رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -10-

علي دريوسي
2018 / 3 / 1

سألتها وكلي فضول للتعرُّف إلى شخصها: "بالمناسبة ما هي معادلات الميكانيك العالي؟ ما الفرع الذي تدرسينه في الجامعة؟ في أي سنة أنت؟ أظنك ستتخرجين قريباً".

ضحكتْ تلك الضحكة التي صارت منذ الساعة الأولى مهجتي وقالت: "يا لشلال أسئلتك الدافق يا عزيزي أحمد، هكذا كنت أتكلم وأطرح السؤال تلو الآخر حين كنتُ في عمرك، أشعر وكأنَّك تسعى لمعرفة كل تفاصيل حياتي في زمنٍ قياسيّ، أليس كذلك؟ يا عزيزي بادئ ذي بدء لا تسألني عن المعادلات والميكانيك، لأنّها ليست من نقاط قوتي، أدرس في جامعة حلب منذ خمس سنوات، سجّلت في البداية اِقتصاد وتجارة لضمان مقعدٍ دراسي، وفي الوقت نفسه قرَّرت إعادة الباكالوريا لأنّني كنت أرغبُ في دراسة الصيدلة، لكن علاماتي لم تسمح لي إلا بدراسة الهندسة الميكانيكية، وها أنا الآن في الكلية منذ أربع سنين، رسبت في السنة الثالثة، مقبرة الميكانيكيين، وترفعتُ إلى السنة الرابعة، وفي هذا الأسبوع أسعى لتجهيز إضبارتي وترتيب أوراقي وتسليم سكني تمهيداً للانتقال، سأبدأ هذا الفصل إن شاءت السلطات بالدراسة في جامعة تشرين".

اِستمعتُ إليها بشغفٍ وسألتها: "لماذا لم تدرسي أدب أو مسرح أو سياسة؟"
أجابتني: "هذه الدراسات لا قيمة لها في مجتمعنا، في الحقيقة حتى شهادات الهندسة من جامعاتنا لا تصلح لمجرد تقشير البصل في شركات ومعامل ألمانيا وكندا، هذا ينطبق للأسف أيضاً على كل الوثائق الممنوحة في كافة الفروع العلمية، لأنّها ببساطةٍ شديدة ليست إلا أوراق محو أمية إذا ما قورنت بالشهادات الفعلية، الأعمال التي نُوظَّف للقيام بها في بلداننا بصفة مهندسين، يؤديها في العادة أشخاص دون دراسة جامعية من أي نوع في بلدانٍ متطورة".

سألتها مجدّداً: "يبدو أنّك تقرأين كثيراً، هل حاولت الكتابة؟ هيئتك توحي بأنك كاتبة".
أجابت فاتن: "حاولت كتابة الشعر والقصة القصيرة ونشرت في بعض المجلات اللبنانية، لكنني توقفت عن هذه المهنة، سأمتهن السياسة في هذا البلد اللعين، من الحَماقة أنْ يعمل الإنسان خمس ساعات في اليوم على مدار أكثر من عشرة أشهر من أجل كتابة مجموعة شعرية أو قصصية، في الوقت الذي يستطيع فيه شراء كتابٍ ما من أي مكتبة في العالم، بأقل من ثلاث دولارات أو في الوقت الذي يستطيع فيه الحصول على المال دون مقابل".

قلتُ: "وأنا أقف في صفك بهذا الخصوص، من حق الكاتب العيش نسبياً من إنتاجه، الوقت ليس مَجَّاناً، الوقت من نقود. من السذاجة أن ننشر المعرفة والوعي دون مقابل. هذا العمل يقع على عاتق الحكومة، أقصد على عاتق حكومة علمانية ديمقراطية كما نحلم، الأدب بأنواعه والفن بأشكاله هواية ونادراً ما يصير مهنة إذا لم تدعمه الحكومة والجمعيات المعنية. الهواية لا تطعم خبزاً. إذا أردنا أن نأكل علينا أن نعمل في نحت الصخر أو في السياسة كما ترغبين".

قالت فاتن ما أفرحني وأشعرني بأهمية ما أحدِّثها به: "أحمد، الحديث معك ممتع، جميل ما تتفوَّه به".
ولكي أرد لها جميل كلماتها عني وأُشعرها بأهميتها بالنسبة لي كمعلمة سألتها: "من هم أشهر كتّاب القصة القصيرة بنظرك؟"
أجابتني وكأنّها في قلب اِمتحانٍ: "الكندية آليس مونرو، الروسي أنطون تشيخوف، الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، السويسري فرانس هوهلير، الأمريكي اليهودي برنارد مالامود والقائمة تطول".
قلتُ لها: "لا أثر للكاتب العربي بينهم".
أجابتني: "للأسف لا يهتم الإعلام بهم، أو لعلهم لم يتركوا لنا فرصةً للاحْتِفَاء بهم".
سألتها: "ومن هو أحب كاتب قصة وشاعر سوري إلى قلبك؟".
أجابتني على الفور: "ومن غيرهما، القاص العزيز جميل حتمل والشاعر الراحل رياض صالح الحسين. هل قرأت لهما؟".
أجبتها بفخرٍ: "بلى، قرأت المجموعة القصصية /الطفلة ذات القبعة البيضاء/ وديوان الشعر /بسيط كالماء واضح كطلقة مسدَّس/". تابعتُ كلامي: "فكرة القصة مثل المِشْرَط، إذا أعطيتها للجرّاح والسَفَّاح، يستخدمها كل منهما على طريقته الخاصة. وقد وظَّف حتمل أفكاره القصصية كجرّاح ماهرٍ".
*****
قالت فاتن بابتسامةٍ مُسْتَسَاغةٍ: "لقد حان وقت التدخين، لا متعة للنقاش والسفر مع أحمد دون سجائر".
يتبع