الألم والشباب في قصيدة -العروبة- عبد الحي فخري جوادة

رائد الحواري
2018 / 2 / 27

الألم والشباب في قصيدة
"العروبة"
عبد الحي فخري جوادة
شيء جميل أن نجد الشباب يتناولون مأساتنا وما حل بنا، فنحن وهم في البؤس معا، لكن نحن الشيوخ/الآباء من أوصلهم إلى ما هم فيه، فعلنا تقع المسؤولية، وعندما نستعيد تاريخنا المعاصر سنجد أن الشباب هم من قاد الجماهير وقام بالثورات، من عبد الناصر إلى ياسر عرفات، أما على صعيد الأحزاب والنظريات الفكرية والعقائدية فنجد مشيل عفلق وانطون سعادة وجورج حبش، وكلهم قاموا بوضع نظريات ومفاهيم جديدة وهم في سن الشباب، فلم يتجاوز أيا منهم خمسة وثلاثين عاما، وكان بإمكان ما قدموه أن يكون الخلاص لنا لو احسنا استخدامه وفهمناه وأخذنا به.
لكن في هذا الزمن الأعوج نجد من يريد/يطالب الشباب أن يكونوا تحت مظلتنا نحن الهرمين العجائز، وعليهم أن يرجعون لنا في كل صغيرة وكبيرة، فهم "جهال" وبحاجة إلى الحكمة!!، ليس في مجال السياسية والنظريات والأفكار الجديد فحسب بل حتى في الأدب، فنجد هناك آباء روحانيين للأدب وعلى الشباب أن يخضعوا لهم طواعية أو غصبا، اعتقد أننا بحاجة إلى حركة تمرد في كل نواحي الحياة، السياسية والفكرية والثقافية والأدبية والفنية، وبالتأكيد من سيقود هذا التمرد هم الشباب ولسنا نحن الذين تسببنا بكل ما جرى لهم ولنا وللوطن.
فعندما تقدم قصيدة من شباب تحمل مشاعر الألم على ما آلت إليه أحولنا، إلا يعد ذلك تمرد ورفضا للواقع ومن يقوده؟ "عبد يحي جوادة" يبدأ قصيدته بما هو مفترض أن يكون:
"نُصّبت في متن الوجود تعاليا
لا صوت يعلو ان هممت بقولي
لا من يحرك ساكنا في حضرتي"
يقدم العظمة والهيبة والمكانة الرفيعة التي كانت عليها "العروبة" التي كنا نحن فيها، هذا الإرث العظيم الذي نتغنى به الآن وسنتغنى به لأنه مجدنا وعزتنا فلا يمكننا أن نهمله أن ونلغيه لأنه حقق لنا:
"ونظمت من أنف الشعوب توابعا
فأنا المؤلف والمحذ انا المقفي
وحفرت في هاماتهم وجلا اذا ما لاح طرفي
ووهبتكم كل الشموخ وعزتي
وسمرتي" تناقض كبير بين ما كان، ما كنا، وما نحن فيه الآن، ورغم عدم توافقنا من النظرة الفوقية التي استخدمها الشاعر "ونظمت من أنف الشعوب توابعا" لأن أن المقطع الأخير جاء أكثر منتقيا وجمالا عندما قال "ووهبتكم كل الشموخ وعزتي
وسمرتي" فاللون يعطي دلالة على العمل والارتباط بالأرض، وهذا يشير إلى ارتباط الإنسان العربي بالأرض، وعلى العلاقة الاجتماعية والعمرانية ـ زراعة وبناء ـ، إذن كنا شيء عظيم، فما حل بنا؟، كيف أصبحنا؟ أسئلة يطرحها الشاعر الشاب وكأنه يديننا نحن الشيوخ، الآباء بها:
"والان كم منفية فيكم بكل عروبتي
مزقت أشلاء فاصغرها ذبيح لم يزل يسبى
وأكبرها بعيد لم يطأ حلمي"
استخدام الشاعر لياء الأنا/الملكية والتي جاءت في "عروبتي" أراد بها تجريدنا من المجد السابق ويلحقنا بالعار الذي أحدثناه للمواطن وللوطن وللفكرة، فنحن (الكبار) من اقترف الجريمة بحق إرثنا ومجدنا وكرامتنا، وعلينا أن نتحمل المسؤولية ونتيجة ما اقترفناه، وبالتأكيد سيكون ذلك بعزلنا عن مركز القيادة والمسؤولية وافساح المجال لمن هم انقياء، مخلصين للفكرة، وعندهم طاقة وارادة وحيوية للعمل.
فمن يشعر بهذه المشاعر:
"فقدت الروح من جسدي
سُلبت الضاد من لغتي
وحذفت من متن المدى"
بالتأكيد هو يحمل احساس مرهف، يحمل عبأنا وانكساراتنا على كاهله، ويريد أن يقدمنا إلى الأمام، ويرفع ما حل علينا من ويلات.
يبدأ الشاعر بالتوجه إلى الشباب، متجاوزا الهزائم ووقع الحال، يحاول أن يستنهضهم بقوله:
"أنا العروبة لم أزل أذبح هنا
أسبى أنا
وبيَ الخريف ينتظر"
هناك انثى (العروبة) تذبح والتي تأخذ شيء من صفات لأم، التاريخ، الأمجاد والكرامة، وهي بحاجة إلى من يساعدها، أليس الشباب أولى بتلبية النداء وهم الأقرب إليها؟
تأكيدا على أن النداء موجه للشباب وليس لمن ساهم طواعية أو كرها أو وقف بالحياد، يقول الشاعر:
" أنا العروبة
يا تُرى
فيكم رياحا تخصب الغيم المعلق في المدى
فتعيد ريع الحب في جوف المقل ؟"
العطاء والفعل والطاقة تكمن في الشباب، وليس في من هزموا مرات عديدة.
يختم لنا "عبد الحي جوادة" قصيدته بمقاطع تحث على العمل وتعطي الشباب طاقة وتمنحهم الارادة والفكرة:
"أنا العروبة احتضر
يا هل ترى
بعد النزيف بكم دمً من خافقي
فيلوح لي وصلي إذا حان اللقى ؟
ويعيد لي بعض الأمل ؟؟؟".
هذا على صعيد الفكرة التي جاءت في القصيدة وشكل تقديمها، وبالتأكيد كان الشاعر موفقا فيهما، لكن على صعيد اللغة فنجد بعض الكلمات والمقاطع وكأنها اقحمت في القصيدة اقحاما، كما هو الحال في:
"وحفرت في هاماتهم وجلا اذا ما لاح طرفي" المقطع طويل وفيه شيء من التكلف خاصة
" فأنا المؤلف والمحذ انا المقفي"
"اذا ما لاح طرفي"
وهناك امثلة أخرى: "وحذفت من متن المدى"
وهذا المقطع: "فتعيد ريع الحب في جوف المقل ؟"
اعتقد بأن كان بإمكان الشاعر أن يأتي بشيء أفضل مما كان، لكن يبدو أن صعوبة وقسوة الواقع والتوتر انعكست على جمالية القصيدة، فكان ما كان.