فلا رجعت أُم عمر ... ولا رجع الحمار ؟!

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 3 / 4

إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!!
وهذه قصة عجوز حادة الطباع سليطة اللسان وهي قصة طويلة ، ولا مجال لتناولها الأن !..
ونتمنى ان يتخلص شعبنا من حكامه الفاسدين مثل ما تخلص سكان الحي من أم عمر !..

عن الدولة .. الغائب الحاضر في بلد دولة ( كُلْمَنْ إيدَ إله ) ! ..

لا أَطلع على مقال أو حكاية ورواية !!.. أو حوار ونقاش وسجال !.. إلا ومفردة الدولة تكون حاضرة !
والجميع إن صح القول ينادون .. ويبايعون .. ويتهامسون .. ويتنابزون .. ويتخاصمون ويتقاتلون بسبب الدولة !!..
والمتاجرة بالدولة وبشكل الدولة !.. وبدولة الحكومة ؟.. وبحكومة الدولة !
وترى ( زعماء العراق الغيارى !! ) يتسابقون باختيار أفصح ما جاءت بها معاجم اللغة وبعناية فائقة !.. لإضفاء الشرعية والمقبولية لدولتهم المزعومة !
وقد صدعوا رؤوس العراقيين نتيجة زعيقهم ورتابتهم وبذائتهم وصفاقتهم !
فذكرني قول أبو العلاء المعري مع فارق التشبيه حين قال :

[ في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيحُ
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ
كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيحُ ]

السؤال من كل الذي حدث ويحدث !.. هل لدينا دولة من الاحتلال في 2003 م وحتى يومنا هذا ؟ ..
وأين هي الدولة ؟.. ولو بحثنا عنها !.. فأين نجدها ؟.. وفي أي ركن وزاوية من بلادنا ؟
وفي جيوب من موضوعة دولتنا العتيدة !؟
هذا السؤال مطروح على الساسة والزعماء ( السياسيين والدينيين والمراجع والشيوخ والوجهاء ومن فترة سنوات !!؟ ) ...

لماذا كل هذا الصمت المطبق من قبل الجميع ولا ينطقون بالحقيقة .. بأننا نعيش خارج منظومة الدولة ؟
وحسب علمي !.. فإن أغلب من عنيناهم من هؤلاء مع حفظ الألقاب ( فهم أتقياء ورعين !!.. يخافون الله ودينهم وضميرهم وشعبهم أو المفروض هم كذلك ، وهم من عوائل وأُصول عريقة ، هاجسهم العدل والأمانة والوطنية والرجولة والشهامة والتعفف والإباء والكرم الحاتمي !؟ ) !..
فأين هم من كل هذا ؟ ..
ولماذا أفرغت خزائن البلاد والعباد ؟.. ووضعوها في جيوبهم وخزائنهم ومن دون وجه حق ، حين كانوا لا يملكون شيء وباعترافهم وما يصرحون به جهارا نهارا !.. واليوم أضحوا يملكون الملايين ؟

المشكل بكل ما ذكرنا !.. وما لم نذكره !

هو غياب ما يطلق عليه اليوم الغائب الحاضر !.. الدولة العادلة ، التي تساوي بين الرعية وتأمن لهم الأمن والعيش الكريم والخدمات ، من تعليم وصحة وماء وكهرباء ومواصلات ، وتوفير العمل اللائق والسكن وكل ما يضمن لهم الحياة الكريمة والرغيدة للأجيال القادمة !..
فأين نحن من كل ما ذكرناه ؟ .. وهل ما زالت لدينا دولة ؟ ولماذا لم يسعى رئيس مجلس الوزراء د. حيدر العبادي خلال فترة حكمه التي امتدت ثلاث سنوات ، الى إرساء دعائم دولة المواطنة لو كان راغبا بذلك حقا وليست وعود كاذبة ومضللة .. لماذا ؟

في غياب الدولة يغيب كل شيء ، مثل سفينة في عباب البحر من دون ربان يحميها ومن على متنها ويوجهها الوجهة الصحيحة !..
بغياب الدولة !.. يغيب ركن أساسي من أركان الدولة .. وهو القضاء العادل والمستقل والنزيه !..
وتنشأ محل الدولة ( دويلات .. أو إمارات طوائف وقوميات ومناطق وميليشيات ، مثلما نشاهده ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق ) !..
ولغياب الدولة هذه !.. يعني غياب العدل وتحجيم القضاء ، وإضعاف لدوره ولبسط سلطته ، مما يدفع المواطن البسيط اللجوء الى الاحتماء بالعشيرة وبسلطتها ، وعلى حساب بسط سلطة القانون ، وقد أدى الى ذلك الى ضعف ثقة المواطن بالدولة ، وشعوره بغياب العدل مثلما نحن عليها ليوم ومنذ سنوات !
والجميع يشاهد ويسمع من وسائل الإعلام المختلفة ، الانتهاكات والممارسات المخالفة للقانون ولروح القانون في مدن العراق المختلفة ، وعلى وجه الخصوص محافظات الوسط والجنوب ، والاعتداءات المتكررة على الناس وعلى أمنهم وسلامتهم وحركتهم !..

والمجاميع المسلحة المنتشرة في مناطق مختلفة من العراق ، والمسلحة بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة ، والميليشيات السائبة ومن دون حسيب ولا رقيب ، وخلاف لكل الوعود التي قطعتها الحكومة على نفسها ، بحصر السلاح بيد المؤسسة الأمنية والعسكرية ، ولكن كل ذلك لا يعدوا كونه ذر الرماد بالعيون ، ومحاولة غض الطرف عن كل تلك المظاهر التي تهدد أمن وسلامة المواطنين ، والتي تقض مضاجع الناس وتؤرقهم وتسلب أمنهم وراحتهم ، وكذلك ظاهرة الاعتداءات على الأسرة التعليمية وتهديد حياتهم ومنعهم من أداء واجبهم المقدس في تعليم وتدريس وتربية الشريحة الواسعة والمهمة من الطلبة والدارسين ، وهي احدى الظواهر المزمنة والتي لم تعالج بالرغم من خطورتها وما يترتب عليها من تبعات خطيرة على المستوى العلمي والدراسي والبحثي ، وهذه الظواهر تنسحب على شريحة الأطباء العاملين في المشافي والمراكز الضحية . وكذلك الصيادلة وحمايتهم من العابثين بالأمن المجتمعي .

وغياب الدولة يأدي الى غياب الرقابة والحد من الفساد بكل اشكاله ، ومراقبة عمل مؤسسات الدولة والعاملين فيها في مختلف المؤسسات ، والحد من ظاهرة الفساد الذي طال كل هذه المفاصل ، وبالرغم من هذه الصورة القاتمة والمرعبة للفساد وما لحق من ضرر بالغ بالدولة ، وانعكس ذلك سلبا على حياة المجتمع ( فقرا .. وبطالة .. وجهلا ومرض .. وانعكس سلبا على المنظومة الأخلاقية للمجتمع ) !... ..
فأصاب المجتمع بالصميم ، فتأثرت القيم والأخلاق ، وضعفت قيم الشهامة المجتمعية والمروءة والرحمة والتكافل الاجتماعي ، وغاب العدل والانصاف والمساوات بين الناس ، وحل محله الطائفية السياسية والعنصرية والتمييز الأعمى والانحياز الى المحسوبين عليهم ، وهذا من أشد ما يتعرض اليه الناس إيلام وظلم وقهر ، وهو تدمير ومسخ للشخصية الوطنية العراقية ، ونحتاج الى جهد مادي ومعنوي ونفسي كبير وهائل لإصلاح ما تم تخريبه في هذا البلد ، نتيجة لغياب الدولة العادلة ويتحمل وزر ذلك النظام السياسي الممسك بمقاليد السلطة منذ عقد ونصف !..

وحل محل المنظومة القيمية والأخلاقية والأعراف والتقاليد المتوارثة التي هي جزء من نظام اجتماعي اقتصادي وسياسي متوارث ، تطور بتطور المجتمع ووسائل عيشه وحاجاته ومصالحه عبر مئات السنين !..
ونتيجة لهذا التمايز وغياب المؤسسة الرصينة والعادلة ، التي تمثل إرادة الناس وتطلعاتهم وطموحاتهم وأمالهم ، المسؤولة عن تنظيم حياة المجتمع ومؤسساته المختلفة .

نشأت بدل ذلك أعراف وتقاليد وعادات غريبة عن المجتمع ، وعن حراكه الطبيعي ، تخدم شريحة هؤلاء الفاسدين من الأمراء والمشايخ ومن الإسلام السياسي ورجال دين فاسدين ومرابين ، وسماسرة السياسة وهواتها من البرجوازية الطفيلية ومن حثالة البروليتارية الرثة ، لتقيم نظام بيروقراطي دكتاتوري ظلامي فاسد وجاهل .. ليس له أي دراية ومعرفة في إدارة الدولة وتنظيم شؤونها ، والتي من المفروض ان تسهر على مصالح الشعب بكل مكوناته وأعراقه وطوائفه ومناطقه !..

نتيجة لكل الذي ذكرناه وما للم نأتي على تبيانه ، فقد طفحت على السطح ، شريحة طارئة وليس لها جذور في المجتمع العراقي ، وهي طارئة عليه نتيجة لعوامل كثيرة !..

شريحة من دون قيم ومبادئ ، لتنقل المجتمع من مرحلة متدنية الى مرحلة أرقى !.. انتقالية شديدة الخصوصية ، وهذه كانت تحتاج الى أناس وطنيون ومخلصون ويرعون مصالح الشعب والوطن بكل صدق وأمانة ومهنية ، يتمتعون بالخبرة والدراية في إدارة الدولة والتأسيس الى ركائز ثابتة في قيام دولة المواطنة وقبول الاخر !.. ولكن مع شديد الأسف هذا لم يحدث .

الذي حدث أن جاؤوا بمن لا يعي شيء ولا يمت بصلة الى الوطن والمواطن!.. وليس له أن سبق العمل في إدارة حتى مؤسسة صغيرة وليست دولة في بلد مثل العراق ، فهؤلاء لا تحكمهم قوانين تنظم شؤون المجتمع !... فهم خارج السياق العام ، ويعملون ( بالفعل .. ورد الفعل !) !..

الدولة لا تبنى ( بالتفاطين ! ) فهم يريدون إدارة البلد بالأدعية والتراتيل والسحر والشعوذة !.. مبتهلين للواحد الاحد ، الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء لتنقذ شعبهم من الجوع والحرمان !!.. وهذا لن يحدث أبدا .

نعم هؤلاء من أنتجهم المجتمع !.. وهذه حقيقة لا مفر منها ، نتيجة لظروف استثنائية وبإرادة إقليمية ودولية ، وهي كذلك بمساهمة مباشرة من المجتمع !..

ونتيجة ظروف موضوعية وذاتية داخلية ولها امتدادات خارجية ، إقليمية ودولية ، ونتيجة لذلك تمكنت هذه الشريحة من الاستيلاء على السلطة ، وفق اللعبة ( الديمقراطية !) واستغلالهم للمشاعر الدينية وتبرقعهم بعباءة ( الدين ! ) !.. وهذا خطأ وخطيئة كبرى ارتكبها المحتل الأمريكي ، وعدم إعطاء فرصة لمرحلة انتقالية ، يتم من خلالها تثبيت الأمن وبناء ركائز بناء دولة المواطنة ، والبناء الديمقراطي للمؤسسات الديمقراطية ، وهي غير قليلة وليست سهلة ، وبعد كل هذا الجهد الكبير ، وبعد توفير كل شروط اللعبة الديمقراطية ، تجرى الانتخابات وبمشاركة فاعلة لمنظمات المجتمع المدني ومراقبة فعالة من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ذات العلاقة .

وبعد ان قيض لهؤلاء السماسرة واللصوص بسرقة نتائج الانتخابات وتربعهم على دست الحكم !.. فكانت مهمتهم الأساسية والرئيسية ، الاستحواذ على كل شيء في هذا البلد وسرقته لصالحهم ومن يدور في فلكهم !.. من خلال بيع البلد وما تبقى من مؤسساته في المزاد العلني وفي سوق النخاسة ( كحديد خردة وتصديره لدول الجوار !) !..
وهذا الذي جرى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 م وبدعم ومباركة إقليمية وأمريكية .

والعالم وشعبنا وكل المتتبعين للشأن العراقي قد تيقنوا من هذه الحقائق ، والخير ما زال قادم !!؟..
إدا تمكن هؤلاء المرابين والمتاجرين بالعراق وبشعبه لا سامح الله ، المتسلطين على رقاب الناس ، الجاثمين على دست الحكم ، إذا لم يعي شعبنا حقيقة فسادهم وتدميرهم لهذا البلد ، ويعيد انتخابهم ، ستتجدد الأزمات كما ونوعا ، ويزداد الخراب والدمار والتشرذم والصراع سيزداد حدة وضراوة ، وتعود هيمنتهم وسطوتهم ، ويستمر فسادهم وطائفيتهم وعنصرية مقيتة، وسيشهد الناس أيام عصيبة وحالكة ، ويستمرون بخدمتهم المكشوفة والمفضوحة والمدفوعة الأجر ، الى الدول الإقليمية والدولية .

على شعبنا أن يصحوا من غفوته ، وينهض من سباته ، ويرفع صوته عاليا بوجه هؤلاء السمارة الفاسدين ، ويقول لهم لا .. لا .. لا للفاسدين والمتاجرين بالعراق وبشعبه وبثرواته وتأريخه !
نعم للنظيفة أياديهم .. نعم للأوفياء لشعبهم ، للمضحين بالنفس والنفيس قربانا لشعبهم ولأمانيه وتطلعاته في الحرية والانعتاق من الجوع والجهل والمرض ,

انتخبوا القوى المدنية .. انتخبوا سائرون والمدنيون والليبراليون والعَلمانيون وكل وطني غيور على شعبه .
لا تنتخبوا الفاسدين ، الذين سلموا داعش وعصاباته المجرمة ثلث مساحة العراق ، الذي استباح اعراضكم وسفك دمائكم ، وأشاع الموت والخراب والدمار ، وهجر الملايين من مدنهم وقراهم ، كل ذلك وما قام به الإرهابيون من داعش وحلفائه والمتعاونين والمتخاذلين ، وعصابات الجريمة المنظمة وتجار السلاح والمخدرات ، والمتاجرين بالبشر ، هؤلاء وغيرهم عبثوا بهذا الوطن ، نتيجة لفساد وخيانة وجهل وحماقة نظام الإسلام السياسي الفاسد ، بغض الطرف عن كل هذه الفصائل الخارجة عن القانون .
لا تتخلفوا عن أداء دوركم التاريخي ، في المشاركة الفاعلة في الانتخابات ، وحرضوا أهلكم ومعارفكم وأصدقائكم بانتخاب المدنيين وسائرون وكل الوطنيين من الليبراليون والعَلمانيون من المشهود لهم بالنزاهة والأهلية من الشرفاء والمخلصين .
انتخبوا الأفضل .. والاكفأ والنزيه والوطني ، الحريص عليكم وعلى وطنكم ويرعى مصالحكم ويتبنى قضاياكم قولا وعمل .

صادق محمد عبد الكريم الدبش .
3/3/2018 م