الكاتب في رواية -موتي وقط لوسيان- محمود شاهين

رائد الحواري
2018 / 3 / 2

الكاتب في رواية
"موتي وقط لوسيان"
محمود شاهين
احيانا يكتب الكاتب نفسه، ما يشعر به، ما يؤرقه، ما يحمله في العقل الباطن، ما يفكر به، "محمود شاهين" في هذا الرواية يحدثنا عن محمود الفلسطيني، عن طفولته، عن الأب القاسي، عن الحياة الصعبة التي عاشها في ضواحي القدس، يأخذنا إلى عالم الواقع وما فيه من ألم ووجع، يحدثنا عن الرعي والأغنام، عن الفحل "دهمان" وابنه "مرداس"، وهو الحديث الأطول في الرواية والامتع، حتى أنه يتحدث عن تفاصيل دقيقة عن تلك الفترة، وإذا ما توقفنا عند تناوله للرعي سنجد فيه أحداث مشوقة ومحبوكة بشكل دقيق، حتى أن القارئ يجد فيها متعة من خلال حديثه عن علاقته مع القطيع، ومن خلال المصارع الاكباش التي يتناولها بطريقة مذهله. وكأن الراوي أراد بها أن يهرب من الحاضر إلى الماضي، إلى مغامراته مع الخراف، يريد أن يستعيد وجوده على الأرض التي تركها مكرها وغصبا، هذا ما نلمسه في هذه الرواية.
موضوع الرواية يبدأ في الحديث عن "لوسيان" التي يموت قطها "محمود" وتطلب من الراوي أن يحضر ليساعدها في دفن القط النافق، لكنه يرد عليها بجفاء، وبعدها يأخذ في الاتصال بها ليطمئن عليها، لكنها لا تجيب، فيبدأ بالحديث مع نفسه، مستذكرا ماضيه، علاقته الطيبة مع الحيوانات، القطيع، الكلب "فيدل" كلب حيدر حيدر، مع قطة طفولته، ورغم كل هذه العلاقة الحميمة مع الحيوانات إلا أنه تعامل بجفاء تجاه موت "القط محمود"، ولم يبد أي اهتمام بمشاعر "لوسيان"، لماذا؟، وما هو لظرف الذي كان فيه؟، وكيف حدث هذا الانقلاب عند الراوي؟.
الواقع
سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال الرواية، ونبدأ من الواقع الذي ينعكس أثره على الراوي من خلال الكابوس "فقد رأيت في نومي لحاماً يحمل على كتفيه رجلين مذبوحين ومسلوخين، ويدخل بهما إلى الملحمة، كان رأس الرجلين يتدليان على ظهر اللحام وقد بدا تماما أنهما ذبحا من الوريد إلى الوريد" مشهد قاتم وموحش، لكن ما هي المؤثرات/المشاهد/الأصوات/الأحداث التي تجعل فنان وأديب تأتيه مثل هذه الكوابيس؟.
واقع الفلسطيني الذي تعرض للتشرد والقتل على يد الأعداء والأشقاء أينما تواجد وعلى مر السنين، هو السبب: "...لأفتح المذياع متفقداً أخبار الموت الفلسطيني، أو لأقل أخبار القتل...أخذت اخبار القتل تتوالى عبر المذياع، رباه كم كان هناك من القتلى، قتلى في جامعة بير زيت، قتلى في غزة، جرحى في أماكن أخرى من الأرض المحتلة، عشرات القتلى في مخيمات: عين الحلوة، الرشيدية، برج البراجنة، شاتيلا" ضمن هذا الواقع لا بد للراوي أن يتأثر، ومن ثمة تأتيه الكوابيس، فهل يعقل أن يسمع ويشاهد كل هذا الكم والعدد من القتلى والجرحى ولا يتأثر؟.
الفلسطيني
رغم التضحيات الكثيرة والسنوات الطوال التي خاضها الفلسطيني ليتحرر ويتقدم من وطنه إلا أن النصر ما زال بعيد المنال، فكيف يفسر/يحلل لنا الراوي هذا الامر؟
"رباه (أقول لنفسي) ورغم كل هذا صرعه داود بالمقلاع؟! اللعنة، هل يكمن قدرنا في أنه كتب علينا القتال مدى الحياة دون تحقيق النصر؟! وبالتالي لا يمكن لحياتنا أن تجدد إلا بالموت، طالما أن اليهود لم يفنونا رغم طول هذا الصراع عبر التاريخ...قضيت حاجتي وأنا اتصفح كتابا عن المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين"، ضمن هذا الواقع، وهذا التاريخ، وهذا النص الديني لا يمكن للفلسطيني إلا أن يكون في حالة صراع، وكأنه والمحتل يخوضان صراع الإلهة "البعل" رمز الخصب، والإله "يم" يمز الموت.
الراوي
يعيش الراوي في إحدى احياء دمشق الشعبية، حيث باعة (المازوت) يطلقون زامور مزعج وحاد، مما يسبب حالة من التوتر للراوي، ورغم أنه يمتلك "مسدس" إلا أنه كان : "كم مرة أطلقت النار على باعة الزفت هؤلاء، أطلقتها في خيالي طبعا، إذ لا اتصور أن اقتل أحداً من هؤلاء التعسين حقيقة، بالتأكيد لن افعلها" بهذا المكان غير المريح لكاتب وفنان يعيش الراوي، وعليه أن يتكيف بالطريقة التي يجدها مناسبة، فيضع على أذنيه قطع من القطن.
إذن الراوي لا يجد المكان المناسب لحالته ككاتب، فهو بحاجة إلى الهدوء لكي يستطيع أن يمارس عمله الإبداعي، من هنا سنجد أثر الواقع لخارجي "القتل والموت" والظرف الحالي "الاصوات المزعجة" يفرضان ذاتهما عليه، وهناك عامل أخر هو وحدة الراوي، فهو يعيش في منزله وحيداً دون امرأة أو ابناء: "...كل هذا الكم من النساء (زوجات والحبيبات والصديقات) والأولاد، عدا الأخوة والأخوات، تموت وحيدا، وحيداً يا محمود أبو الجدايل! وحيدا بائسا متعبا مرهقا مدمرا، لا احد يقدم لك حتى كأس ماء" ضمن هذا الواقع سيكون حال الراوي في غاية الصعوبة، وهذا ما عبر عنه عندما قال: "اللعنة علي وعلى أبي الذي يدعي أنه أنجبني" وإذا كان ما قاله في السابق ناتج عن غضب وتوتر، فأنه يحدث بواقعية فيصف حالته: "...ولست الآن إلا ابن النكبات، ابن الثورات المهزومة، الثورات المجوفة، ثورات الخيبة"
يحلل لنا الراوي نفسيته والأثر الذي تركته الأحداث والظروف التي مر بها فيقول: "آه يا لوسي . ربما أصبحت شريرا ، إذ ليس من المعقول أن لا تترك الأحداث التي مررت بها خلال أربعين عاما أية آثار سلبية على نفسيتي ، فهي أحداث مهولة يا لوسي ، عشت فيها عشرات المجازر ، وشاهدت مئات الجثث ، ولا أظن أنني قادر على التأثر لموت قط حتى لو لم أكن أكرهه" فهل أراد الراوي أن يبرر "للوسيان"، أم يبرر لنفسه، أم يبرر لنا عدم تأثره بموت القط محمود؟، أم أراد أن يكون كل هذا الحديث مبرر ليحدثنا عن مأساته كفلسطيني؟، ككتاب وفنان؟ كأب؟ كابن؟ كزوج؟ كإنسان؟.
وهل موقف "لوسيان" منه مبرر؟، موضوعي؟، منطقي؟ يجيبنا الراوي: "وكم بودي أن أتخلص من أفكاري الحمقاء وأنسى قطك ، بل وأنساك ايضا ، ولأكن شريرا ، ولأكن مجرما ، فلست الشرير أو المجرم الوحيد في هذا العالم المليء بالأشرار ، بدءا بي إذا شئت ، مرورا بالملايين ، وانتهاء بمغتصبي وطني وكل أصحاب السيادة ! لم يبق أحد كما ترين ، فالجميع أشرار . العالم كله أشرار يا لوسي" اعتقد أن الراوي أرد من "موت القط" أن يحدثنا عن نفسه، عن "محمود شاهين" الفلسطيني، المشرد، الفنان، الروائي والقاص والمفكر والفيلسوف، الذي يعاني على اكثر من صعيد، ويعيش بوضع غير مناسب، المكان، الظرف، الحالة الاجتماعية.
وإذا ما توقفنا عند مشاعر "لوسيان" تجاه موت قط وتغافل العالم وما يطلق عليه "المجتمع الدولي" تجاه الفلسطيني الذي يقتل منذ عام 1919 ولغاية الآن ولا يبدي العالم/المجتمع الدولي أي فعل على ارض الواقع، يتأكد لنا حجم الهوة التي يعيشها هذا الفلسطيني وبين نظريات وقوانين دولية/إنسانية.
المرأة/الأم
قلنا في موضع غير هذا ان المرأة تمنح الكاتب الهدوء والسكينة، وعندما اختار الراوي أن يحدث "لوسيان" كان منسجما مع حالته الصعبة، فهو يريد من خفف عن نفسه ويخلصها من حالة الكآبة والضغط التي يمر بها، فوجد في "لوسيان" المتنفس، لهذا نجده كثيرا ما يقول "آه يا لوسي، يا لوسيان" رغم عدم تواجدها المادي/الجسدي في حالات النداء، لكنه في العقل الباطن ـ يرد أنثى، لهذا استعان بها وأحضرها وخاطبها، مرة في اليقظة ومرة حقيقة، فوصفها لنا: "ولوسيان امرأة ناعمة كحرير الشام ، وشفافة كماء زمزم ، يمكن أن تخدشها نسمة هواء في غير أوانها" فمن تكون بمثل هذا الوصف تستحق ان تكون الأقرب والأكثر حميمة من الكاتب.
لكن هناك امرأة أخرى لها مكانتها عند الراوي وقد حدثنا في رواية "أديب في الجنة" انها أم "محمود شاهين" وقد حدثنا عنها وعن القسوة التي عاشتها كمرأة في مجتمع ذكوري متخلف، وحدثنا عن الطريقة التي عوملت بها من الأب القاسي، لكنها كانت حنونة معه، يقول عنها: "آه يا امي لو انك إلى جانبي لتواسيني بكلمة منك ، لتغدقي علي حنانك ، لتضمي رأسي إلى صدرك المترع بالأمومة والحنان ، وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي ، أنا حزين ووحيد ومتعب يا أمي ." في حالة اليأس، الوحدة، نحتاجها، كبارا كنا أم صغار، واعتقد بأن الراوي كان في ذروة الحاجة لها عندما قال: "وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي" فرغم عمره الكبير إلا أنه ما زال بحاجة إلى حضورها، وجودها، وهذا ما قاله "للوسيان": "خرجت من الأرض المحتلة للمرة الثانية أواخر عام 1970 ... ، ولن يستقبلني صدر أمي كما كان" فقدان الأم عند الراوي له أثر كبير، حتى اننا نجد علاقته الحميمة مع "لوسيان" ناتجة عن فقدانه لصدر الأم، فوجد فيها ما يماثل تلك الأم، لكنها بالتأكيد ليست ما يرده، ما يحتاجه.
الأب
بشكل شبه كامل يأتي الأب بصورة سلبية، والراوي هنا يؤكد هذا الأمر، فيقدم انا الأب بصورة الرجل القاسي والذي يتحارب كل المخلوقات: "فقد كان أبي يضرب كل شيء : نحن وأمي يوميا لأتفه سبب. البغل إذا أحرن أو سطا على أكياس الشعير ، الكلب إذا غفل عن القطيع أو نام في غير المكان الذي حدده له ، الدجاج إذا دخل حقول الحنطة أو الشعير أو التبغ ، القط إذا اختلس قطعة جبن أو لم يفلح في اصطياد الفئران التي كانت تعج في عزبة أبي . الأغنام إذا لم تدر الحليب المطلوب ، الكبش إذا لم يكن فحلا كما يريده ، والزرع إذا لم يحمل جيدا ، واخيرا الأرض إذا لم تخصب !!" وكأننا في المنطقة العربية كتب علينا أن نعاني من الأب كما نعاني من النظام الرسمي، فكلاهما وحشي في تعامله ولا يعرفان إلا البطش.
الرواية منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=441134