الموارد المالية التطوعية لدولة النبى محمد عليه السلام

أحمد صبحى منصور
2018 / 3 / 1


مقدمة :
1 ـ هذا موضوع لا تسعفنا فيه المصادر التاريخية ، بدءا من سيرة ابن إسحاق وما تلاها من طبقات ابن سعد والحوليات التاريخية . فالجانب السياسى هو الذى سيطر عليها ، وقد تأثر المؤرخون بالنظم المالية الواقعية لموارد بيت المال الذى يتحكم فيه الخليفة ، والذى بدأه عمر بن الخطاب أول من ( دوّن الدواوين ) لتنظيم دفع مرتبات ( أو اعطيات ) للعرب من عرق ودماء أبناء البلاد المفتوحة ، من الجزية ومن ( الخراج ) . لم يكن العرب يدفعون ضرائب بل كانوا ياخذون ( معاشات ) حتى للمولود ، وقد تم تسجيل المواليد العرب فى دواوين عمر بن الخطاب .
2 ـ إختلف الحال فى دولة النبى محمد عليه السلام . كانت موارد بيت المال تأتى أساسا من الزكاة المالية ( الصدقات والإنفاق فى سبيل الله جل وعلا ) والذى يأتى تطوعا لأنه ( فى سبيل الله جل وعلا ) وهناك موارد فرعية تأتى من الغنائم الحربية حين ينهزم الجيش المعتدى ( الأنفال 1 ، 41 ، 69 )، ومن الجزية ( التوبة 29 ) التى تكون غرامة حربية على المعتدى الذى إنهزم ولا يحل للمسلمين إحتلال أرضه بل يدفع غرامة حربية (جزية) أى (جزاء) إعتدائه ، ثم هناك ( الفىء ) وهو ما يفىء من مال وغيره للدولة الاسلامية بلا حرب ، كاتفاقات ومصالح .
3 ـ وهناك مستحقون للزكاة المالية :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة )، وللصدقة الفردية :( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(215) البقرة ) وللغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(41) الأنفال ) وللفىء (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) (7) الحشر ) . الخمس الذى لله جل وعلا ولرسوله مخصص للمجهود الحربى .
4 ـ الشىء الغريب الذى لم تعرفه سائر النظم السياسية قديما وحديثا هو أن يكون التطوع وليس الإكراه والإجبار هو وسيلة تجميع الموارد المالية فى دولة النبى محمد . نحاول بحثه من وجهة نظر قرآنية .
أولا : التحديات التى كانت تواجه دولة النبى
1 ـ الدولة الاسلامية فى عهد النبى محمد عليه السلام كانت واحة إيمانية يحيط بها أعداؤها المعتدون المتربصون بها ، وعلى تخومها أهل كتاب معتدون متآمرون ، وفى داخلها منافقون متآمرون . فى الدولة الحديثة مسموح باللجوء الى الإجراءات الاستثنائية فى حالة الأخطار المحدقة بالدولة . ولكن تشريع الدولة الاسلامية عالج هذه الأخطار بالحرية المطلقة فى الدين وفى المعارضة السياسية، مع الحزم فى مواجهة الاعتداء بمثله ( البقرة 190 : 194 ) خصوصا مع من ينكث العهود معتديا ( الأنفال 56 : 58 ) ( النساء 88 : 91 )( التوبة 1 ـ ) والاستعداد الحربى وتحريض المؤمنين على القتال الدفاعى مع تبنى سياسة السلام إذا جنح المعتدى للسلم:( الأنفال 60 : 65 )( النساء 84 ). وجنوحه الى السلم يعنى دخوله فى الاسلام السلوكى أو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ظاهريا وسلوكيا ، ويكون ضمن الأخوة فى الدين ( التوبة 11 ) مع وعد إلاهى بالغفران إن كفوا عن الاعتداء (الأنفال 38 ).
2 ـ فى مواجهة الهجوم القرشى الحربى نزل الإذن بالقتال الدفاعى ومعه الأمر بالاستعداد بما يُستطاع من قوة لارهاب المعتدى حقنا للدماء، وهذا الاستعداد يتطلب أموالا . وإذا كان مشركو قريش وهم قادة العرب ينفقون أموالهم يصدون عن سبيل الله جل وعلا (الانفال 36) فالواجب على المؤمنين أن ينفقوا أموالهم فى القتال الدفاعى تطوعا فى سبيل الله جل وعلا . وفى مواجهة المنافقين المتآمرين كان العلاج بالحرية المطلقة فى الدين وفى المعارضة السياسية ، وهذا يعنى عدم إجبارهم على دفع أموال أو تشريع التجنيد الإلزامى ، وفى مواجهة العدو الخارجى كان تشريع القتال الدفاعى ورد العدوان بمثله بجانب الدعوة للسلام بإعتباره الاسلام السلوكى ، بجانب عقد معاهدات عدم إعتداء ، ودعوة المؤمنين الى الهجرة فى المدينة وألا يوالوا العدو الذى يعتدى على دولتهم .
ثانيا : الإيمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر هو أساس التطوع :
يتجلى هذا فى أن يكون الإنفاق فى سبيل الله ( فى سبيل الله ) أى تبرعا ، وليس إجبارا ، فالمؤمنون بالله جل وعلا وباليوم الآخر هم الذين يبادرون بالجهاد بالمال والأنفس فى سبيل الله ، أما الذين لا يؤمنون بالله جل وعلا ولا باليوم الآخر فهم فى ريبهم يتقاعسون عن الجهلد بالنفس وبالمال ( التوبة 44 : 45 )
ثالثا : أساليب الدعوة الالهية للتطوع جهادا بالمال وبالنفس وكفالة للمحتاجين :
جاءت هذه الدعوة خطابا مباشرا من رب العزة جل وعلا . وإتخذت أسلوبين :
1 ـ اسلوب الحث والتشجيع والإغراء :
1 / 1 ـ وصف المتقين المستحقين للجنة بأن فى أموالهم حقا للسائل والمحروم ( الذاريات19) ( المعارج 24 : 25 )
1 / 2 ـ وصف المؤمنين الصادقين بالجهاد فى سبيل الله جل وعلا بالأموال والأنفس : (الحجرات 15 ).
1 / 3 ـ حث التائبين على تقديم صدقة تطهر ذنوبهم ( التوبة 102 : 104 ).
1 / 4 ـ الاسلوب العاطفى الوجدانى ، أنه ما كان للمؤمنين التخلف عن النبى فى القتال الدفاعى ( التوبة 120 )
1 / 5 ـ وعد بالأجر حتى على النفقة الصغيرة أو المجهود القليل ( التوبة 121) ، وأن الحسنة بأضعافها الى سبعمائة ضعف ( البقرة 261 )، والوعد الالهى بأن يخلف الله جل وعلا أجرا لمن ينفق فى سبيله ( سبا 39 ).
1 / 6 ـ التعبير شديد التأثير فى الحث على الانفاق الجهادى بوصفه إقراضا لرب العزة جل وعلا مع الوعد الالهى بأن يرد هذا القرض مضاعفا فى الدنيا والآخرة ، وتكرر هذا الاسلوب الفريد فى القرآن الكريم:( البقرة 244 : 245) (الحديد 11 ، 18) ( التغابن 16 : 17 ) ( المزمل 20).
1 / 7 ـ بالاضافة الى وصفه بإقراض الله جل وعلا قرضا حسنا كان إستعمال مصطلح التجارة مع الله ، وهى تجارة لن تبور ( فاطر 29 : 30 ) وأن الله جل وعلا إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة ( التوبة 111 ) وأنها تجارة تنجى من عذاب أليم وبها يكون النصر ودخول الجنة ( الصف 10 :13 )
2 ـ أسلوب الوعيد والتهديد والتحذير والتكفير :
2 / 1 ـ التحذير من مجىء الأجل ، ومعه ندم من لم ينفق فى سبيل الله جل وعلا ( المنافقون 10 : 11 )
2 / 2 ـ بعد تشريع القتال الدفاعى جاء الأمر بالانفاق فى سبيل الله وإلا فالتهلكة ( البقرة 190 ــ 195 )
2 / 3 ـ التهديد بأن يستبدل الله جل وعلا قوما غيرهم إذا إستمروا فى البخل ( محمد 38 )
2 / 4 ـ تكفير البخلاء والذين يأمرون الناس بالبخل ( النساء 37 : 39 )
رابعا : النتيجة الواقعية فى أهل المدينة :
إختلفت وتنوعت إستجابة أهل المدينة وما حولها من الأعراب لهذه الدعوة الالهية . ونتعرف على نوعيات الاستجابة :
1 ـ النبى محمد عليه السلام والمؤمنون الصادقون معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وجاءت لهم البشرى بالجنة ( التوبة 88 : 89 ). كان الحديث محددا بالنسبة للنبى عليه السلام ، أما المؤمنون فلم يأت تحديد بأسمائهم ، بل مجرد الصفة الايمانية .
2 ـ على أن هناك درجات فى الجهاد بالنفس والمال بين المؤمنين ، فهم ليسوا سواء . فلا يستوى القاعدون القادرون بالقاعدين أصحاب العذر ، ولا يستوى هؤلاء بالمجاهدين بأموالهم وأنفسهم ( النساء 95 : 96 )، ولا يستوى من أنفق وقاتل قبل الفتح واستمر مثل الذى قاتل وأنفق بعد الفتح ( الحديد 10 ) مع كونهما فى الجنة. واصحاب الجنة منهم السابقون ، ومنهم اصحاب اليمين الأدنى درجة .
3 ـ وهناك فقراء تبرعوا بما يملكون وتعرضوا لسخرية المنافقين ( التوبة 79 ) وهناك فقراء كانوا يتمنون التبرع ولكن لم يكونوا يملكون ، فاكتفوا بالنصيحة ، ووصفهم رب العزة بالاحسان ( التوبة 91 : 92 )
4 ــ المنافقون كانوا يقبضون أيديهم عن التبرع ( التوبة 67) ، ومنهم من دعا لعدم الانفاق على من عند رسول الله حتى ينفضوا ( المنافقون 8 )، وكرهوا أن يجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فتوعدهم الله جل وعلا بالعذاب :( التوبة 81 : 82 ).أولئك لن تغنى عَنْهُمْ ( أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) المجادلة ). وأنذرهم الله جل وعلا بأن يعذبهم بأموالهم وأولادهم وتزهق أنفسهم وهم كافرون ( التوبة 55 ، 85 ) عقابا لهم منع رب العزة النبى من الصلاة عليهم إذا ماتوا ( التوبة 84 )، ومنهم من كان يسخر من المؤمنين الفقراء المتبرعين ، واستغفر لهم النبى فقال رب العزة إنه لن يغفر لهم مهما إستغفر الرسول لهم ( التوبة 79 : 80 ).
5 ـ ولهذا فإن المنافقين الأثرياء حين تثاقلوا عن التبرع الإختيارى عوقبوا بأن منع الله جل وعلا رسوله من أن يأخذ منهم صدقاتهم، ومنعهم من الاشتراك فى القتال الدفاعى مستقبلا ( التوبة 53 : 54 ، 83 ).وهذا مع الاعراض عنهم وعدم قبول إعتذارهم وعدم الثقة فيهم : ( التوبة 94 ).
6 ـ خارج المدينة كان هناك أعراب مؤمنون ينفقون فى سبيل الله ، وهناك اعراب أشد كفرا ونفاقا ويتربصون بالمؤمنين الدوائر ، وفى نفاقهم يعتبرونه ما ينفقون مغرما ( التوبة 97 : 99 ).
أخيرا :
1 ـ هذه السياسة لا تدخل فى مجال الخيال واليوتوبيا ، بل تحققت واقعا وحققت نجاحا إذ دخل الناس فى دين الله ( السلام )أفواجا ، والله جل وعلا إعتبره نصرا وفتحا .
2 ـ القرشيون الذين مردوا على النفاق وتولوا زمام السلطة بعد موت النبى بادروا بأمر القبائل بدفع ( الزكاة المالية ) خلافا لما عرفته هذه القبائل فى عهد النبى محمد عليه السلام ، إذا كانوا هم الذين يجمعون صدقاتهم وهم الذين يوزعونها على فقرائهم ، ولم يكونوا مجبرين على التبرع للمجهود الحربى . كان منتظرا أن يثوروا ، وحدثت حرب الردة .
3 ــ لم يأت فى القرآن الكريم تحريم فرض ضرائب للمجهود الحربى والزكاة الرسمية . طبقا للتشريع الاسلامى فالشورى تعنى الديمقراطية المباشرة ، ومن حق مجلس الشورى أن يصدر قوانين فى إطار العدل والمعروف ، بحيث لا تتعارض مع المقاصد التشريعية الاسلامية من العدل والحرية ومنع الظلم .