العراق وقراءة في أحداث قادمة ح3

عباس علي العلي
2018 / 2 / 28

في هذه الحلقة من المقال يمكننا أن نطرح الكثير من السيناريوهات والتصورات التأملية لمرحلة ما قبل وبعد الأنتخابات النيابية في مايس القادم، وأول ما يمكن أن نشير له هنا تلك الطعون التي ظهرت علنا ومن أعلى القيادات السياسية لأبرز الكتل وأكبرها والموجهة إلى المفوضية العليا للأنتخابات، هذا التشكيك والطعن لم يأت من فراغ وليس جزءا من عملية جس النبض المتبادلة بين الكتل والأحزاب بل هي نتيجة حتمية ومؤكدة للكيفية العملية والتشريعية التي تشكلت بموجبها المفوضية خاصة وأنها إنعكاس حقيقي لواقع المحاصصة والتوزيع الطبيعي لمواقع القوة على القرار العراقي، فيعد أن أهملت المطالب الشعبية العريضة والتي نددت بعملية تشكيلها وكيفية إدارة عملية الأنتخابات ها نحن نرى أنه حتى القوى التي دفعت بممثليها إلى كيان المفوضية أصبحت تنادي علنا وجهارا أنها لم تكن مستقلة ولا حيادية وشكوك التزوير والطعن في النتائج مقدما عنوان الحديث السياسي اليومي لها.
في الديمقراطيات المتطورة وحتى الناشئة في المجتمعات المتحولة القاعدة الأساس فيها الركون إلى مبدأيين أساسيين لفرز حقيقة التمثيل الشعبي وهما، أولا أن هناك ما يسمى بالعتبة الأنتخابية للكيان الأنتخابي حتى يكون ممثلا لجزء مهم من الشعب ومعبر عن إرادتها، وهناك العتبة الأنتخابية للمرشح كي يجتاز حاجز التمثيل كفرد منتخب من مجموعة حقيقية، الفائز بالأنتخابات هو وكيل الجزء الذي صوت له ومو المسؤول عن تمثيلهم ولا بد له أن يحظى بقبول وتخويل من القاعدة الأنتخابية التي يمثلها، وحتى يكون هذا التمثيل حقيقي لا بد له أن يحظى بشرعية التمثيل التي تمثل العتبة الأنتخابية كشرط أولي وضروري لصحة الوكالة والنيابة، إن أعتماد قانون سانت ليغو المعدل لا يمثل كلتا الحالتين بل هو تصرف يخالف أسس القاعدة الديمقراطية الصحيحة عندما نلجأ إلى أحقية الكتلة أو الكيان السياسي أن تفرط بإرادة الناخب لصالح أفراد وشخصيات لم تحظى بحق التمثيل القانوني عن ناخبيها في حين يحرم الممثل الحقيقي وتهمل إرادة الجمهور لأجل مصلحة الحزب أو الكتلة أو الأئتلاف المهيمن.
النقطة الثانية في حالة عدم حصول المرشح على العتبة الأنتخابية وأجتيازها لا بد من حسم أخر في مرحلة ثانية تسمى جولة الإعادة حيث يتشارك أفضل الخاسرين في ترجيح شعبي ليكون الضامن والضمان لصحية التمثيل، وعندها سيفرز الصراع الأنتخابي الحقيقية كما هو ويؤشر على مزاج الناخب وطريقة أختياره، هذا الحال في ظل قانون سانت ليغو وقانون الأنتخابات الحالي محال ولا يمكن العمل به وبالتالي فالعملية القادمة ستزيد من فشل العمل الديمقراطي ولا تطوره ولا تكشف عن حقيقة أتجاه الناخب وإرادته، لذا فالمتوقع في ظل النتائج المأمولة أن التغيرات الممكنة ستكون طفيفة وغير ذات أهمية في تجذير العمل الديمقراطي والذي من طبيعته الأساسية أن لا بد أن يستمر في ترقية أساليبة من تراكم التجربة ونضج العملية السياسية برمتها.
إن غياب عنصر المحايدة والتجرد والمجاملات التي شرعها القانون لصالح الكتل الكبيرة والمهيمنة والتي لها قوة التأثير ليس على الناخب بل على طريقة جني المكاسب المجانية هي الدافع الأكيد والمباشر في الحملة التي يقودها جزء مهم من الشارع العراقي بعنوان مقاطعة الأنتخابات والتشكيك في نتائجها قبل أن تبدأ، هذا العيب حقيقي وليس نتيجة أوهام أو أفتراضات غير حقيقية وستتعاظم مع أقتراب موعد الحسم الأنتخابي خاصة بعد أعلان كل الكتل والأئتلافات عن أسماء مرشيحها وطريقة ترتيب أسمائهم في ظل قوائم تفترض أن الجزء المتقدم منها أو ما يسمى بأصحاب التسلسلات الذهبية سيكونون من ضامني الفوز بطريقة أمنة حتى لو لم يحصلوا على أصوات تؤهلهم لشغل مقعد البرلمان، هذا العيب التشريعي واحدا من أسوأ ما أفرزته قوانين الأنتخاب أضافة لطريقة العد والفرز وكيفية إدارتها والتحكم بالنتائج بناء على مزايدات ومصالح تقدم مرشح وتؤخر أخر.
البعض يقول أن وجود المراقبين المحايدين وأشرافهم على سير الأنتخابات سيقلل من فرص التزوير والتزيف التي شهدناها في الأنتخابات السابقة، الحقيقة العنوان جميل ولكن دور المراقب لا يتعدى بأي حال من الأحوال الأشراف على الحضور والمشاركة، أما عن صناعة النتائج وأعدادها وتهيئة ما بعد عملية الفرز والتحقق حتى مع وجود بعض العيون المراقبة سيكون المجال الأوسع والأكبر في التلاعب بالنتائج خاصة مع تأخير متعمد يمتد لأسابيع ربما حتى يتم الأتفاق على صياغات تقبل بها الأطراف وفق مبدأ تقاسم الكعكة الأنتخابية، وهذا ما حدث في المرات السابقة وسيحدث الآن بكل تأكيد، مع غياب الإشراف القضائي المحايد وغياب مبادئ الديمقراطية الحقيقية عن واقع الكل بما فيه أركان العملية السياسية يشككون بتجرده ومهنيته وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة.
هذه الحقائق على الأرض وما تمثلها من إشكالية ستعزز من أحتمالات الفشل العائد بقوة ليتصدر الواجهة السياسية وعملها، وتحبط من أمال الشعب في التغيير والإصلاح ومحاربة الطائفية السياسية والمحاصصة الذي هو اليوم شعار ترفعه كل الكتل والأحزاب دون أن تكون له مصاديق عملية في السلوك أو في نية تجاوز أخفاقات المرحلة الماضية، الشعارات وحدها لا تغني عن عمل منظم ومنتج للإصلاح والتغيير خاصة وأن الكل المتنافسين حريصون جدا على بقاء الشكلية التي أنتجت الفساد والتخبط والعشوائية على حالها، ولا يمكن أصلاح الواقع بوسائل غير صالحة أصلا لأن تتغير وتتلائم مع الضروريات والنتائج المستخلصة من عملية النقد والمراجعة الضرورية، ما لم تعيد العملية السياسية بكامل تكويناتها النظر في واقعها وتعيد أنتاج نوع أخر وغيري من مفاهيم ورؤى ووسائل وأساليب جديدة وفاعلة، سوف لن يكون هناك أمل حقيقي في التغيير والأصلاح وبناء دولة ونظام قادر على تحديث نفسه ومتكيف مع التحولات والتبدلات الأقليمية والدولية ومواجهتها، بما يعزز من مفاهيم الاستقلال والسيادة الوطنية وبناء مجتمع منتج ومهيأ للعب دوره التاريخي بما يتناسب مع عمقه التاريخي والحضاري والواقعي.
النتيجة الحتمية التي ستظهر بها العملية المسماة ديمقراطية أنتقالية لن تكون بأي حال من الأحوال سوى أستنساخ هجين لمفاهيم ديكتاتورية القوة، والهيمنة الفعلية لمؤسسة قمعية قائمة على تسخير كل ما يمكن تسخيره من أجل البقاء في حالة من العبثية السياسية، ولكن في أطار مزيف ومرتهن للعنوان الديمقراطي، وهي بعيدة كل البعد عن أبسط المفاهيم والمثل المدنية التي هي أساس وشرط محوري في كل بناء ديمقراطي حقيقي، حتى من شارك فيها على أمل حصول تغيير ولو بسيط ومرحلي متأكد تماما أن فرص التغيير محدودة، وأن الأشتراك هذا لا يعني سوى جني مكاسب مرحلية ومؤقته لا يمكنها فعلا أن تنجز التغيير الموعود، ومع ذلك تحاول أن تخدع نفسها وجماهيرها بأنها فعلت ما يمكن أن تفعله لأجل التغيير.
هناك عامل مهم وأساسي ومحرم في الديمقراطيات العملية وهي مسألة أستخدام المال السياسي أو مواقع السلطة لتكون من ضمن الوسائل التي تدفع بالناس لأتجاه محدد، وبالرغم من أن نصوص القانون النافذه سواء في قانون الأنتخابات أو في قانون العقوبات تجرم هذه المسألة، ولكن الوسائل المعتمدة للتحقق والكشف بعيدة كل البعد عن العملية المطلوبة وعلى المتضرر عبء الإثبات خاصة مع أجراءات تتحكم بها المفوضية والتي هي كما قلنا عنصر مهم في الفساد الأنتخابي، لم تضع المفوضية ولا قانون أصول المحاكمات النافذ قواعد وأساليب وطرق تحد من هذه الظاهرة أو ترتب أوضاعا قانونية تهدد من يستخدم السلطة والمال السياسي أمام حسم قانوني رادع، خاصة مع أحتساب أن القضاء العراقي ما زال خاضعا من حيث الواقع العملي ومن خلال تركيبته وأختيار عناصره الموجهة والأساسية لتأثيرات السلطة وقواها المتحكمة، لذا فالواقع يقول أن الأنتهاكات ستستمر وأن من المحال أن تنجح الأجهزة الرقابية والقضائية أن تواجه هذا الفساد الأنتخابي وتتغلب عليه.