فلاَّحٌ في حقلِّ الديمقراطية

سامي عبد العال
2018 / 3 / 3

من فرط دلالتها، كأنّنا لم نر المشادة الكلامية بين ( ديفيد ماكرون وأحد المزارعين ) على شاشة التلفاز. وقد انتشرت بمواقع التواصل الاجتماعي كالدخان في يومٍ عاصفٍ، حيث كان الرئيس الفرنسي في زيارة لمعرض باريس الزراعي الدولي السنوي. إذ جاء مزارعون غاضبون لمقابلة ماكرون ومناقشة القضايا العالقة حول سياسات فرنسا الزراعية مع الاتحاد الأوروبي، والمحادثات التجارية مع ميركوسور( كتلة تجارية في أمريكا الجنوبية تضم البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي ) وشراء الأراضي الفرنسية من الصين.

ورغم أنَّ قضايا الزراعة كانت الخلفية الواضحة للجدال الحاد، إلاَّ أن اللقطة تحولت إلى مفارقة سياسية ضربت رأس المشاهدين. كما لو لم يكن بينهما( أي الرئيس والمزارع) حوارٌ إزاء إمكانية تقدير الرئيس ولا التحدث بهدوء في مواقف الشد والجذب. ولا ما إذا كان الموضوع متعلقاً بالخطط الزراعية مثلما بدا كذلك أمامنا. بل كانت اللقطة نوعاً من الفلاحة هذه المرة في زراعة ما يُسمى بالديمقراطية والسهر على رعايتها.

إنَّه درس شديد الأهمية حين يلتقي رئيس بمعارضيه وكيف لا يكون الكلام من طرف واحد. فالردود جاهزة والعيون متلاقية والوجوه بارزة والتحدي واضح أثناء المناقشة بكل ندية دون خوف ولا انثناء. وهنا التماثل قريب من حيث اعتبار الأرض حقلاً للزراعة واعتبار المجال العام حقلاً للسياسية بالتوازي. والاثنان( الزراعة والسياسة) يهيئان التربية غذائياً واجتماعياً لصلاحية السكنى وتدابير الواقع المعيش.

لا يخفي علينا أنَّ الفلاحة تعود إلى حيثيات فنية حياتية. ذلك بوصفها حرثاً واعداداً وتهيئة للأرض. كذلك السياسة عبارة عن حرث لجوانب التغيير والتطور في المجتمعات. ولذلك تحدث أرسطو منذ الأثر اليوناني عن السياسة بوصفها تدبيراً لشأن المجتمع. ذلك حين يلتقي الحكام والمحكومين على مائدة الإرادة الهادفة إلى الخير. وتبدو الدولة في هذا قراراً خيراً لا يُنشد سواه لغايات الإنسان. ولقد اعتبر أرسطو أن كيان الدولة هو أقصى كيان بإمكانه السعي نحو هذا الخير العام. وما لم تلتفت الدولة إلى هذا، فإنَّها ستكون وسيلة في يد فئة تحتكر خيراتها.

أما الزراعة فهي فعل إنساني يرتبط بتاريخ المفاهيم حول البيئة وتقنيات التحكم في محيطها واستثمار امكانيات الحياة الطبيعية. وتباعاً تنطوي الزراعة على التهيئة والصقل والبذر والغرس والنقل والتطعيم والري والاثمار والانتاج. وهي بهذا تشترك مع فاعلية الثقافة التي هي بناء اجتماعي يستطيع غرس الأفراد في تربة المجتمع واخضاعهم لعلاقات ومفاهيم تستثمر الطاقات في مجال أكبر من وجودهم الخاص. إن الزراعة في المعجم آتية من الزرع والغرس agri-culture... وهي تنطوي ضمناً واشتقاقياً على الثقافة( culture) كمقطع عضوي في تكوينها. ذلك باعتبار الأخيرة ( الثقافة) نوعاً من التشكيل التاريخي للوعي بالحياة والعالم وكيفية العيش.

ولذلك لا نستطيع بصدد حوار الرئيس ماكرون والمزارع( مجهول الاسم) أنْ نحدد إيهما يتحدث في السياسة، وأيهما يتحدث في الزراعة!! فهل يفهم الرئيس مخاطر المحاصيل الزراعية وانتاجها في مجال السياسة أم أن المزارع يدرك كون السياسة تتدخل في شأنه كأية آفة تنال من الزروع؟ ما معنى أن يعترض مزارع على سياسات بلاده بينما يجادله رئيس الدولة في مسؤولياته؟!

جوهرياً عبر أي نظام ديمقراطي لا يهم الاسماء بقدر الأفعال التي تتسق معه. وليس المقصود أن يكون الرئيس مصدر الكلام بل الأكثر أهمية أنْ تذهب الأفكار حيث انفتاح الرؤى وتلاحقها واختلافها حتى التناقض. نفس التنوع في التربة البيئية للزراعة هو هو التنوع للتربية السياسية القابلة لنمو الأجيال القادمة. إنَّ المستقبل يولد من رحم هذا العمل الخلاق. وأية أمة لا تزرع في زمنها الحاضر إمكانيات المستقبل وتتهيَّأ وتنتظر ثمارها لن يكون هنالك إلاَّ الخراب.

لم يبدُّ أمامي الرئيس ماكرون إلاَّ فلاحاً في حدود السياسة والمزارع ليس إلاَّ سياسياً عبر مجال الزراعة. ولعل الديمقراطية هي السوق العام الذي يقبل ويوظف انتاج الحقلين لصالح الشعوب. ولهذا سيمُر أي حوار من هذا القبيل ما لم يلامس شيئاً عمومياً في حياتنا. وبالتالي تحول المعرض الزراعي إلى ساحة مفتوحة لموقع الحدث، الخطاب. وهي ساحة أشبه بساحات اليونانيين الذين كانوا يناقشون خلالها أحوالهم وجهاً لوجه. حينذاك لم تكن الديمقراطية خطباً ومواعظ وديباجة صورية، لكنها حالة تفاعل وانخرط طويل الأمد في اختبار عمومي لكل الحلول والمشكلات والشخصيات.

إنَّ الدلالة السياسية جزء من بناء العمل السياسي وحركته. وهي بقدر حيويتها تنم عن كيف يتفاعل عناصر النظام كأحياء داخل أسوار الحياة العامة. فقد يكون الرئيس ديمقراطياً بمسماه، غير أن الصورة تضعه في مكان آخر. وليس أقل من المقارنة بينها وبين من يقول للمواطنين (من أنتم؟) في محاولة للتقليل من شأنهم باعتبارهم غرباء ضمن مشاهد الحراك كما فعل معمر القذافي مع ثوار بلاده.

وكأن الاستفهام السابق اتهاماً ضمنياً بالعمالة والمؤامرة على الأوضاع السياسية. وقد يكون معناه فيما فهمه البعض: عليكم النظر إلى ما تفعلون، وأنَّ من يقف وراءكم لن يكون حاله أفضل من حالنا. وأنَّه غارق في الخيانة حتى أذنيه!! ومؤخراً قال أحدهم لبرلماني من أنت رداً على أحد المطالب الاقتصادية التي قد تهدئ روع الناس. وكانت الكلمات بمثابة لطمة دامية على وجوه من انتخبوه قبل سواهم. وازدراء واضح لقيم التعبير وحرية الرأي في المجال السياسي بصرف النظر عن الخلاف. لأنَّ إدارة الصورة بما يعني الصد والاسكات جاءت بنتائج سلبية أكثر من صحة المطلب من عدمه.
بالمقارنة فإنَّ مشهد ( ماكرون والمزارع ) يبرز نجاح المتحاورين في تأسيس فرنسا(المزرعة الأم). ويجيب بطرف آخر على تساؤل: لماذا هي الدولة الأهم في الثقافة والابداع الأدبي واتجاهات ما بعد الحداثة ومعظم الفلسفات المنتشرة في الجامعات العالمية. والإجابة آتية من أعماق الحياة والفكر الذي يلائمها. لأنَّ شخصاً بوزن رئيس دولة جمهورية لم يكن له لينطق بعباراته لولا إدراكه أنَّ المساحة تسمح بهذا. حيث يكون الوضع الحواري تطبيقاً لمبادئ النظام الجمهوري.

وإذا كان ماكرون قد ظهر في المشهد وهو يتحدث غاضباً مع المزارع، فقد رد عليه الأخير قائلاً: " تكلم معي بأدب ". والمعنى أنَّ الحوار كان غرساً لقيمة الاختلاف الحي بين رئيس ومواطن عادي. والأدب ليس أخلاقياً فيما يبدو، لكنه ينتمي إلى طقوس اللياقة التي تفرض على رئيس أن يخاطب مواطنيه بجدية. لا يحق لأي رئيس أن يشيح بوجهه في مقابل أي وجه آخر ولو كان فلاحاً. لأنَّ ما يعبر عنه الفلاح قد يكون أخطر من كل تعبيرات الرئيس نفسه.

من تلك الجهة كان المشهد الحواري غريباً على عيوننا الشرقية كما تناقلته وسائل الاعلام. فعناصره ترسم لوحة في نتائج الديمقراطية والتعامل مع الشخصيات العامة بما يلزمها من أوضاع. وكان الفلاح شامخاً، متحدياً أمام الرئيس ماكرون كأعلى قامة بالدولة الفرنسية. لكن يبدو – وهنا تكملة الدرس- أن الديمقراطية لا تعترف لا بالأعلى ولا بالقامات ولا بالمناصب. فماكرون مازال غريراً، شاباً صغيرا مقارنة بجزوع النخل المهترئ في مناصب الرؤساء والملوك والأمراء في شرقنا العربي. هؤلاء لدينا متهالكون كأعجاز نخل خاوية لحد الصدأ، نتيجة المكوث في المناصب ونتيجة الدسائس وحياكة المؤامرات وألاعيب الحواة التي أرهقت عباراتهم الجوفاء.

ومن المستحيل اجراء أي حوار عمومي أمام رئيس عربي بتلك الكيفية. فالرؤساء لدينا يعتبرون شعوبهم غرباء، لا قيمة لهم، فلاحين في ضيعتهم السياسية( مجرد أُجراء كالأنعام يأكلون ويتبولون ويتبرزون على ناصيات الدولة). وإذا بادر أحدهم بالتحدث عن مشاكل الزراعة(= السياسة بالمعنى السابق)، فلن يرى النور ثانية. وربما لا يذهب إلى بيته دون عاهة مستديمة بسبب الضرب المبرح الذي قد يناله من حراس الرئيس الإله.

لقد وقف حرس الرئيس الفرنسي عند حدود الجمهورية أيضاً، لم يتدخل في النقاش الحاد رغم اصرار ماكرون على كسب الجولة لصالحه. وظل يراقب الأمر من بعيد لأن القوى الأمنية في دولة الحداثة هي عين الدولة وجرس انذراها تجاه أيِّ اعتداءٍ ولو كان من رئيسٍ، ولا تمثل اليد التي تبطش وتدهس تطلعات الجماهير.