلق ولا دور الشرطي الرقيب بل دور الأب الناصح الرقيق، وإن كان هدف الدعوة ما زال قائما ولكن خارج هذا الأطار المجتمعي المحدود، عليه فدور المؤسسة الدينية الآن دور رعوي تربوي أصلاحي يساهم في تعزيز السلم الأجتماعي ودفع المجتمع لتجديد علاقاته مع الأخر المتفق والمختلف، وأيضا دفعه لتعزيز فرص التطور والتحديث بما يتلائم مع حاجاته وحاجات الوجود، وهنا يكون لزاما عليها أن تساهم مع بقية إدارات المجتمع على دعم عمليات التحول والترقي، وأن تجعل المستقبل هدف وغاية لكل تصرف أو فكر أو ممارسة بما في ذلك الجانب العلمي الصرف، وأن تحول وجهة الإنسان من تعبد الماضي والأهتمام الكلي به إلى صنع المستقبل والتفكير به على أنه أحدى العبادات المطلوبة والضرورية للمجتمع.
وحتى يكون عمل المؤسسة الدينية بعيدا عن الشبهات والأتهامات بالتصرف بأموال بيت مال المسلمين المودع لديها، يجب أن يكون هناك نظام قانوني وقضائي محكم يراقب ويدقق كل المدخولات والمصروفات وأوجه الإنفاق، فالرقابة الشعبية حق والرقابة القانونية صيانة لها من الفساد وعبث المفسدين، وأن تكون أجور ورواتب العاملين فيها محددة ومعروفة ينتفي عندها التمييز الكيفي وأخراج مال المسلمين من يد التصرف بها حسب الأهواء والأمزجة، فكل ما لديها يعود لله ولرسوله بالمعنى العرفي وهو بالتالي مال عام غير خاضع لإرادة هذا وذاك وإن كان مدعيا الزعامة أو عاملا بها، إن سد أبواب الفساد وإعادة توزيع هذا المال وفقا للفروض المتفق عليها إسلاميا سيساهم بدرجة كبيرة في تخفيف التفاوت الطبقي بين طبقة رجال الدين البرجوازين المتعطلين عن العمل لضمان مواردهم مسبقا، وبين أغلبية عامة من الفقراء والمساكين والمتعففين الذين لا يجدون قوت يومهم.
على مستوى الأفكار والرؤى العامة على المؤسسة الدينية أن تعلن بصراحة ووضوح وبشكل معلن كتابيا أنها ضد التمييز الإنساني بين مؤمن وكافر، إلا في حدود ما رسمته الأحكام النصية من تراتيب خاصة وأن تجعلها في دائرة الخصوصية وأن لا تعمم ما هو غير عام أصلا ومحكوم بظرفه ومناسبته، وأن الجميع كبشر لهم حق الإيمان وعدمه ومن يحاسب ويجازي ويقرر هو من فرض الأحكام، وأن حدود مسؤوليتها في ذلك البيان وإلقاء الحجة وبعدها الإنسان حر فيما يعتقد ويؤمن وهو من يتحمل مسؤولية قراره وأختياره، وأن أي دعوى خلاف ذلك هي من باب العنصرية الجاهلية المقيته التي حاربها الإسلام وقضي عليها، كما عليها أن تضبط توجه الخطاب الديني في أطار الرحمة والتسامح والدعوة بالحسنى دون أن تفرض نفسها خصما وحكما وجلادا، خارج ما هو محكوم به من خلال سيرة النبي أو بالنصوص الأمرة، وأن تعتمد على عقول راجحة ومدربة وتملك من وضوح الرؤية ما يجعلها داعية حقيقية لدين الله، لا أن تترك لمن هب ودب التحدث والأفتاء والتفقه والأجتهاد بدون ضوابط ولا معيارية مناسبة تحد من فوضى الأفكار التخريبية والتحريفية.
وعلى المؤسسة الدينية واجب أساسي يتمثل بحرصها على التواصل الفكري والثقافي والحضاري مع كل الأفكار والديانات الأخرى، وأن تخصص جزء من مجهودها العلمي والفكري بأتجاه دراسة الأخر ومحاولة فهم الأفكار المنافسة أو المناظره حتى لا تعتمد في تقديراتها على النقل ومصادر غير حيادية، وأن تحاول البحث عن مشتركات أساسية وروابط حقيقية تنتمي للأنسنة وتحميها من العبث والتشويش، فالدين بالجملة هو مذهب إنساني واحد تعرض في جزء منه للتخريب والتحريف نتيجة سوء الفهم أو سوء القراءة، وهذا لا يعني البقاء أبدا أسارى لأفكار مسبقة وأراء قديمة تعتمد على الظن والتقدير، إن مساحة الدين الواسعة في حياة البشر تستوجب منا أن نكون جميعا وبمختلف التوجهات والعقائد على مستوى مسؤولية الإحساس بالمشترك الإنساني، الذي يوحد ويجمع بدا توجيه خطاب الكراهية والرفض، وتعرية خطايا وأخطاء الأخرين بناء على مواقف مشوشة وأحيانا لا يكون لها أي رصيد من الواقع.