رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -9-

علي دريوسي
2018 / 2 / 27

جلسنا متجاورين، وما أن اِنطلق القطار حتى اِسترخت معالمها، رفعت ساقيها وانزلقت في مقعدها واضعةً ركبتيها على مسند المقعد الأمامي، فتحت حقيبتها وأخرجت منها علبة سجائرها ماركة "لاكي سترايك" وقَدّاحة فضيّة اللَّون وكتاباً.
لم تكن عربة الدرجة الأولى مزدحمة، بدأ المسافرون بالتحدِّث إلى بعضهم البعض بأصواتٍ عالية نسبياً، سألتها لأكسر حاجز الصمت بيننا: "ما الذي تقرأينه؟"
أجابتني: "حمامة زرقاء في السحب؟"
سألتها: "وما هو السر وراء هذه الحمامة؟"

قالت بتأثرٍ واضحٍ: "رواية مليئة بالحزن والشجن للكاتب حنّا مينه يتحدَّث فيها عن معاناة المصابين بمرض السرطان، تحكي عن قصة فتاةٍ تعاني من ورم خبيث في النخاع الشوكي، يرافقها الأب في محنتها ويسافر بها إلى لندن ليعالجها هناك لكن دون فائدة، أخيراً تعود إلى الوطن لتنام فيه نومتها الأخيرة مستريحةً من عذابها وآلامها والشلل الذي أصابها".

علَّقتُ بحذرٍ: "وهل يحتاج الورم السرطاني إلى روايةٍ طويلة؟ ألا تكفيه قصة؟" وأردفتُ: "إذا استطاع شخص ما أن يجعل من روايةٍ ما قصة قصيرة، حينئذ لا لزوم للرواية. كما قال همينغوي".

ردَّت فاتن: "أعتقد معك حق، ربّما ينبغي على الروائيّ أن يشتغل على روايته طويلاً جداً إلى أن تصبح سهمَ قصةٍ قصيرة يصيب الدريئة أسرع بكثير من السهم الطويل للرواية".

قلتُ: "بهذه الطريقة يتم حذف كثير من الروايات الملأى بالحشو. تستطيع القصص القصيرة الجيدة أن توفِّر للتلاميذ في المدارس بشكلٍ خاص وللطلاب في الجامعات، مدخلاً رائعاً وواضحاً وسريعاً للولوج إلى عالم الأدب والسياسة والإحساس بقيمتهما، الشيء الذي لا تستطيع الرواية تحقيقه، إذ حتى القصة الشخصية جداً لأي مشروع كاتب لا يمكن فصلها عن الوضع السياسي القائم".

قالت فاتن: "لكن هذا ما يتطلّب عبقرية أدبية ما زالت غير متوفّرة في الشرق، أو لعلّها متوفّرة لكن لا سوق لها أو مغمورة لألف سببٍ وسبب، ليس كل ما تطبعه دور النشر وما تسوِّقه أسواق الأدب في عهد الدكتاتوريات هو الأرقى والأجدر. في اتحاد الكتاب العرب، منزل العجزة والأميين، كما يسميه أبي، هناك ملايين الأوراق المطبوعة والمكدَّسة في المستودعات، التي لا تصلح للقراءة أو البيع. الورقة صبورة لا ترفض الحِبْر، يقول المثل الألماني".

قلتُ: "في الجودة والكَيْف تكمن قوة الأدب وليس في الكَمّ، ربما أكثر من نصف الإنتاج الأدبي ليس فقط في الشرق وإنَّما في العالم قاطبةً لا قيمة له، عملية تكرار منسوخة مشوهة، المبدعون قلة والمُتَطَفِّلون كثر لا حصر لهم".

تابعت فاتن حديثها: "ثَمَّة أمر لابد من ذكره، قرأتُ معظم أعمال الروائي مينه حتى روايته المُسمّاة المرصد، لا أعتقد أنّه سجّل التاريخ الحقيقي للحياة السياسية والاجتماعية في سوريا، لكنه كان الأكثر موضوعية على الأرجح. لم يكتب عن إيجابيات التواجد الفرنسي في بلدنا مثلاً، أعتقد أنّه لم يستطع التعاطي بجرأةٍ مع هذه القضية بحكم منبته السياسي والحزبي، لا أفهم كيف يكون الأديب مُتحزِّباً! لولا فرنسا لما تأسّست في بعض بلدان الشرق مبادئ الإدارة ومشروع الدولة وبعض المدارس الهامة والشوارع الرئيسية والأبنية الحكومية والجسور الخلّابة، وجودها سرّع نمو العلاقات الرأسمالية في الشرق، خلق نوعاً من درجات التطور الاِجتماعي التي ما زالت سائدة حتى الآن، لقد بكّر الفرنسيون حقاً في الخروج من بعض البلدان".

قلتُ: "للأسف لم يستطع الأدب العربي أن يتجاوز حدوده وواقعيته، بقي متواضعاً منذ الاستقلال، معظم كتّابنا فقراء الأفق، الكثير منهم يلجأ لرواية تفاصيل جنسية لا تغني النص إنَّما تساعد في اِنتشار الكتاب وبيعه، خاصة لدى شعوبنا التي لا تمتلك حق الثقافة الجنسية أو ثقافة الحب غير المرتبط بالزواج. نادراً ما يستطيع أن يكتب أحدهم قصة دون استخدام كلمات مثل سيجارة، كأس، اِمرأة، وطن. معظم أعمالهم بسيطة ومع هذا يعتقدون أنَّهم في القمة، ينبغي عليهم مرة واحدة على الأقل إظهار ذعرهم وقلقهم على القرّاء، لا أنْ يكونوا دائماً واثقين ببلادةٍ من المفعول السحري لرواياتهم وقصصهم وأشعارهم، التواضع هو الدَّاء الأجمل الذي قد يصيب المرء".

قالت فاتن: "الشيء ذاته ينطبق على شخوص السياسة في بلدنا، السياسة كالشعر والرواية واللوحة لا تليق بكل من يمارسها شفاهيةُ أوكتابةً أو رسماً. ليس كل من قرأ وكتب صار فهيماً، ولا أستثني نفسي هههههه، أحلم أن يأتي ذلك اليوم، بل لا بد أن يأتي، حيث يقوم العرب في أوطانهم بتَكْنِيس سوق الجماليات من أدب وموسيقى ورسم ونحت، بتَكْنِيس سوق العلم والبحث العلمي أيضاً، تطهيرهما من الأقزام والمُتَطَفِّلين عليهما، من رجال الأمن وحُرَّاس الدكتاتوريات".

قلتُ: "القادرون على السرد الأدبي أو السياسي التحليلي للتفاصيل الحياتية بكل أبعادها ومضامينها وربطها مع بعضها البعض دون إضاعة الهدف المراد، هم القادرون على قراءة جوهر الأشياء، هم فلاسفة وعلماء وإن وُجدوا لا يستحقون منا إلا الاحترام ورفع القبعات عالياً". توقفتُ لبرهةٍ ثم تابعتُ فكرتي: "فن الرواية السورية ما زال يافعاً، وفقاً لأكثر من مصدرٍ عن الدراسات النقدية بشأن هذا النوع الأدبي لم يكن هناك أكثر من ثمانين رواية حتى عام النكسة، دارت أفكارها وحبكاتها حول المستعمر والمقاومة الوطنية والرغبة بالتحرُّر والاستقلال، حول قصص المرأة، حول الصراع ضد أرباب العمل والاِصْطِفاف على مقربة من الفكر اليساري. بعد عام الهزيمة والسنوات العشر التي تلته كُتِبَت حوالي مئة وثمانين رواية، وفي السنوات العشر الأخيرة وحتى عامنا هذا 1987 بلغ عدد الأعمال الروائية المكتوبة حوالي المئة رواية، وسأخمِّن أنّ مجموع ما سيُكتب في السنوات العشر القادمة قد يصل إلى حوالي مئة رواية، وهكذا سيكون العدد الإجمالي لما كُتِبَ وسيكتب لن يتجاوز الخمسمائة عمل روائي مع نهاية القرن العشرين، وإذا ما قُورن الرقم المذكور مع العدد الوسطي لسكان سوريا وعدد الكتّاب المساهمين في كتابة الرواية، فسنجد أنَّ هذه التجربة الأدبية ما زالت إلى الآن في طور التكوين".

غيَّرت فاتن جلستها، لامس كتفها ذراعي، شعرت بلذة الحفيف، لعنت في سري حديثنا الذي لا ينتهي، أشعلتْ سيجارتين وأعطتني واحدة، نفختْ دخانها باتجاهي وقالت: "اِسمع يا أحمد، هناك نصوص أدبية غربية لا وجود لمثيلها في الشرق، نصوص مكثفة ومعقدة ومهمة، كمعادلات الميكانيك العالي، لا يمكن فهمها ببساطة أو ترجمتها. لم أقرأ في حياتي مقطعاً سردياً يفوق في تكثيفه وتنوُّع عناصره وشخوصه وأحداثه وألوانه، كالمقطع الذي وصف فيه الأديب تولستوي وصول السيدة آنا كارينينا إلى محطة القطار. الأديب الحقيقي ليس إلا سائق سيارة نبيه، يتوقف بسيارته أمام إشارة مرور حمراء، تمتد أمام ناظريه متاهة لتقاطع طرق سيارات ودراجات ومشاة، فجأة يقع حادث سير، يبدأ برصد كل التفاصيل في الوقت ذاته، يرى حركات عناصر الشرطة، أرقام بعض السيارات، بقع دم، حتى أنه يسمع من بعيد أصوات سيارات الإسعاف، بكاء طفلة، صوت اِمرأة تنهنه، شخص يتأوه، ويلمح في الطرف الآخر شاباً واقفاً في حالة تماس وتضامّ مع حبيبته بعد أن أبعد شفتيه عن شفتيها من وقع الدهشة..."
*****
يتبع