رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -11-

علي دريوسي
2018 / 3 / 4

قالت فاتن بابتسامةٍ مُسْتَسَاغةٍ: "لقد حان وقت التدخين، لا متعة للنقاش والسفر مع أحمد دون سجائر".
ناولتني سيجارة من علبتها، شكرتها وأخذتها إذ كنت بأمس الحاجة كي أدخن بسلاسةٍ، سارعت وناولتها من جرابي سيجارة وطنية، رفضتها بإشارة من يدها. أشعلتُ بيدي اليسرى سيجارتها، في الوقت نفسه عانقت أصابعها الطويلة ظهر أصابعي لتمنع اِنطفاء شرارة النار، تحت أشعة الشمس لمعت تلك الشُعيرات الرهيفة التي غطت ذراعها، سرى شوق في عروقي لأضمها بذراعي اليمنى ولأحشر أنفي في رقبتها العارية. سألتها ونظراتي تحيط بها من كل جهة: "هل أنت متزوجة؟"

ردَّت بانفعالٍ لم أفهمه: " بصراحة لا أحب هذا النمط من الأسئلة المباشرة ولا تهمني المؤسسة الزوجية، أكره الأسئلة الشرقية الفضولية، في كل مرة عندما أبدأ بالحديث مع أيٍ كان، فإنّ أول سؤال يُوجّه لي هو: من أين أنت؟ من عائلتك؟ وهل أنت متزوجة؟"
شعرتُ بالخجل وكأنِّي اِرتكبتُ جريمة لا تُغْتَفر، حاولت الاِعتذار لتلطيف الجو وإعادة المياه إلى مجاريها: "رغبتُ في الحقيقة أن أُقصّر المسافات بيننا كي نصير أصدقاء على درجة راقية من الخصوصية، وها أنا أعتذر منك إن أزعجتك".

لعل كلماتي كانت منفذاً سهلاً لمتابعة اِنتقادي من قبلها: "بالمناسبة، لا أعرف بالضبط كيف أصف أسلوبك لكنني أعرف أنّه لا يصلح للمرأه الشرقية التي تغريها الكلمات الجميلة، أرجوك خفّف من وطئ كلماتك ونظراتك. فرص الأشخاص المهذبين مع الجنس الآخر، مع الحب، مع العمل ومع الراتب أعلى بكثير بالقياس مع الناس غير المهذبين، هذا ما أثبتته الدراسات الأكاديمية".

صمتتْ لثوانٍ ثم أطلقت العنان للسانها: " التهذيب ثقافة، تربية وفن! هناك فارق كبير بين الغرب والشرق يا أحمد، بين رجالهم ورجالنا، بين نسائهم ونسائنا، بين أطفالهم وأطفالنا، بين شهواتهم وشهواتنا، بين حبهم وحبنا، بين قُبلهم وقُبلنا، بين سهراتهم وسهراتنا، بين طعامهم وطعامنا، بين طقوسهم وطقوسنا، بين سجونهم وسجوننا، بين مثقفيهم ومثقفينا، مساءاتهم حب ومساءاتنا تعب، كل شيء يمر في الشرق على نفس الوتيرة، اللهم ماعدا الاحتفالات، والمسيرات الشعبية والمهرجانات والحفلات التي تُقام في كل مناطق الشرق بمناسبة تجديد البيعات لولايات دستورية جديدة للملوك والرؤوساء... يومهم في الغرب عمل ويومنا في الشرق ملل، قال فلان وقالت فلانة لدرجة الصداع، في الشرق لا ترى سوى كؤوس المتة والحمراء الطويلة على الأرصفة الكئيبة، تدخل الشارع وبيدك حقيبة، يراقبونك، يثقبون جلد الحقيبة، يثقبونك بعيونهم، يعرفون تماماً متى دخلت ومتى خرجت، ماذا حملت بيدك، وعندَ من كنت، بيدهم كأس المتة وفي فمهم سيجارة حمراء طويلة أو قصيرة، إذا لم تحييهم يقولون: نفسيته حامضة! وإذا سلّمت عليهم يقولون: العمى بعيونه عَ الروحة والرجعة يسلم علينا، ما عنا شغلة غيره؟"
*****
في الحقيقة لم تعجبني آنذاك كلماتها، تفلسفت الشابة وكأنَّها تعيش في الغرب، لذا اِتخذت قراري بإغاظتها: "لم أسألك بعد من أين لك كل هذا؟"
أجابتني: "ما الذي تقصده؟"
باِسترخاءٍ فظيع وتحت يافطة النقد والنقد الذاتي، الشيء الذي تعلمته من الندوات والجلسات الصغيرة التي كنت أحضرها وأشارك بها، أجبتها: "أقصد من أين لك المال لشراء حذاء جميل وجينز أصلي وسجائر أجنبية وتذاكر قطار في عربة الدرجة الأولى وحياة خاصة في حلب...؟"

أجابتني فاتن بكامل الجدية: "لعلك منشغل، وليست هي المرة الأولى على ما يبدو، بمعرفة كيف تَمَكّن بعض السجناء والرفاق السياسيين والمنتمين بالأصل لأسرٍ فقيرة من امتلاك المال والعقارات هكذا فجأة؟ لعلك ترغب معرفة كيف تمكَّن البعض منهم أن يعيش بترفٍ مادي واضح بالقياس مع الآخرين؟ إذا كان هذا ما تحاول التلميح إليه فأنا أعتذر سلفاً لعدم قدرتي على الإجابة. لا دخان بدون نار، كما يقول المثل. ما لا أعرفه اليوم لن يجعلني ساخنة في الغد، لا تقلق يا أحمد سيأتي الوقت المناسب يوماً للبدء الخجول بالكشف عنها علانيةً. أما عني أنا فالأمر مختلف، حظي أفضل من حظوظ الآخرين، لقد وُلِدت في عائلةٍ ميسورةٍ".
جلجل القطار مع اِقترابه من حلب لأمرٍ تقني له علاقته بالسكة الحديدية أو بآليات القطار القديم. همستُ: "الحياة كسِكَّة الحديد، كلما كانت أكثر تَسَطُّحاً، مضت الرحلة أسرع". ثم دَوَى صوتي عالياً: "ثم أني لم أسألك بعد يا آنسة كما يفعل الآخر في المرة الاولى حين يلتقيك، من أين أنت؟ من هي عائلتك؟"

قالت فاتن بهدوءٍ: "كثرة الضَّحك تُذهب الهيبةَ. أنا من قلب القرداحة، ومن عائلة معروفة وكلمتها لا تصير كلمتين إن أحببت، أبي شخص مثقف يعمل في الحقل الدبلوماسي، حالياً في كندا، درس الإنكليزية في لبنان، صحفي وشاعر، وأمي صيدلانية من أقرباء أبي، منزلنا كبير وجميل ولديّ ثلاثة أخوة. هل أنت مسرور الآن يا صديقي الثرثار؟"

فقدت قدرتي على الكلام حيال ما سمعت، مدّدت يدي بشكلٍ آلي على علبة سجائرها وأنا أبربر: "يا لَلْهول، يا لسُخْرية القدر، أين وقعت يا أحمد".
تَبسَّمتْ فاتن وقالت لي اِسمع هذه الحكاية التي ذكّرتني بها: "لي صديق مُدَخِّن في اللاذقية يعيش مع أخوته وأمه في بيت متواضع، أبوه ضيف السلطات منذ سنين، عمه مُدَخِّن مناسبات كما يُقال، لم يشتر في حياته علبة سجائر، يأتي من الضيعة لقضاء بعض الحاجيات في المدينة، يزور أبناء أخيه في كل مرة، خاصة عندما يشعر بحاجته للتدخين. يجلسون سوية حول إبريق الشاي، يضع عهد علبة سجائره كالعادة على الطاولة، يباشر العم حديثه كالمعتاد عن الظروف المالية السيئة التي أصابت البلد، عن الغلاء والفساد، عن المآسي الاجتماعية وما أن يصل إلى النقطة الحاسمة التي يسأل فيها عن أخبار أخيه في السجن حتى يتنهد من الأعماق ويقول: (يا لَلْهول، ما الذي يجري في هذا البلد؟). ويضيف: (عمي عهد أعطني سيجارة لا أحتمل الحديث عن السياسة والوضع المادي). ومع الأيام تعوَّد عهد على سلوك عمه فما أن كان يبدأ بالحديث عن السياسة وأخيه حتى يقدَّم عهد السيجارة في الوقت المناسب دون أن يضطر لطلبها".

أردفتْ فاتن: "دخَّن عليها تنجلي يا عزيزي، ولا تتحسس من نكاتي البائخة، سجائري سجائرك". نهضت من مقعدها وتمتمت: "والله العظيم محشوكة، دقائق وأتبوَّل في ملابسي".
قلت لها ببراءة: "اِذهبي إلى التواليت وإن كنت تخافين سأنتظرك قرب الباب".
أجابتني: "لا أرغب أن أحلم بقاذورات الناس عندما أخلد للنوم، البشر لا يجيدون حتى اِستخدام التواليت في هذا البلد الملعون".
*****
يتبع