رجال الدين بين الوظيفة الإنسانية وظاهرة الأستبداد الديني

عباس علي العلي
2018 / 3 / 2


من المسؤول اليوم وفي كل يوم مضى أو يقدم عن الإساءة التي يتعرض لها الدين؟ أو تلك التي يلاقيها البعض من الصالحين من رجال الدين؟ وأيضا عموم فكرة العلاقة الروحية بين الإنسان وربه؟، هل الملحدون والكافرون وبموجب أحكام نظرية المؤامرة هم المدانون فيها؟، أم أن مؤامرة أعداء الله المستمرة من الصليبين واليهود والكفار والمشركين هم من ينصبوا العداوة بين الله وعباده؟، هذا التساؤل كثيرا ما يتردد على أسماعي وأقرأه في ما يكتب البعض من أفكار وتساؤلات تكشف نوع من الحيرة الساذجة أو القاصرة أن تبلغ أجابتها الكاملة؟، وأخيرا هل صحيح أن الله ومن خلال فعله بإرسال الدين للناس وجعلهم أديانا متقاتلة ومذاهب متناحرة وأطياف متصارعة هو المسؤول عن كا ما تواحهه براءة الإنسان المظلوم الذي لا حول ولا قوة له أمام جبروت الأرباب وطغيانهم؟.
كل الأسئلة هذه توحي أن هناك حالة غير صحية وأن هناك خلال في موازين العقل الإنساني حين لا تجد جوابا حقيقيا ولا تفترض إلا من خلال سوء واقع أصاب علاقة الناس الروحية مع الله ومع الدين ومع أنفسهم، ولنفترض على سبيل الجدل أن الله والدين وما تعلق بهما من سلوكيات وأفكار هي السبب، أليس من المفترض أن الإنسان العاقل وهو الذي يسعى طول عمره لمكافحة الفقر والمرض مثلا، ويجند عقله وكل ما في الوجود لتصحيح حالات منحرفة سواء أكانت في أكتشاف الأدوية والعلاجات التي يعالج بها نفسه، أو يجترح الأفكار والوسائل للتخلص من الفقر والظلم أن يسلك ذات الطريق ويتخلص من تلك الإشكاليات التي يتحدث عنها عن الدين وعن الله وعن دور الكهنوت في الوجود، أليس حريا فيه أن يحاول أن يبتعد عن كل ما يثير الظلم والطغيان والتجبر والأستبداد الذي يعتقد أن مصدره الله أو الدين، أليس في تشبثه الدائم والمطلق بها دلالة على أنه أسيرها والغائص حد أذنيه في وحل علاقة يقول أنها غير عادلة وغير مرضية له.
إذا ليس الله هو المسؤول وليس الدين هو الظالم ولكن وبصريح العبارة ظلم الإنسان لنفسه وللأخر وللوجود هو من يجب أن توجه له الإدانه وتحميله المسؤولية، وعليه وبكل شجاعة أن يبحث لماذا يظلم ولماذا يضع نفسه تحت طائلة الظالمين مهما كان العنوان وبغض النظر عن العلة والسبب، الإنسان بعقله هو الظالم وهو المظلوم وهو صانع الظلم وناشره والداعي له، هذا مع أفتراضنا المسبق أن الله لا يريد خيرا للناس، ولو عدنا بروية وبتجرد وكأن الدين وما في وأقصد هنا جوهرية الفكرة الدينية وكأنها تخاطب كائنا أخر ودرسنا بتعقل ما يريد وما يرمي إليه وحاولنا أن نأخذ منها ما يفيد حياتنا الوجودية وما يتفق مع منطق العقل والإنسانية وندع الأخر له ولا نقربه ولا نتعلق به، هل يظن الإنسان عندها أن سيكون مظلوما أو ممكن أن يكون ضحية؟.
الله والدين لا يمكن أن يكون بتماس مع حياة الإنسان مؤثرا وفاعلا إلا من خلال وجوده كإنسان عاقل معرفي يريد أن يعمل ويعيش ويستمر بالوجود، هذا التماس لن يكون موجودا بغيابه أو بعيدا عنه وخارج مسؤوليته الخاصة والعامة، لذا فمسؤولية كيفية التفاعل والأحتكاك تقع عليه وعلى عقله وإدراكه وفهمه لها ولما فيها، الله لم يرسل لنا كائنات أخرى تفرض علينا أحكاما ومفاهيم وأفكار بل نحن من نترجم ونفعل ما يريد بالطريقة التي ندركها وبالوسائل الطبيعية التي لدينا، فلماذا نحمل غيرنا فشلنا وخيبتنا وظلمنا لأننا عاجزون أن نفهم وعاجزون أن نتعقل وعاجزون أن نفرق بين خيرنا وشرنا، البعض يرمي بالتهمة على طبقة رجال الدين بأعتبارهم المكلفين بأدارة هذا التفعل والأحتكاك وإن كان الأمر صحيحا بقدر جزئي ولكن السؤال هو الأتي، اليس الله وةالدين يخاطب الإنسان وعقله ووجوده بالمباشر؟ لماذا إذا أتلمس الطريق البديل وأترك الطريق الأساسي والصحيح وأجري خلف إنسان من طبعه وطبيعته كان ظلوما جهولا؟.
وأقول أيضا لو أنشغل رجل الدين بتنظيف العقل الجمعي من الخرافات والإساءات لله وللإنسان وما يروج عن أفكار تجعل من الدين مزرعة للتجهيل والتخلف، مثل عذاب القبر وقتل الأخر والأحلام التي يراها البعض في مناماته فيبني بها عقيدته ويظن أنها الدين بعينه، أو الأنحياز لشخصيات الماضي وأحداث ماتت وأندثرت ولا يمكنها أن تحكم الحاضر والمستقبل وحتى دون نقد وتمحيص لمسيرتهم ودورهم لمجرد أنهم كانوا على المنهج الفلاني، وأيضا بدل الترويج للحزبية والفئوية والمذهبية لأتجاه أو منهج ما دون منهج أساس وأصل متفق عليه يوحد ولا يفرق أفضل بكثير أن أرهن وجودي على تفرعات بدل كليات وأساسيات فيها الخير والسلام وحفظ الإنسانية، ما نريده من رجل الدين فهو خلاصة فكرتها تعني أنه بشر ينتمي لله ورسالته وما فيها من خير وفضائل ومثل وليس رجل سياسة وأحزاب وعصائب وقبائل، أقول لو أمنت المؤسسة الدينية بهذا الدور وأعادت تصحيح مفاهيمها وومارساتها، لأمكننا أن نتعايش معها وتتعايش مع وجودنا ونتشارك معا في رحلة صناعة المستقبل الأمن والوجود الفعال.
إن رجال الدين مع واقع أفترض وجودهم وأصبح دورهم مهما وضروريا عند البعض عليهم أن يكونوا الشمعة التي يستضاء بها والدليل إلى الله ورحمته، بدل نشر الخوف والخشية منه ومن وجوده في حياتنا وما يسبب لنا ذلك من ضيق ونكد، فكلما نجح رجل الدين في جمع الناس على محبة الله وعشقه والقرب منه على أنه الحبيب الودود اللطيف، نجح أن يكون رسالة خاصة تتيح للبشر أن يتحرروا من خوفهم ومن ظلمهم لأنفسهم وأشاع روح السلام الداخلي فيهم وبذلك بستحق أن يكون أسما على مسمى، ولا ينفع منهج التسلط والأستبدا والسوداوية في الطروحات وعرض أفكار الله ورؤاه إلا في الفصل بين العابد والمعبود وبين الخالق والوجود، وهي وظيفة الشيطان وكل قوى الشر والظلام التي تعشش في حياتنا لترينا الوجه المظلم ولا تريد لنا العيش بالنور وأكتشاف كل الطرق والمسالك التي لا بد منه لحياة أمنة مطمئنة.
إن رمي التهم على هذه الجهة أو تلك وأفتعال العدو الوهمي والعمل على تغيير مسارات مواجهة الفساد والأنحراف، واحدة من وسائل الذين لا يعرفون الله ولم يسعوا يوما لأكتشافه على الوجه الحقيقي والتقرب من حقيقة أن وجود الله والدين في حياتنا وتفكيرنا لا بد أن يكون إيجابيا في المحصلة النهائية، وأن لا يكون عاملا للتخلف والأفتراق والتنازع والتصارع على أمر لا نملكه ولا يحق لنا أن نقسم العالم بين كافر ومؤمن ونحن لا نعلم حتى أبسط الأشياء إلا فيما يبدو ظاهرا لنا، أما الحقيقية والأسرار والجوهر فهو من من الأمور التي لا يمكن إدراكها دوما ولا حتى فهم أساساتها الدافعة أو الفاعلة، لأننا أصلا لم نفهم أنفسنا التي هي أقرب وأولى أن ندركها نحن حتى ننصب أنفسنا حكما وشاهدا ومدعيا وجلادا على أخرين.