علاء .. 16 .. Mis dos ángeles ..

هيام محمود
2018 / 3 / 3

(( Río de Janeiro, Río de Janeiro ..
غَنِّي طَامْ غَنِّي ..
Yo quiero, yo quiero .. ))


*** *** ***


هِيَ , بَاكِيَةً : Helen, Somos demonios ..
أَنَا , أُقَبِّلُهَا : No Tam, vous êtes deux anges ... Mis dos ángeles ..

..

كانا لغزا كبيرا , الجميع يتكلمون عنهما ويتساءلون , وكنتُ بدوري أتساءلُ : هل صحيح ما أَسمعُ عنهُما ؟ كلّ يومٍ قصّة جديدة تُصاغُ حولهما وتُحبَكُ تفاصيلها بإتقان حتى يُخَيَّل للسّامعِ وكأنّه يُشاهِد فيلما هوليوديا أبطاله شيطانة وشيطان . كانا نجمي الكلية دون مُنازِع , وبالرغم من كلّ الذي كان يُقال حولهما , كان كلّ الطلاب يَرغَبون في الاقتراب منهما لكن لم يُفلح أحد منهم في ذلك , ومع نهاية السنة الدراسية الأولى كانا الأولى والثاني لتَتواصل الأسطورة التي سَمعنا عنها كلنا : التوأم المُتَفَوِّق في كلّ شيء حتّى في الدراسة , حيثُ يُقال عنهما أنّهما ومنذ الابتدائية يَدرسان معا ولم يستطع أحد أن ينتزع منهما الرتبة الأولى والثانية .. كنتُ الثالثةَ في تلك السنة . غَرَابَةُ تفوّقهما في الدراسة تأتي مِنْ كونِ جُلِّ وقتهما كانا يُخَصِّصاهُ لِهوايتين مِنَ الصَّعْبِ جدًّا التوفيق بينهما وبين الدراسة : المُوسيقى والكونگ فو , المُستحيل عند الجميع تلك السنة كان كيف اِستطاعتْ هِيَ أنْ تكون الأولى وهُوَ الثاني .. "الجميع" بِمَنْ فيهم أَنَا , واستمرَّ اللغزُ مُحيِّرًا للجميع في السنوات اللاحقة .. الجميع باستثنائِي .. أَنَا ! ولم يكن ذلك لأني اِنتزعتُ منهما الرتبة الأولى بل لأنّهما اِنْتَزَعَا مِنِّي كل شيء .. كل شيء .

الاقتراب منهما إحقاقا للحق لم يكن يَعنيني كثيرا حتى منتصف تلك السنة الأولى , كنتُ فقط أتساءلُ كما يتساءل الآخرون بشأنهما . كنتُ أَميلُ إلى عدم التصديق بالرغم من أني حضرتُ وساهمتُ في حوارٍ مُريبٍ بينهما أَوَّلتُه تأويلا عكس المُشاع عنهما .. كان ذلك في نادي الموسيقى حيثُ كنا نَنشط ثلاثتنا , بدأ نشاطنا قبل امتحانات نصف السنة بقليل , وقتها فقط وَفَّرَتْ لنا الإدارة المُعدّات اللازمة .. كانتْ مَيَّالةً إلى الأغاني الهادئة وكنتُ أُحَبِّذُ الإيقاع السريع فلم يَرُقني ذلك وفَكَّرتُ في البحث عن غيرهما في السنة المقبلة وكان أملي محصورا في الدفعة الجديدة من طلبة السنة الأولى لأني وعلى حَدِّ علمي وقتها لم يكن في الكلية كلها من يَعرف العزف والغناء مثلهما فقد كانا يحفظان الكثير من الأغاني التي كنا نَتَمرّنُ عليها .. حِرْصُهَا على الأغاني الهادئة كان لتستطيع التوفيق بين الغناء والعزف كونها "Drummer" وعندما طَلبتُ منها الغناء فقط وتعويضها بصديقٍ لي من كلية أخرى رَفضتْ رفضا قطعيا قائلة أنه يَنقُصهما مَنْ يعزفُ على الگيتار فقط , أما الـ "Keyboardist" الذي يَنقُص فصديقةٌ لهُمَا ستلتحق بِالكلية في السّنة المُقبِلة , تَشَبُّثي برغبتي في التركيز على الأغاني ذات الإيقاع السريع جَعَلَها تَقْبَل وقد تَطلَّبَ منا ذلك أكثر وقتا لتَتَمَكّن من التوفيق بين العزف والغناء وبالرغم من ذلك فَرَضَتْ بعض الأغاني كما أرادت .. كوني لم أكن أُغَنِّي جعلني أُرَكِّزُ على العزف دون الاهتمام بكلمات الأغاني وبمضمونها بالرغم من أني كنتُ أحفظها , الأهمّ الذي فاتني هو مَنْ يُغَنِّي ماذا ومَنْ قَبْل مَنْ ومَنْ بَعْد مَنْ , لم أُركِّز يوما في تَسلسل الأغاني التي كنا نَتدرَّب عليها حيثُ كان يَبدأ هو بغناء أغنية ثم هي ثم هو وهكذا , كنا نَتمرَّن مساءَ يوم الثلاثاء عادة لمدة ساعتين وفي بعض الليالي نُمضي أكثر وقت .. تلك الليلة بَقينا حتى منتصف الليل حيثُ نَجحنا أخيرا في إتقان الأغاني الستة التي تَدرَّبنا عليها طويلا عزفا وغناء في انتظار العُضو الرابع صديقتهما التي قالت أنها ستلتحق بالكلية في السنة الدراسية القادمة وستكون مفاجأة كبيرة لي لأنها مع العزف تغني وصوتها جميل .. أجمل من صوتها هي . ليلتها كانتْ أوّل مرة ركَّزتُ في تسلسل الأغاني فوجدتُ أنَّ الأمر لم يكن مُجرَّد عزفٍ وغناءٍ لأغاني مشهورةٍ نُحِبُّها ثلاثتنا بل كان أشبهَ برسائل بينهما .. كلّ يُغنّي للآخر ويُرسِل رسائل مُريبة , كان حوارا فريدا غريبا أحسستُ نفسي فيه كالمُساهِمة في جريمةٍ نكراء .. الأغاني الستة كانت مِن أحبِّ الأغاني إلى قلبي بالرغم من أني اقترحتُ أغاني أخرى في البداية , لكنهما أقنعاني بها أو .. ربما الحقيقة أنهما فَرضاها عليَّ ولم أستطع الاعتراض لأنهما أولا يَعلمان أني أُحبُّ كل الأغاني المقترحة وثانيا هما صوتان وأنا صوتٌ والصوتُ لو حتى صَوَّتْنَا لا خيار أمامه إلا الإذعان للصوتين .. كان التَّسلسل كالآتي :

هُوَ غَنَّى :
https://www.youtube.com/watch?v=wGmIL2gtieU
[ Pink Floyd - Young lust ]

هِيَ غَنَّتْ :
https://www.youtube.com/watch?v=IHTyMMv8JYU
[ Pat Benatar - Sex as a weapon ]

ثُمَّ هُوَ :
https://www.youtube.com/watch?v=nxU89lqFLW4
[ Kiss - I was made for loving you ]

ثُمَّ هِيَ :
https://www.youtube.com/watch?v=-omXVQW9tSk
[ Heart - Alone ]

هُوَ :
https://www.youtube.com/watch?v=iZV7akaSo0s
[ Eric Clapton - Layla ]

الأخيرة هِيَ :
https://www.youtube.com/watch?v=SBQNB9UaujY
[ Concrete Blonde – Joey ]

لحظاتُ الرِّيبةِ وَأَدْتُهَا بسرعةٍ وقُلتُ في نفسي : أكيد ليسَ ذاك قَصْدهما , فنحنُ نُمارِسُ هواية ونُغَنِّي أغاني نُحِبُّهَا و .. كَفَى ولا يُوجد أيّ شيءٍ غير مشروعٍ .. كذا قلتُ , لكنّ نظراتهما وابتساماتهما لبعضهما بَقَتْ مُريبَةً عندي خصوصا مِنْ جِهتِها هِيَ .. وتَذكَّرتُ ما يُقال عنهما , لكنّي وبالرغم من كل شيء غريبٍ رَأيتُه ليلتها خَتَمْتُ المسألةَ بالقول أنِّي مُخطِئة وغباء مني أنْ أَتبع الإشاعات الناتِجة مِن غَيرة كل الطلبة منهما والتي لم أَسْلَم مِنها أنا بدوري .. فَرحتي بالانتهاء من الأغاني الستة كانت لا تُوصف وقد ساعدني ذلك على تجاوز شُكُوكِي وأنا "معهما" , تَمنَّيتُ لو كَانَتْ رَابِعَتُنَا "الناقصة" معنا ليلتها وتخيلتُ كم ستكون النتيجة رائعة عندما ستلتحق بنا خُصوصًا أنَّ صوتها جميل حسب قولهما ..

لم تكن لي بهما أيُّ علاقة قرابة أو حتى صداقة , كُنا فقط زملاء دراسة تَجْمَعنا لبعضِ الوقتِ نفس الهواية ونفس الأذواق .. لأنّ هواية الموسيقى لم تَجمعني بآخرين كانوا يَهتَمّون بالموسيقى الشرقية التي لم تكن تَعنيني في شيء , وكنتُ أَرفضُ الحضور معهم في ليلتهم التي كانتْ الجمعة .. الرفضُ كان موقفهما أيضا وبالأخصّ هي عندما عَرضوا عليها أنْ تكونَ مُغَنِّيَتَـ ــهُمْ وظَلَّتْ تَتنَدَّرُ بذلك وتَسْخَر منهم طويلا , إذْ كيفَ لمَنْ هِيَ مثلها أن تُغَنِّي أغاني الموتِ تلك .. هكذا كانتْ تَقُول , لم أكنْ أُشاطِرها نفس الرأي لكني كنتُ أقول أنه لا يستهويني الانضمام لنادي الموسيقى الشرقية .. فقط .

لم أكن أهتمّ كثيرا بشرح مواقفي أو تقديم أعذار أو أدلّة , كان دائما موقفي : ذلك الشيء يُعجبني يستهويني أو العكس و .. فقط . ربما بسبب ذلك كان يُقال عنّي أني مُتكبِّرة وبارِدة وكنتُ لا أهتمّ لتلك المواقف التي كانتْ غريبةً عندي .. كانتْ تُذكِّرني بماما وبابا عندما يغضبان من رفضي العشاء معهما , كنتُ أستغربُ من إلحاحِهما إلى درجةِ الغَصْب فأقولُ : بابا ماما , لا أُريد العشاء , ليس لي رغبة في الأكل ولا علاقة لذلك بكما ولا بالأكل نفسه .. وكانت ماما تقول أنها أَمضتْ كل اليوم في تحضير تلك الأنواع الكثيرة من المأكولات وعليَّ على الأقل ومن باب اللياقة الحضور للعشاء معهما .. غريبٌ أَمْرُها , بالرغم من أني دائما أَتَّصِل بها قبل عودتي للمنزل وأؤَكِّد وأَتَرَجَّاها : ماما أرجوكِ , لا تُتْعِبي نفسكِ في الطبخ فأنا لا أَتعشَّى كما تعلمين , أما إذا كانت عودتي فيها "غداء" فأترجَّاها أن نأكل أيَّ شيء وألا تُشْقِيَ نفسها فأنا مُشتاقة إليها هي وليسَ لطبيخها .. لكنها لَمْ تَفهمْ ذلك أبدا بل كانتْ تَلُومُني وتَراني أنانيّةً لا أُقيمُ للعائلة وزنا ولا أَحْتَرِم أبي عندما لا أَتَعَشَّى معه .. ولا زالتْ . كنتُ أَتَعجَّب كيفَ تَقْبَل ماما حياتها تلك وكيف يَرْضَى بابا بذلك , في بعض الأحيان أقول أنّ "دكتوراه الطبخ" عندهما أعظم شأنا من تلك التي تُدَرِّسُ بها في الجامعات , لم أَقْبَلْ يومًا ذلك السلوك منهما وكانَ يَحُزُّ في نفسي كثيرا أنهما يَهتمَّان إلى درجة الافتخار بنفس الأشياء التافهة التي يُعْنَى بها العوام والأميون وأتساءل ما المُشتَرَك بين بابا وماما والأُميين لِيَحْمِلَ الجميع نفسَ تلك الثقافة الغريبة ؟