قصيدة النثر العربية مآلاتها وطرائقها رؤية تأويلية وبيان

حكمت الحاج
2018 / 2 / 27

أولا: الرؤية
ما هي قصيدة النثر؟
اسمه قصيدة النثر. هذا المختلط الأمشاج، المشتبه فيه، والمتناقض، اللقيط، ولكن اليتيم أيضا، يثير تساؤلات تتطلب مزيدا من التدقيق في كل شكل شعري راسخ في اللغة العربية، وخاصة القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر. قصيدة النثر لا تطرح السؤال "ما هو الشعر؟" فحسب، بل أيضا وأكثر من ذلك، تحثنا على أن نسأل: "ماذا يمكن أن يكون الشعر باللغة العربية؟" هذا سؤال لا يهتم كثيرا بتعريف ما هو معروف ومتداول في تقاليد قبلت منذ فترة طويلة التمييز الواضح جدا ما بين الشعر والنثر. انه سؤال في احتمالية طرحه قد يكون مثيرا ومزعجا على حد السواء.
ما هي بالضبط قصيدة النثر؟
هل سبق لك أن واجهت شيئا يدعى قصيدة ولكن يبدو وكأنه نثر؟ على سبيل المثال، ربما تقرأ كلمات أغنية، لكنها مكتوبة في شكل فقرة أو فقرات؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنك ستكون أمام قصيدة نثر. قصيدة النثر، مثال على نوع هجين من الكتابة. ان قصيدة النثر تحدث عندما يكتب شخص ما نثرا باستخدام تقنيات الشعر، أو يكتب شعرا باستخدام تقنيات النثر.
قبل أن نتمكن من فهم ما هي قصيدة النثر، من المهم أن نفهم النثر والشعر كنوعين أدبيين مستقلين. النثر هو أي شيء مكتوب بدون القياس الشعري. حسنا، هذا تعريف سهل بما فيه الكفاية، ولكن ما هو القياس الشعري بالضبط؟
قياس الشعر أو عيار الشعر هو إيقاع القصيدة. إذا كنت قد سمعت أي من معلقات الشعر العربي الشهيرة أو أحدث أغنية هيب هوب عربية، هناك احتمال أنك قد لاحظت أنهما رغم بونهما الشديد، يمتلكان إيقاعا معينا ووزناً واضحا. ويستند هذا الإيقاع على عوامل مختلفة، بما في ذلك الأبحر الشعرية السنة عشر في العربية، وكذلك النبر والتقطيع وحساب التنفس في الشعر العامي والقصيدة المغناة أو في شعر السلام والراب، وكذلك إذا كان شخص ما فضل قراءة الكلمات بصوت عال.
هناك أكثر من عيار للشعر، بطبيعة الحال. وغالبا ما تكون القصائد مركبة من صور وتؤكد على الأوصاف البصرية، بما في ذلك الاستعارات، في حين أن النثر يميل إلى التركيز على جوانب مثل السرد والشخصيات والحبكة. وبالإضافة إلى ذلك، الشعر يلعب كثيرا على الاستفادة من اللغة بوصفها نظام تصويت، باستخدام التكرار والقافية.
لإعادة صياغة ذلك نقول: النثر هو سرد لا يتتبع أي إيقاع، ويعتمد الكناية أساسا. في حين أن الشعر هو الإيقاع والصورة المستندة الى اللغة. فما هي قصيدة النثر اذن؟ الأمر بسيط جدا. قصيدة النثر هي أي شيء يجمع بين هذه العناصر في قطعة واحدة من الكتابة! إذا كنت تريد تعريفا أكثر صرامة، قصيدة النثر هي الشعر الذي لا يكتب على شكل أبيات، ويحتوي على باقي سمات الشعرية الأخرى مثل الإيقاع والاستعارات.
اذن، النثر: يكتب في فقرات. يحكي قصة بدلا من أن يصف صورة أو استعارة. عموما لديه كناية وحبكة لأجل المعنى. الشعر: يكتب في أبيات حسب مقايسات الشعرية. يركز على الاستعارات التي تحركها الصورة. وقد يكون متضمنا بعض السرد، ولكن قد يكون مهما في إيصال المعنى أو قد لا يكون. قصيدة النثر: تكتب في نظام الفقرات. تركز على الصور والاستعارات. تحتوي كنايات سردية. تعتمد على اللعب باللغة، وتقنيات مثل التكرار.
لماذائية قصيدة النثر!
‎‏‏حسب بروك هورفث، نقلا عن فراديس، صوت قصيدة النثر العربية الأقوى، فإنّ النثر (بإيقاعاته، واستعماله لفضاء الصفحة الخ) يقدّم إمكانات ينبغي للشعر أن يمتلكها إذا كان له أن يحتفظ بمكانته كاستعمال للغة يستغلّ أقصى إمكاناتها .ونحن قد نلجأ لقصيدة النثر اذا كانت بعض مقاصد أو تأثيرات قصائد معيّنة لا تحتاج أو لا تقدر على استخدام مصادر الشعر الموزون بكاملها. كترتيب الأبيات، التفاعيل. الخ. ولذلك عليها أن تتجاهلها أو تستبدلها بملامح أخرى ملائمة أكثر للنثر. إنّ قصيدة النثر تقدّم نفسها كشكل متحرر نسبيا من التقاليد والعادات السائدة، مثريةً بهذا حرية الإبداع، والتحرّر من الجدية، والقيود المقبولة، والوعي الذاتي بأدب منتج. إنّ قصيدة النثر تستطيع أن تقدّم الوسائل الممكنة لقول ما لـم يعد ممكنا قوله، وكذلك ما لم يُقل بعـد، متيحة بذلك المجال لدخول أنواع متعدّدة من المحتوى (غير الشعري) وهذا السياق يغتني بطبيعة قصيدة النثر الهامشية أصلا، ممّا يشجّع على حميمية التواصل والإكتشاف الذاتي: قصيدة النثر بوصفها وسيلة لرؤية وقول شيء جديد، تكونه. كذلك، وما زلنا مع هورفث، فإنّ قصيدة النثر كأداة اكتشاف جمالي قد تكون فعّالة في تقصي الشعر عن طريق أحكام مختلفة، وعن طريق أسلوب من "النحو " مختلف عمّا هو عليه في كتابة الشعر المنظوم.
لكن برأيي فإن من أهم الأسباب التي تدعونا إلى لماذائية قصيدة النثر وراهنيتها، إنّ قصيدة النثر تتيح لنا أن تتخلّص من الفخ الإيديولوجي المرتبط، والذي ارتبط طويلا، بشعر التفعيلة العربي. إنّ قصيدة النثر تشجّع القارئ على المشاركة كشريك خلاّق ليس فقط في استخلاص المعنى، وإنّما في تفسير النص كقصيدة. إنّ قصيدة النثر تتيح للشعري أن ينتعش وسط نثر الوجود. وأخيرا، فإنّ لقصيدة النثر القدرة بشكل خاص على ملاحقة المضمرات الحداثوية ونوايا ما بعد الحداثة، وما بعد بعدها.
‎‏شيء من تاريخ قصيدة النثر
رغم كل ما تم من تشكيك في أنها ليست أول من كتب قصيدةً وفق معايير الشعر الحر، وأن هناك الكثير من التجارب الفردية قبلها، تبقى نازك الملائكة هي المؤسس الأول للشعر الحر، حسب عبد القادر الجنابي، وأضم صوتي اليه، لأنها أول من نقل تجارب إيجاد شكل شعري متحرر من بعض القيود التي لم يعد لها معنى، من حيز التجريب غير الواعي إلى فضاء التجريب الواعي والمقصود، واطلاق تسمية عليه، وبالتالي فتح مواجهة طويلة مع المعطيات. فالقصدية هي الأساس في كل شيء. ولواضع التسمية دوره المؤسس. لكنها كشاعرة تربت في بيئة محافظة، وكامرأة في وسط أدبي ذكوري، لم يسمح لها الانفتاح التجريبي المهدد للتراث الذي فرضته أوضاع خمسينات القرن الماضي، إلا أن ترتد، أن تتقوقع في ما أجترحته من تجديد وأن تتوقف عند الأسس الأولى (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق..)، جاعلة من هذه الأسس الأولى قيودا خليلية جديدة، وليست نقاط انطلاق نحو حرية أكبر، بل أصبحت خائفة حتى مما قامت به من كسر لبعض القيود، ذلك أن "كلَّ ميلٍ"، كما أكدت نازك، "إلى تحكيم الشكل في المعنى يغيظ الشاعر المعاصر ويتحداه". وبالفعل شَعر الشعراء الجدد وعلى رأسهم توفيق صايغ، ثم محمد الماغوط وأنسي الحاج، بضرورة التوسع في إمكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء أكان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو بقياسات شعر التفعيلة حتى طفقوا "ينبذون الأوزان القديمة نبذا تاما"… وهكذا، يقول الجنابي، وضعت نازك الملائكة من خلال تحرير الأوزان وتليينها، بذرة لقيط سيكون له اسم حركي: "قصيدة النثر".
شيئ من تكنيكات قصيدة النثر
لكي تكون شاعر قصيدة نثر حديثا وحداثيا يجب ان تكون شاعرا لك رؤيا خاصة للعالم وتمتلك طاقة الخلق الفني. دون ذلك، يقول أدونيس، يمكن لكل من يعرف الكتابة ان يكتب وفقا لتكنيك معين يتيح له ان يدرج اسمه بين كتاب الحداثة. ويا للبشاعة آنذاك: بشاعة الحداثة وبشاعة الكتابة.
ان قصيدة النثر كمثل البحور والاوزان، ما هي الا آلة، بالمعنى الذي كان ابن رشد يصف المنهج ردا على الذين كانوا يتهمونه بأنه يستخدم المنهج الارسطي في التفكير.
قصيدة النثر في اللغة العربية وقصيدة النثر في آداب الامم الاخرى لا يجمع بينهما الا الاسم الواحد او الجنس الادبي الواحد. لكن ما اعظم الفروقات الشعرية بينها وما اكثر التباينات الفنية وأعمقها. قصيدة النثر العربية تفترق عن غيرها بخواص ومزايا يفرضها بدئيا فرق اللغة والاشتغال اللغوي.
ان الخلل الاساسي في المناقشات حول الشعر الموزون والشعر الحر وقصيدة النثر والنثر الشعري يكمن أساسا في ضحالة المعرفة الشعرية، وفي النظر الأعمى كما يسميه أدونيس والمتأتي من التحزب والتعصب. وهذا هو البلاء كما يقول الجرجاني.
الشعر شكل وتقنية. قصيدة النثر كذلك. ابتكر أشكالك الخاصة بك عبر تقنيات ترتادها بكرا وتلفظها بعد ذلك.
الصراع مع اللغة وربما الاصدام بحاجزها السميك عبر ما يسمى بمشكلة الإعراب، ومسألة المثنيات، والضمائر والاسماء الموصولة، ملمح أساس في النظر والتأريخ لقصيدة النثر. يوسف الخال أنموذجا. لكن أدونيس على العكس من يوسف الخال لم يكن يرى ان إلغاء الإعراب (الاختصاص بالحرف الاخير) وحركاته يطور اللغة العربية ويجددها، بل يرى ان في ذلك إلغاءا لخاصية أساسية من خواصها البيانية تتعلق بطبيعة العلاقات بين الكلمات والاشياء.
لا فصل ولا أفضلية بين اللفظ والمعنى. أفضلية اللفظ تؤدي الى معرض ألفاظ، وأفضلية المعنى تؤدي الى معرض حكمة. وهو في الحالين فصل خاطئ، يجزأ ما لا يتجزأ، وما يقصده أدونيس هو بنية الخطاب الشعري.
نظرية الإذابة عند أدونيس نقلا عن دلائل الاعجاز للجرجاني، جديرة بالانتباه أيضا: الشاعر من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة وتكون المزية الشعرية لا في المشترك العام لفظا ومعنى، بل في خصوصية هذه الإذابة، أي في الأسلوب الذي هو ضربٌ من النظم وطريقةٌ فيه. ويمثل الجرجاني على ذلك بهذا البيت الشهير للنابغة الذبياني: كـأن مثارَ النقع فوق رؤوسنا وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبه.. فيقول ان هذا البيت كلامٌ واحد نتيجةٌ لاتحاد المعنى.
ثمة تكنيك آخر شهير اعتمده في قصيدة الفراغ عبر حيلة وزنية: خرج في هذه القصيدة أدونيس على نظام الشطرين والشطر الواحد. استخدم شطرا واحدا مستقلا كأنه فاصلة، وشطر الشطر نفسه، فاستعمل حينا تفعيلة واحدة لشطر واحد أو لبيت واحد، وحينا تفعيلتين أو أكثر، وفقا للتناسب الايقاعي. ولم يكن معتنيا بالقافية عناية خاصة.
كان يوسف الخال قد نشر في العدد الاول من مجلة شعر عام 1957 قصيدته الحوار الأزلي وهي أول قصيدة عربية حديثة موزونة وفقا للنظام الخليلي التفعيلي لكنها خالية تماما من القافية. والقصيدة في سياق النقاش الذي كان دائرا حول ما سمي بالشعر الحر، حدث بنائي ايقاعي، وأكثر تقدما في هذا الاطار من جميع القصائد التي كانت قد كتبت حتى ذلك الوقت، على ذمة ما كتبه أدونيس في كتابه "ها أنت أيها الوقت". وتعد هذه القصيدة النموذج الأول لما سمي فيما بعد بالقصيدة المدورة. بما يعني ان التدوير كان جسرا صغيرا للولوج الى قصيدة النثر. لكن ذلك حتى على يد أكبر شاعر عربي تصرف فيه وأنتج شعرا عظيما، ألا وهو حسب الشيخ جعفر، لم يستطع الذهاب الى أبعد في الخطوة، لا في اتجاه الشعر الحر التفعيلي، ولا في اتجاه قصيدة النثر.
شيئ من أيديولوجيا قصيدة النثر
في معالجة هذه المسألة (إشكالية قصيدة النثر ووظيفتها التـاريـخيـة) وهي مسألة حاسمة في أيّة ممارسة تأويلية، ينبهنا جوناثان مونرو الى أنّها تحمل أهمية خاصة تتمثل بميل قصيدة النثر إلى الإحياء الجزئي للأصوات الضائعة، التي دأبت أجيال من الكتّاب والنقّاد على اعتبار كلامها النثري وصراعاتها اليومية- الصراع من أجل سلطة الكلام- غير جديرة بالإهتمام. لقد برهنت قصيدة النثر خلال تاريخها القصير نسبيا (عربيا وحتى عالميا) على انشغال فائق بالعالم النثري للموضوعات المادية في الحياة اليومية وفي انسجامها مع التوتّر الذي يلمّح إليه إسمها مالت قصيدة النثر إلى إلزام نفسها- على نحو مباشر وغير مباشر- ليس فقط بالصراعات الجارية داخل النوع الأدبي بالمعنى الإجمالي الضيّق، بل أيضا بالصراعات السياسية الأكثر جلاء في حقلي الجندر والصراع الطبقي.
ولأنّها نثر وشعر معا ولأنّها ليست نثرا وشعرا فقط فإنّ قصيدة النثر هي موقع المواجهة على حد عبارة بارباره جونسون بين الداخل والخارج حيث يتهدّد الإنهيار مجمل التمايز بين النثر والشعر، إنّها أيضا الموقع الذي يشهد استمرار التمايز رغم ذلك، وسواء تحدثنا عن كلمتي " نثر" و"قصيدة" أو حتى عن انهيار الكلمتين في مصطلح فرانسيس بونج بروئام Proème (نثريدة)، والترجمة لصبحي حديدي، فإنّ قصيدة النثر تعتمد في وجودها ذاته ليس على الفارق المتواصل بين المصطلحين الذين يعرّفانها فحسب، بل على حالة التعارض المتواصلة بينهما أيضا.
مثل هذا التشديد على المضمون كسمة تكوينية محدّدة للشكل يرتدي أهمية خاصة في حالة قصيدة النثر بوصفها النوع الذي يتميّز جزئيا بندرة نسبية في المتطلبات الشكلية كما أشار تودوروف. ومن المفيد في هذا السياق العودة إلى ما فعلته جيرترود شتاين حين أعادت كتابة الصراع بين الرجال والنساء كصراع بين النثر والشعر. صراعات الجندر والنوع الادبي هذه يعبّر عنها نص شتاين بموضوعات التدبير المنزلي التي لا تكون مجرد علامات على إخضاع المرأة جنسيا فحسب بل على إخضاعها الإقتصادي أيضا. ومنذ بداياتها الأولى تكهّنت قصيدة النثر بنوع من التقابل الجدلي بين النوع الادبي والصراع الاجتماعي. ان تحوّل بودلير من الشعر إلى قصيدة النثر هو ببساطة إقرار بسلطة الايديولوجيا المقترنة بالطبقة الجديدة الصاعدة، إذ أنّ النثر في منتصف القرن التاسع عشر بات النوع الذي تفضّله البرجوازية بوضوح وبتحوّله إلى قصيدة النثر كان بودلير يشاطر البورجوازية انتصارها ويوسع حقل هيمنتها ليشمل ميدان الغنائية المقدّس سابقا.
النثر الآن يحتلّ أرض الشعر وفتوحاته هذه يمكن أن تُرى كرشق جمالي لانتصار البرجوازية على الأرستقراطية. وهكذا تكون قصيدة النثر في أيام بودلير قد أسدت خدمة إيديولوجية كدليل على الإنتصار النثري للطبقة المالكة لامتياز النثر مثلما هي دليل الصورة الذاتية الشعرية للبرجوازية مقابل خيلاء الإرستقراطية وادعاءاتها. ويختتم مونرو حديثة قائلا إنّ مقاومة موت قصيدة النثر تكمن في الطموح الذي جسّدته منذ بداياتها الأولى لإيجاد حل نهائي لنزاعات الجندر والطبقة والنوع الادبي تلك التي تواصل الإعتماد عليها في تحقيق وجودها ذاته إذا شاءت أن تكون أكثر من مجرّد شكل فارغ.
عود على تكنيك في قصيدة النثر
كان بودلير أول من أخرج قصيدة النثر كمصطلح، من دائرة النثر الشعري إلى دائرة النص: الكتلة المؤطرة. هذا ما يقوله الجنابي في معرض حديثه عن مواصفات هذا النوع الأدبي. ويواصل قائلا ان قصيدة النثر ولدت على الورقة أي كتابيا، وليس كالشعر على الشفاه، أي شفويا. لم ترتبط بالموسيقى كالشعر ولم يقترح كتابها أن تُغنّى، ولا يمكن أن تُقرأ ملحميا أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر/ سطر وآخر كما في قصائد الشعر الحر التفعيلي. إن غياب التقطيع أو التشطير في قصيدة النثر يشكل علامتها الأساسية. ففي النظم الحر، في نهاية كل سطر أو بيت يكون فراغ البياض، وهذا البياض هو لحظة تنفس إيقاعي ضروري لجمالية القصيدة المشطّرة،كما يتغير فيها الإيقاع من شاعر إلى شاعر بسبب هذه الوقفة في سير الإيقاع. هذا البياض يمنح القصيدة الحرة هيئتها الشعرية، بينما قصيدة النثر تكتسب هيئتها وحضورها الشعري من بنية الجملة وبناء الفقرة... والبياض غير موجود إلا في نهاية الفقرة التي تجعل القارئ مستمرا في القراءة حتى النهاية. علينا ألا ننسى أيضا أن "الشعر" كلمة عامة وشاملة يمكن أن تطلق على أي شيء، بينما كلمة قصيدة تدل على وجود مستقل، بناء لغوي قائم بذاته.
يمكن لشاعر قصيدة النثر أن يبدأ من أي مدخل يشاء: "كان ياما كان... " "عندما كنا... "، "ذات ليلة، عندما... ".. المدخل إذن سهل جدا، كما يقول عبد القادر، بينما الصعب في قصيدة النثر هو الخروج منها، أي نهاية القصيدة. لا يكفي أن تعرف كيف تبدأ فحسب وإنما عليك أن تعرف كيف تخرج من، أي تختم، القصيدة، كما يقول روبرت بلاي.
تكمن شعرية قصيدة النثر، حسب أهم شعرائها العرب ونقادها ومنظريها، عبد القادر الجنابي، في المكون الأساسي الذي من خلاله يمكننا أن نُميز قصيدة النثر عن باقي الكتل والنصوص والأشعار النثرية. إنه اللاغرضية (والبعض يترجم gratuité بالمجانية). وبالتضافر مع الاختصار brièveté، (وهو نتيجة تقاطب عنصرين أساسيين يعملان داخل قصيدة النثر،كل وفق حركته؛ قاعدته: الحدّة intensité حيث السرد المتحرك بين جملة وأخرى، يشدنا بسلسة واحدة من البداية حتى النهاية دون أي تباطؤ)، نحصل على قصيدة نثر حقيقية متكاملة.
تاريخانية قصيدة النثر
إذا كانت قصيدة الوزن مجبرة على اختيار الأشكال التي تفرضها القاعدة أو التقليد الموروث، فإنّ قصيدة النثر حرّة في اختيار الأشكال التي تفرضها تجربة الشاعر الشخصية. وهي من هذه الناحية، تركيب جدلي رحب، وحوار لا نهائي بين هدم الأشكال وبنائها. يقول أدونيس إن الإيقاع الخليلي خاصية فيزيائية في الشعر العربي. هذه الخاصية هي الطرب، في الدرجة الأولى. وهي، من هذه الناحية تقدّم لذّة للأذن أكثر ممّا تقدّم خدمة للفكر.
الذهنية القديمة ذهنية تميّز بين الأنواع، وترغب في أن يظل النظام الهندسي سائدا في الشعر والفن بعامة، كما كان سائدا في الماضي. لذلك ترى في قصيدة النثر لقيطا مخيفا، ومخلوقا مشوّها لا يمكن أن يعيش .
لا شكّ أنّ الشعر في نشأته ذو صلة بالموسيقى. فقد كان تكرّر الصوت في فواصل منتظمة وتساوي اللحظة الموسيقية في الأبيات أو تواقتها، يسهّل الترانيم الشعرية القديمة. لكن في قصيدة النثر، ايضا، موسيقى. لكنّها ليست موسيقى الخضوع للإيقاعات القديمة المقنّنة، بل هي موسيقى الاستجابة لإيقاع تجاربنا المتموّجة وحياتنا الجديدة - وهو إيقاع يتجدّد كل لحظة.
هناك عوامل كثيرة مهّدت، من الناحية الشكلية، لقصيدة النثر في الشعر العربي حسب أدونيس. منها التحرّر من وحدة البيت والقافية ونظام التفعيلة الخليلي. فهذا ‏التحرّر جعل البيت مرناً وفرّ به إلى النثر. من هنا الخطورة في قصيدة النثر. فمن الصعب أن يكون الانسان شاعرا صحيحا في النثر، لأنّ تحرّره من قوالب جاهزة وقوانين موروثــة، يفرض عليه أن يخلق قوانينه الفنية الملائمة، والخلق بحرية، أصعب جدّا، من الخلق بقواعد معيّنـة. إنّ قصيدة النثر خطرة، لأنّها حرّة .يقول أدونيس.
والآن، إذا كان البيت هو الوحدة البنائية في قصيدة الوزن، فما هي الوحدة في قصيدة النثر؟ الجواب هو أنّ الوحدة هنا هي الجملة، هذه الوحدة المتموّجــة. من هنا تخلق قصيدة النثر إيقاعا‎‏ جديدا لا يعتمد على أصول الإيقاع في قصيدة الوزن. وهو إيقاع متنوع يتجلّى في التوازي والتكرار والنبرة والصوت وحروف المدّ وتزاوج الحروف وغيرها.
إنّ قصيدة النثر عالم كامل، منظم، جميع أجزائه متماسكة، كاملة بذاتها، تحمل معناها وغايتها.فلا يمكن أن نسمي صفحة نثر مهما كانت شعرية، تدخل في رواية أو في صفحات أخرى ، قصيدة نثر.
على ضوء هذا كله، يحدّد أدونيس لقصيدة النثر الخصائص التالية:
أولا يجب أن تكون صادرة عن إرادة بناء وتنظيم واعية: فتكون كلا عضويا، مستقلا. تكون ذات إطار معيّن. وهذا ما يتيح لنا أن نميّزها عن النثر الشعري الذي هو مجرّد مادة، يمكن بها بناء أبحاث وروايات وقصائد.فالوحدة العضوية خاصية جوهرية في قصيدة النثر. فعليها، مهما كانت معقدة، أو حرّة في الظاهر، أن تشكّل كلاّ وعالما مغلقا، وإلاّ أضاعت خاصيتها كقصيدة.
ثانيا هي بناء فني متميز. ليست رواية ولا قصّة ولا بحثا، مهما كانت هذه الأنواع شعرية. فقصيدة النثر لا غاية لها خارج ذاتها، سواء كانت هذه الغاية روائية أو أخلاقية أو فلسفية أو برهانية. وإذا هي استخدمت عناصر الرواية أو الوصف أو غيرها، فذلك مشروط بأن تتسامى وتعلو بها لغاية شعرية خالصة. فهناك مجانية في القصيدة، حيث لا تتقدّم نحو غاية أو هدف، كالقصّة أو الرواية أو المسرحية أو المقالة، ولا تبسط مجموعة من الأفعال أو الأفكار، بل تعرض نفسها ككتلة لازمنية.
ثالثا الوحدة والكثافة، فعلى قصيدة النثر أن تتجنّب الإستطرادات والإيضاح والشرح، وكل ما يقودها إلى الأنواع النثرية الأخرى. فقوتها الشعرية كامنة في تركيبها الإشراقي، لا في استطراداتها. قصيدة النثر إذن شاملة، مجانية، كثيفة ذات إطار مغلق، مقفل على نفسه. إنّها عالم من العلائق.
الأقليات وقصيدة النثر
ولأنّها تكشف بقوة الرغبة الطوباوية التي تتملّك الأدب والمجتمع في فتح نفسه على الأشكال السابقة المقصاة من الخطاب أو المجموعات الإجتماعية المرتبطة به، فإنّ قصيدة النثر، حسب جوناثان مونرو، تقدّم فرصة فريدة لدراسة الجهود الرامية إلى استيعاب الأقليات والنساء والسود والمهمّشين السابقين بالمعنيين الإيديولوجي والطوباوي للكلمة. إن كل محاولات كتابة الشعر باستخدام النثر الأولى كان خلفها شعراء مسيحيون ويهود عرب. فقد وجد الشعراء المسيحيون في النثر كأداة لقول الشعر عدةَ فرص في فرصة: فكتبهم المقدسة تعتمد على هذا النوع ومحاكاتهم لها تعني ارتباطهم الوثيق بكتبهم ومقدساتهم، كما أنهم وجدوا فيه مرآةَ هُوية، ولغة مشتركة تجمعهم كأقليات في العالم العربي دون الحاجة للانفصال بلغة أخرى، بالإضافة إلى أنه الرابط الذي كان يجمعهم بنظرائهم من أبناء دينهم في المجتمعات الغربية، إن الشعر المنثور كان بؤرة الهوية لهذه الأقليات المشتتة بين هويات متعددة: هويتها العرقية العربية، وهويتها الدينية المسيحية أو اليهودية. وكما ينقل لنا الناقد عادل الزهراني رأيه المعتمد على مطارحة صاموئيل مورييه بخصوص قصيدة النثر عند العرب، نرى إن ثمة أسلوبين سيطرا على الأجناس التي تراوحت بين الشعر والنثر هما الأسلوب الذي تأثر بالقرآن الكريم والآخر المتأثر بالكتاب المقدس. فالمحاولات التي اعتمدت الأسلوب الأول أو حاولت المزاوجة بين الأسلوبين فشلت من وجهة نظر مورييه، أما تلك المحاولات التي حاكت الأسلوب الإنجيلي أو التوراتي فقد حازت نجاحاً ملحوظاً. ويبرر موريه لهذا بقدرة كتاب الأسلوب الأخير على الحديث عن عواطفهم بحرية وبث أفكارهم بوضوح بينما لم يستطع الآخرون الذين اعتمدوا الأسلوب القرآني ذلك؛ لأن هذا الأسلوب الأخير يعتمد اعتماداً كلياً على التعقيدات البلاغية مما يعيق هذا التدفق العاطفي ويمنع استرسال الأفكار في النصوص.
المعنى وقصيدة النثر
هنالك الكثير من عدم الجدوى في البحث عن وظائف مزعومة لقصيدة النثر أو غايات مرسومة لها. فإننا كي نجيد قراءة قصيدة نثر معينة ليس لزاماً علينا أن نفهم معناها، ذلك إن الشعر لا يحتمل فكرة النجاح. فاللصوص وحدهم كما يقول شارل بودلير هم المقتنعون بضرورة نجاحهم.
بين عالمنا هنا والآن والعالم البديل تتراوح حقيقة الشعر الذي هو حقيقي أكثر من أي شئ، وحقيقته هذه لا تبين الا في عالم بديل. ومن هنا تتأتى أهمية مكانة الشاعر حيث التدمير هو تمظهره الرئيسي. فأن تكون شاعرا يعني أن تكون مدمِّراً. ولكي يكون هذا العالم موجوداً يجب ان يفعل الشاعر فعله الأصلي: التغيير.
الشعر نشاط عشوائي. هذا صحيح، لكنه يحتوي على عدد من الإمكانات أكبر بكثير مما يحتويه أي نشاط موجه. ان الشعر الزائف هو الذي يتضمن إفراطاً في التعبير عن المعنى بدلا من عرضه بصورة سرية. وكما يؤكد احد النقاد فإن المعنى المباشر في القصيدة هو جزؤها الكدر غير الصافي.
إن أية ثقافة تريد ان تكون إنسانية، عليها ان تعيد للشعر مكانته وسموه. ففي عالم مزحوم بالتوتر والقلق والترقب والريبة والامتهان، وفي ظل وضع تتعرض فيه كرامة الإنسان الى امتحان قاسٍ، لا شئ اكثر مضايقة للشاعر من فضول أولئك الذين سيسألونه عن معنى قصيدته ومغزى شعره.
ثانياً: البيان
قصيدة النثر العربية: بيان من منظور تأويلي
ليس الأمرُ كما يحلو للبعض تثبيته، أمرَ وزنٍ وعروضٍ، وخروجاً عليهما، بل هو موضوع تحديد زاوية (الرؤية إلى العالم) وكيفية التعامل بصفة شعرية مع (الحرية) و(الوعي).
إن معالجة موضوع (تسمية) قصيدة النثر، ومعالجة وظيفتها التاريخية، وحضورها في الفضاء الثقافي العربي، تشكل بحد ذاتها مسألة حاسمة في أية ممارسة تأويلية. إلا أننا يجب أن ننظر إليها، وعبر تاريخها، على أنها جوهر متبدل، مقدمين بذلك جدولا بتصنيفاتها وجدولا بخصوص العلاقة التأثرية المتبادلة بينها وبين الأنواع الأدبية المجاورة لها، على أن يكون هدف الباحث في هذا الصدد: (موضعة) قصيدة النثر العربية كنوع أدبي في سياق جمالي وتاريخي مع الأنواع الأخرى.
إن ظاهرة قصيدة النثر في العالم العربي حالة أصيلة، وإن كانت في بعض الأوقات تبدو منتحلة، وان هذه الظاهرة ليست خارجة عن التكوين القومي، بالمعنى التاريخي. كما أن أية مقاربة لقصيدة النثر أو لتأرختها، في الفضاء الأدبي العربي، لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية، لا بل المحلية، سوف تكون مقاربة خاطئة من الأساس، لأنها ستكون قد طرحت على الظاهرة سؤالا زائفا لن تكون نتيجته في الأخير، غير مجموعة من أدوات الاتهام والمصادرة والأوهام التاريخية والتلفيقات النقدية من قبيل عدم اتقان العروض، التأثر بالشعر المترجم، الانخراط الطبقي في الروح البورجوازية، الـخ... صعودا إلى التمثل بالأجنبي والعمالة للغرب المستعمر، وتخريب الخيال التراثي العربي، وما الى ذلك من الترهات.
فهل قصيدة النثر العربية، أو كما يكتبها العرب الآن، هي نوع أدبي؟ وإذا ما كانت نوعا أدبيا فما هي مواصفاته الأسلوبية والبنائية؟ ثم، من جهة أخرى: كيف وبأية صفة يتعايش هذا النوع مع الأنواع الأدبية الأخرى؟ وبالتحديد: ما هي علاقة قصيدة النثر (كنصوص متحققة) بالنصوص المجاورة لها من (شعر التفعيلة) ونصوص القصة القصيرة؟ وإذا ما كانت قصيدة النثر قد ساعدت على تنشئة نص سردي في رحم القصة العربية القصيرة، فكيف تم هذا التأثير؟ وهل هو تأثير متبادل ما بين النوعين؟ لقد نادت قصيدة النثر دائما بضرورة الانتباه للملفوظات اليومية، فما هو مقدار تأثير نثر الصحافة اليومية على تطوير لغة القصيدة النثرية؟
ومن جهة أخرى نتساءل عن: كيفية تعامل كتاب القصيدة النثرية مع النص القادم من التراث العربي، الإسلامي والمسيحي على السواء. ماذا فعلت الصوفية الإسلامية بصفتها العقدية والمرجعية بثوب قصيدة النثر المتبدل دوما؟ هل كان أم ما يزال كتابـها يتعاملون مع التراث بصفته إرثا مقدسا، أم بصفته نصا مدنسا ينبغي تطهيره، وذلك بالعمل عليه، وفيه؟
لقد ظلت مسألة المواصفات الخاصة بقصيدة النثر (كما هي منقولة من التراث الغربي، اللاتيني والانكلوساكسوني) وبين المواصفات المتحققة فعلا في النصوص النثرية العربية، ظلت من أهم النقاط التي لم يتوقف الحوار ولا الجدل بشأنهما في النقدية العربية بشقيها، المختصة والصحفية من أجل تحديد معنى قصيدة النثر. وطبعا، ونتيجة للنهل الميكانيكي من المرجع النقدي الغربي، وكذلك نتيجة لروح العداء المتلبسة نقد نقادنا (المؤصلين)، لم يكن من الممكن استشفاف ولا استشراف (الروح الجديدة) لعمل قصيدة النثر. فلا يمكننا أن نفرض على ظاهرةٍ ما في التاريخ، أفكارا من خارجها، قد لا يحتملها السياق. فإن فعلنا ذلك فإننا سنكون بعيدين بشكل مستحيل عن مقاربة الظاهرة نقديا، ففي الحالة هذه، نكون قد أغفلنا درس السمات الأساسية للظاهرة المطلوب فحصها.
وهذا هو بالضبط ما حصل بشأن قصيدة النثر العربية وموقف النقاد منها. فقد استمرت هي بالجريان وحفر الطريق لنفسها، بينما النقد المؤيد والمعارض على السواء في واد غير ذي زرع. وكانت هي تؤتي أكلها من تشاء، ومن يشاء.
إن النوع الأدبي أو الجنس الأدبي هو مؤسسة أدبية في جوهره. وبما أنه كذلك، فهذا يعنى أنه عقد "اجتماعي" أو (شرعة قرائية) بتعبير (هانز روبرت ياوس)، بين (مؤلف) وبين (قارئ) محدد. وتكمن وظيفة هذا النوع في تحديد الاستخدام المناسب لإنتاجيات ثقافية بعينها. وفي ضوء ذلك قد يقال بأن قصيدة النثر العربية تطرح نوعا من التعاقد غير اعتيادي بالقياس إلى التعاقدات الأدبية، ذلك أنها تلزم نفسها على نحو مباشر وغير مباشر، بالصراعات الجارية داخل الحقل الأدبي، وأيضا بالصراعات السياسية المتجلية في حقلي الجندر والصراع الطبقي. إنما ذلك محاولة منها للتقرب أكثر إلى القارئ، ذلك الذي انصرف وينصرف عن قراءة الشعر العربي (الحديث)، فأخذت قصيدة النثر تعبر أكثر فأكثر عن تطلعات القارئ وعن واقعه المتردي وتقدم في نفس الوقت بديلا محليا للشعر المترجم يلبي متطلبات القارئ الجديد في تذوق نوع من اللغة تختفي منها، بشكل أو بآخر، تلك الرطانة والفخامة اللغوية الموروثة عن عصر بائد، والتي لم تستطع قصيدة التفعيلة، نتيجة لعدم وضوحها الإيديولوجي وتذبذبها التاريخي، أن تتخلى عنه بالكامل.
ومع (موريس شابلان) فإننا نقول: إن قصيدة النثر لا تحدد، أنها موجودة وحسب. وكما يعلمنا (ياوس) أيضا فإنه ليس من الواجب على الباحث الذهاب إلى البواكير ومعرفة البدايات بل الواجب الفعلي عليه هو تقرير ما هو معطى وموجود، ومن ثم درسه وتصنيفه، ووضع كل حدث أو نص في تعاقبه الزمني، إزاء التاريخ العام. والهدف هو: من أجل التوصل إلى معرفة مدى جودة عمل أدبي ما، ومدى قابليته على الإجابة على سؤال أو أسئلة يطرحها القارئ أو تطرحها بيئة ثقافية ما. هذا هو واجبنا الذي يفرضه علينا وجودنا في هذا العالم. ذلك أن وجودنا في هذا العالم هو وجود تاريخي، ولن نستطيع- كما يقول (غادامير) أن نتفرج من قمة جبل، بينما في الأعماق يمور كل شيء.
إذن: قصيدة النثر العربية عمل فني له قابلية لتوليد انفعال خاص، يختلف تماما عن الانفعال العاطفي أو الحسي. وهي ليست قصيرة أو مكثفة بل مليئة بالاستطرادات والتطويل والحكي السائب وتقديم التعريفات والبراهين. ولقد كان ملمح التطويل أهم إضافة وضعتها قصيدة النثر في طريق التطوير الشعري، في سِنيِّ الثمانينات. ونحن نعتقد أن للحرب العراقية الإيرانية الطويلة (1980-1988) وللحرب الأهلية اللبنانية، ولانتصار تيار الفكر البنيوي حينها في مصر، اليد الطولى في بروز هذا الملمح.
قصيدة النثر العربية ليست قائمة بذاتها، إذ أن لعلاقاتها التجاورية مع الأنواع الأدبية والفنية الأخرى أهمية تذكر. أن جنينا سرديا (هو رغبة مكبوتة في القص والحكي) يتخلق دائما في رحم كل قصيدة نثر عربية أصيلة.
قصيدة النثر العربية ملتحمة جدا بكاتبها، في الوقت الذي لا تتورع فيه عن إقحام أمور لاتمت إليها بصلة، في صلب عملها. وذلك من أجل شيئين: مغادرة السيريالية (الكتابة اللاواعية روح النكتة)، والتحلي الكاذب بروح الوقار والجدية كاستعادة لجلال الشعر العربي القديم.
إن اختيار الأسلوب، وتحديد النبرة، يفرضان ما يمكن تسميته ب- (التواصل والانفتاح). فقصيدة النثر العربية ذات شكل غير متكامل ونسيجها هلامي، إنها عمل مفتوح على (المحتمل) دائما.
كما أنها تتحمل الاستفاضة في استعمال الأدوات الجمالية والمبالغة في الصور والمحسنات البديعية. وهي، أي قصيدة النثر العربية، لا تتحاشى الادعاء والتظاهر المتعمد. وعلى عكس ما يقوله الفرنسيون، فإن قصيدة النثر العربية: تبدو مثل (فاترينة) صائغ في احدى أسواق الذهب في أية عاصمة عربية عريقة. وهي، إلى ذلك، تقرر مسبقا مبدأ المقابلة مع الواقع. ويمكن دائما المقارنة بينها وبين أي شيء آخر عبر وسيط تأملي. لقد أصبحت قصيدة النثر العربية قائمة على نوع من التحليل، أي أن (الذهنية) صارت جزءا أساسيا منها، والذي يكتبها يتحول كفاحه إلى إخفاء هذه الذهنية الملازمة جوهريا لقصيدته النثرية.
الكتابة النثرية ضمن التعبير العربي، هي ردة فعل مقصودة وعنيفة، ضد الانفعال السريع بمتغيرات الواقع العربي. وهي عملية إدخال العقل في اللعبة الشعرية، ولعل أهمية النثر تكمن- في إطار الشعر العربي الحديث- في هذا الملمح بالذات، أي: الذهنية والعقلانية.
لذا، فإن الثلاثية المعروفة للمزايا في قصيدة النثر العالمية، تنعكس في العربية لتكون النسق التالي: بدلا من الإيجاز، هنالك التطويل، الحكي، اللاكثافة. وبدلا من التوتر والشد، هنالك التراخي، والسيبان أو التسيب، والتأمل. وبدلا من المجانية والجزافية، هنالك العقلانية والذهنية والتقصد.
ورغم ذلك، فإن تاريخ قصيدة النثر عند العرب المعاصرين، هو تاريخ تحديات وخيانات. تاريخ امتدادات وتخليات. كتبها ويكتبها المهمشون الخارجيون المسافرون المنفيون والأقليون من ذوي الأصول المشكوك فيها، والنوابت من الأقليات، والأصوات الضائعة المشكك فيها، وكل من ليس لديه أو يبحث عن سلطة للكلام. إنها عانت وتعاني من مصير مماثل لمصير أولئك الذين تحاول قصيدة النثر تمثيلهم. لقد ظلت قصيدة النثر صوتا مكتوما داخل نسيج الأدب العربي، لا يكاد يسمع في المجتمع الثقافي العريض حتى يومنا هذا. والذي يحتج قائلا بأن ما يكتب الآن من شعر برمته هو من نوع قصيدة النثر، نقول له: إن شعرنا العربي اليوم هو رحلة (ضياعية) بين مفهومَي النثر الشعري، والشعر بلا وزن أو إيقاع، أما قصيدة النثر، فذاك مطمح بعيد.
مصادر ومراجع:
تم الاعتماد والاقتباس بالإحالة الى أعمال الكتاب التالي ذكرهم بلا ترتيب: يوسف الخال، عبد القادر الجنابي، نازك الملائكة، جبرا إبراهيم جبرا، أنسي الحاج، أدونيس، عادل خميس الزهراني، حكمت الحاج، هانز روبرت ياوس، والتر بنجامين، جوناثان مونرو بترجمة صبحي حديدي، بروك هورفث بترجمة سركون بولص، ميغان برايور، تزفيتان تودوروف، بربارا يوهنسون، بيللي مايلز، توفيق صايغ، كمال خير بك، سوزان برنارد بترجمة زهير مجيد مغامس.