كلمتي .. 12 .. Bi .. 1 ..

هيام محمود
2018 / 2 / 26


مقدمة أولى :
____________

القصة نشرتُها سابقا على جزأين , كانتْ الأقربَ إلى "الحقيقة" .. الجزء الثالث منها آثرتُ وقتها عدم نشره وتركتُ القصّة تنتهي وكأنّها "فقط" جزأين بالرغم من أنّ الجزء الثالث كان مكتوبا و"حاضرا" للنشر لكني لم أستطع نشره .. وقتها لم تدخل ( أميرة ) بعدُ مسرحَ أحداثي , مَهَّدتُ لحُضورها بـ ( جوليات ) التي كانت "خليطا" منّا كلنا , لكنّها وقتها لم تحضر كما يَجب لها أن تحضر .. سامحيني .. سامحينَا ..

أنشر الثلاثة أجزاء معا , 2 نُشِرَا + 1 "جديد" قديم لم يُنْشَرْ مِن قبل , ( علاء .. 8 .. القصة .. ) أيضًا لم أنشر بقية القصة التي أراها "أهم" ما نَشَرْتُ وما سَأَنْشُرُ !! رغم أنها مكتوبة و "حاضرة" للنشر بعدَ ترجمة لُغات الحوارات التي فيها للعربية , كان يجبُ أن أُكمل رسائلي لـ ( أميرة ) وأتكلّم "كثيرا" عن المثلية الجنسية لأني سأزدريها في بقية قصة ( علاء .. 8 .. القصة .. ) , المثلية والهوية الجنسية و .. الأنانية "ثالوث" دَمَّرَ كُل شيء فرَحَلَتْ ( أميرة ) دون رجعة وبَقَتْ حُلما لن يَتحقَّق , مثلها مثل وطني .. حبٌّ ممنوع وأملٌ مجنون مصروع , وهمٌ كأوهام المُتديِّنين وعبثٌ كهُرَاءِ المَجانين ..

اِهتمامات مَنْ تَكتب أو تُغنِّي أو تَرقص أو .. تَسكتْ ! تَعكس ثقافتها وعالمها , لذلك لن تَروا عندي القصص المعروفة في مجتمعاتنا فلها مَنْ تَكتبُ في مواضيعها , قصصي أيضا تَهمّ مجتمعاتنا لكنها غير معروفة أو ربما يُتَعَمَّد التّعتيم عليها أو لا تهمّ مَنْ تَكتُب فهي لا تَخصّ إلا "قلة" لا تَهتمُّ لها ثقافة القبيلة .. لا أُلام عن عدم الكتابة عن تلك المواضيع "المعروفة" لأنّي أكتبُ عن سَببِ المُعاناة والداء في المحاور الأخرى كمحور "العلمانية" أينَ أرى أني برّأتُ ذمّتي .. هُنا الأمر يَختلف , لأنّ الذين أكتبُ عنهنّ / عنهم لن تَبرَأ ذمَّتي ولو كتبتُ عنهنّ / عنهم العمر كله ..

ستُلاحِظون وجود نفس الأسماء في كلّ القصص التي أكتُبها والتي أتكلم فيها عن أولئك الذين لا يَتكلّم عنهم أحد "تقريبا" أو لا يُتَكلَّم عنهم كما يَجب فيُذكَرون من حين لآخر ويُنسَوْن إلى أن يُعتَدى عليهم فيُعَاد ذكرهم بطريقة أشبه لـ "إرضاء الضمير" منها لاهتمام "حقيقي" بمعاناتهم , هؤلاء أعرفهم جيدا ودفاعي عنهم ليس من باب "مبادئ" فقط بل أيضا من باب "شبه اِنتماء" لهم لأني مَرَرتُ بعالمهم يومًا مَا قبل أن أكنس المفاهيم الدينية البدوية الجنسية من عالمي , وأستطيع أن أقول أنّ هؤلاء "أهلي" وقضاياهم قضاياي وتَهُمُّني مُباشرة ..

الهدف ليس "فكرا" كما يَرَى أصحابُ الأبراج العاجية والنزهات الفكرية وأيضا ليس مُجرّد "قصص" تُعْنَى بِموضوعٍ مُعَيَّنٍ كغيرها من الـ "قصص" , بل "دفاع عن وُجود" تُهَدِّدُه كلّ لحظة الأيديولوجيا العبرية وثقافاتها الهمجية المتخلفة . مَنعتنا الأديان والإيديولوجيات أَنْ نكون "نحن" على الأرض بعدَ أن سَرقتْ منّا أوطاننا , فلنكن "نحن" على الأقلّ في مكان مَا : هدفي "الفرد" ( حصرا ) أُذكِّر قرائي وبالطبع أوَّل "فرد" سأكون "أنا" ومِنِّي ومِن عالمي سيَنطلقُ كل شيء ليصل إلى "الآخر" , الأمر ليس "نرجسية" لكنه أَرْقَى بكثير من كل فهمٍ لا يستطيع تجاوز الظاهر وقشوره .. هُو "فلسفةُ" ثورةِ الفردِ على القطيع الذي لا يُوجَّه له الخطاب أصلا فهي رسالة الفرد إلى الفرد "حصرا" , القبيلة التي سَحَقَتْ الفردَ في بُلداننا "تُسْحَقُ" بالكلية في طرحي .. والمجدُ الذي يُعطى للفرد لن يُنسيه وطنه بِـ "كل" قبائله , وذلك هو "الهدف الأسمى" ..

[ ملاحظة جانبية : إستعمالي لضمير المُذكّر في أغلب كتاباتي - في كل المحاور التي أَكتبُ فيها - ليس "خُضوعًا" للسّائد العنصري ضدّ المرأة - والذي فَرَضَتْه اللغة "العربية" كلغة ذكورية اِستَمَدَّتْ عُنصريّتها من الصحراء القاحلة التي نَشأتْ فيها ومن الدّين البدوي الذكوري الذي نَقَلَ هويتها وثقافتها المُنْحَطّة - , بل لأني إلى الآن أهربُ من تَوجيه كلامي لها , أعترفُ بضعفي وجُبني هنا فحبّي لها عظيم يمنعني إلى الآن من مُخاطبتها والقسوة عليها , حتى رسائلي لها لم أستطع إكمالها وقد كتبتُ لها ثلاثة في السابق , أيضا لم أستطع "القَسوة" على المرأة المثلية ولم أستطع إلى الآن إرسال جزء ثالث من مقالٍ سابقٍ لم يُكمَلْ .. نعم , الحبُّ بداوة تُؤسِّس للضعف وللتّنازل , وذاك حالي مع المرأة إلى الآن .. والأمر يَستَمِرّ منذ الصغر وأظنه لن يَتَغَيَّرَ مَا حَييتُ .. ]

مقدمة ثانية :
____________

إمرأة Bi هي إمرأة "مُغايرة" و "مثليّة" في نفس الوقت , أيْ تستطيع الحياة مع إمرأة أو رجل , عكس المُغايرة التي لا تستطيع ذلك إلا مع رجل وعكس المثليّة التي لا تستطيع حياةً مع رجل .. أتكلّم عن "حياة" , عن "حبّ" وليس فقط عن "رغبات جنسيّة" .. قد يقول البعض : ثمّ ماذا ؟ اِنتهتْ كلّ مشاكلنا لنتكلّم عن موضوع كهذا ؟ ثم لم نَجِدْ للنساء رجالا حتّى نَبْحثَ لهنّ مع الرِّجال عن نساء ؟!! أيُّ عبثٍ هذا الذي تَقُولين ؟!! إلخ من الترهات التي سَيَتَفَوَّهُ بها إمّا أصحاب الأيديولوجيا العبرية إمّا غيرهم ممّن لا يزالون يعيشون على "خَيْرَاتِ" ثقافاتها البدوية التي لا يعنيها ( الفرد ) بل "القبيلة" والتي لا تهتمّ بِـ "النَّوعيّة" بل بِـ "الكَمِّيَة" . ليس هدفي هذا بالطبع , هدفي كما كان في مقالات سابقةٍ التعريف بِـ "وُجودِ" حبٍّ بين اِمرأة واِمرأة يتجاوز المثلية الجنسية "المعروفة" ولا علاقة له بها , القادم يدخل في نفس السياق أي "وجود" حبّ Bi لا علاقة له أيضا بالـ "Bisexuality" التي يعرفها الجميع , أذكر هنا أحد المعلقين إدّعى أن الحب الذي أتكلّم عنه "لا غرابة" فيه وقد تكلّم عنه الكثيرون وعندما طالبتُه بأن يمدّني بتفاصيل لم يُجِبْ .. الطلب لا يزال قائمًا له ولغيره , يهمّني أن "أعرفَ" وأكون شاكرة لمن سيمدّني بتفاصيل مع أني أشكّ في وجود ما أتكلّم عنه : سأقول أنه ليس "تحدِّيًا" يا سيدات ويا سادة بل "طلبا" .. وبالرغم من أنِّي أُغلق باب التعليقات على ما أكتبُ في محور "الأدب والفن" - وقد قلتُ لماذا - , إلا أنني سأفتحه بصفة إستثنائية لِمَنْ عنده / عندها "الإضافة" . قلتُ : "التعريف بوجود" وهل يُوجد "شيء" في هذا العالم أهم من "وُجودي" ؟
__________________________________________________________________________

( 1 ) [ نُشِرَ ]

رأيتُ نفسي دائما "مُغايرة" منذ صغري ولازلتُ أرى ذلك إلى الآن ولم تكن عندي يوما مشكلة مع المثليّة حتى أيام "جاهليّتي" الدينية أينَ كنتُ متديِّنة إسميّة و"أُمِّيَّةً" دينيًّا , لم ترقني يومًا "التصنيفات" لأنها تؤسّس للتمييز والعنصرية وأول "تصنيف" لم أقبله هو التصنيف ( رجل / امرأة , ذكر / أنثى ) وما يتبعه من زعم "بدوي" بأن "العادي" و "الطبيعي" هو ( رجل و امرأة ) وما عداه فـ "شذوذ" و "انحراف" و "مرض" .

عرفتها منذ سنوات فكانت أجمل هدية في حياتي كلها ؛ نوع خاص من العلاقات الإنسانية لم أجد له لا أنا ولا هي توصيفا أو "تصنيفا" , فهي "لاجنسية" أي لم تشعر لحظة في حياتها بـ "انجذاب" لبشر ذكرا كان أو أنثى ولا تزال وأنا "مغايرة" لم أشعر يوما بـ "انجذاب" لامرأة ولا أزال . كان الجواب "المنطقي" أن يكون الذي يربطنا ببعض "صداقة" قويّة فأكون أنا "صديقتها" الأقرب إليها وتكون هي "الصديقة" المفضّلة عندي لكن هذه الإجابة لم تكن شافية لنا , فهي لا تراني "صديقة" وأنا لا أراها كذلك فهي عندي أكثر من ذلك بكثير ونفس الشيء أنا بالنسبة لها ؛ أذكر أول مرة ذهبت معها إلى منزل أهلها وعندما قدمتني إليهما نظرَتْ لهما ثم لي وقالت : أأأأ ... , فقاطعتُها وقلتُ : إيلان , لم تجد لي "تصنيفا" ولو كانت تراني "صديقة" لقالت ببساطة : ماما , بابا هذه "صديقتي" إيلان , لكنها لم تفعل , نفس "الحرج" كان دائم الوقوع معي كلّما وصفها أحدٌ من أفراد عائلتي بـ "الصديقة" أو بـ "الأخت" فكنتُ في الحال بيني وبين نفسي أتساءل هل هي كذلك أم لا ؟ وجوابي لم يكن "صديقة" أو "أخت" بل كان دائما "لا أعلم" ! لكني كنتُ أقول أن "البشر الوحيد" الذي أفكّر في سماعه ورؤيته عندما أفتح عينيّ كلّ صباح هو ( هي ) , و "البشر الوحيد" الذي أنتظر بشوق اتصاله ورسائله هو ( هي ) ؛ لم أشعر بذلك يومًا مع أخواتي بالرغم من "حبّي" الكبير لهنّ ولا مع صديقاتي بالرغم أيضا من "حبي" الكبير لهنّ , معها ( هي ) كان كل شيء مختلفا فأنا لم أستطع يوما أن "أصنّفها" أو أن أستعمل لفظة "حب" معها ولم أستطع أن أفهم لماذا لا أقول عنها مثلا : تامارا أفضل "صديقاتي" أو "أحب" تامارا "صديقتي" أكثر من كل "أخواتي" و "صديقاتي" الأخريات ؟

بعد حادث المرور الذي تعرضت له بقيتُ مدة طويلة في حالة غيبوبة وأذكر أن أول شخص خطر ببالي عندما عاد لي وعيي وأردتُ رؤيته هو ( هي ) , وكان لي ذلك عندما استيقظت ووجدتها تنتظرني ماسكة بيدي , كانت وحدها ولم يكن معها أحد حتى أفراد عائلتي الذين كانوا يزورونني يوميّا كانوا يُغادرون في الليل أمّا ( هي ) فلا , أسرعَتْ لحظتها لإعلام الطبيب والممرضين الذين حضروا وكانوا سعداء جدا بنجاتي من الموت بأعجوبة بعد العمليات التي أُجريت لي , علمتُ بعد ذلك منهم أنها لم تتركني "لحظةً" طوال الشهر والنّصف الذي بقيت فيه في حالة الغيبوبة , ويوم خروجي من المستشفى وأنا مُحاطة بـ "الجميع" قال لي أحد الأطباء هامسًا في أذني : أتمنّى "لكما" حياة سعيدة . بعد حادثي ذاك لم يصفها أحد من عائلتي بـ "الصديقة" أو بـ "الأخت" وكلما حضر ذكرها في كلام أو مرّ طيفها في نقاش كانوا يسمّونها باسمها دون "ألقاب" , لم يرقني ذلك ولم يكن في "صالحي" أني لم أعرف رجلا إلى ذلك الوقت فشرحتُ لأمي حقيقة ما يحدث بعد أن سألتني : هل أنتِ أأأ ... ؟ وسكتَتْ دون أن تُكمل كلامها , قلت لها أني حقيقةً لا أعلم ما الذي يحدث لكن ما أعلمه يقينا أني "مغايرة" و "أتمنّى" التعرّف على "رجل حياتي" و "أتمنّى" أن يكون لي ذرية معه وكل شيء آخر "تحلم" به أيّ فتاة أخرى .. فردّت : إذن أنتِ "ثنائيّة" .. لم يعجبني ردها فغضبت وقلتُ لها : أمي , تامارا لاجنسيّة وأنا لستُ مثليّة ! .. فصرخَتْ في وجهي بسخرية : ما الذي يوجد إذن ؟!! "حبّ" "عذري" ! .. فأجبتُها : لا أعلم , حقيقةً لا أعلم .. فتركتني وهي تُتمتم : مُقزِّزة , مقرفة , مقزِّزة ..

بعد مغادرتي للمشفى , كانت تامارا قليلة الحضور إلى منزل عائلتي لكننا كنا نُمضي أغلب اليوم معا بالهاتف وعبر النات , لم أقل لها الذي حصل مع أمي لكني كنتُ متأكدة من أنها فهمتْ أن العائلة "الكريمة" لم تعد تُرحّب بها كما كان الأمر قبل حادثي ؛ ذلك الحادث غيّر الكثير في حياتي , كان تجربة قاسية ومؤلمة لكنّه كان حقيقةً ولادة جديدة بالنسبة لي أعقبتها حياة فريدة لم أكن أتوقّعها . بعد أن تعافيت , عدتُ إلى عملي المعتاد وإلى رفاقي الذين تركتهم قبل حادثي فوجدتهم قد تغيّروا ؛ كلهم سمعوا ببقاء تامارا معي في المشفى , فيهم من يعرفها ويعرف أنها "لا تحب الرجال" , أضافوا إلى ذلك أنهم لم "يروني" مع رجل ففهموا سبب "رفضي" لأحدهم منذ سنوات وسبب "رفضي" لـ "كل" الرجال , الأحكام التي أصدروها كلها "تُدينني" وكانت كالآتي : سِتَّةٌ منهم "أغلقوا سفاراتهم" عندي وقد حرّضهم على ذلك زميلٌ رفضتُه سابقا وقد رفضته منذ البداية لأنه قبيح الشكل وكنت أتعجّب كيف خطر بباله أنّه يمكن أن "تنظر" من هي مثلي إلى من هو مثله , وواحدٌ "أغلق الباب وترك شباكا صغيرا" فقط لاحتياجه لي في العمل فقد كنت أقوم ببعض مهامه وأنوب عنه عندما يغادر العمل قبل انتهاء الوقت ؛ كلهم أدانوني بـ "جرم" لم أقترفه . تلك الأيام كانت صعبة عليّ لكنها كانت الوقت الذي تحرّرتُ فيه من كلّ السّجون التي يعيش فيها كل هؤلاء "المساكين" الذين يُحيطون بي , موقفهم وحكمهم جعلاني أفكر : لماذا يحمل رفاقي نفس فكر ماما ؟ إذا كنت "أنا" صاحبة الشأن لا أعرف حقيقة ما يربطني بتامارا فمن أين أتَتْهُم "هم" كل تلك الثقة لـ "يُشَخِّصُوا" ما عندي ؟ والسؤال الأهم الذي طرحته : لماذا كل هؤلاء البشر يرون و "يُصنّفون" العلاقات البشرية بمنظار "جنسي" ؟ .. يومها لم تكن الرؤية واضحة عندي لكني كنتُ متأكدة من وجود خلل ما وهذا الخلل لا يمكن أن يكون مني فأنا لم أخطئ في حق أحد ولم أعتد على أحد , كل ما في الأمر أني كنت "سعيدة" مع "امرأة" مثلي لا هي ولا أنا كنا نحمل "رغبات" جنسية تجاه بعضنا لكننا نحمل "شيئا" آخر ؛ "شيء" جعلني على استعداد أن "أضحي" بكل عالمهم من أجل أن يستمرّ .

بعض أقوال زملائي في العمل جعلتني أتساءل عن ميولي الجنسية , فالاحتمالات التي سمعتها ثلاثة فقط : إما "أخت" أو "صديقة" أو "حبيبة" و "حبيبة" يعني رغبة وممارسة جنسية بـ "الضرورة" وإذا قلتُ غير ذلك فأنا في الاحتمال الثالث الذي وضعوني فيه . استغرابي من ثقتهم في "التّصنيف" وإصدار الأحكام جعلني أرى بوضوح كمَّ الظلم الذي يُمارسه هذا المجتمع على من خرج عن الطريق المُسَطَّر له حتى دون قصد أو تعمّد كحالتي , ومدى انعدام قيمة الإنسان فالقيمة تُعطى له إذا التزم بالسائد وتُسحب منه دون أيّ عناء إذا لم يلتزم , كنت يومها ككل متديّنة إسميّة ألقي باللوم على المجتمع والثقافة والعادات والتقاليد دون أن أعرف أصل كل الشرور .

اتصلت بتامارا قبل نهاية عملي لنتّفق أينَ نلتقي فقالت أنها مع "صديق" , وعند اعتذاري عن اللقاء ألحّتْ لكي تقدمني لصديقها فرفضتُ .. لا أستطيع أن أُنكر أن الشعور الذي أحسستُ به لم يكن إلّا نوعًا من "الغيرةً" التي لم تزدني إلا تساؤلا وحيرة , بعد أن أنهيتُ الاتصال واجهتُ نفسي لأول مرة وسألت : هل "أحبّها" ؟ جوابي كان أقرب إلى الـ "نعم" لكني تساءلت : كيف يكون ذلك وأنا لا أشعر بأيّ رغبة جنسية تجاهها ؟ فكل رغباتي كانت مُوجّهة نحو هذا الرجل الذي لم يظهر إلى الآن ؟ وحتى عندما أكون وحدي أُشبع رغبتي لم أستطع يوما رؤيتها بل كنت لا أرى إلا رجلا ! .. منذ ذلك اليوم حاولتُ "رؤيتها" مرارا فلم أستطع , كان ذلك مستحيلا معها ومع أي امرأة أخرى , فأكّد لي ذلك "مغايرتي" لكنه لم يستطع نفي "حبّي" لها فاستجمعتُ قواي وقررتُ مصارحتها .

( 2 ) [ نُشِرَ ]

بالرغم من "غيرتي" كنت سعيدة من أجل تامارا , فهي لا تُقابل أحدا ليلا وبما أنها فَعَلَتْ فأكيد ستكون سعيدة , هكذا قلت .. كنت متأكدة من هوية "صديقها" رغم أنها لم تذكر اسمه عندما اتصلتُ بها , وعندما عدتُ إلى المنزل لُمت نفسي كثيرا على رفضي لقاءهما والتعرف على صديقها الذي كلمتني عنه كثيرا في السابق , لم أتجرأ على الاتصال بها فقرّرتُ إرسال رسالة لها . كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة , كنت أكتبُ ثم أمحو ولم يستقرّ لي رأي على ماذا سأقول لأعتذر , بقيتُ على تلك الحالة حتى سمعتُ قرعًا على النافذة ؛ غُرفتي كانت في الطابق الثاني والوصول إلى النافذة كان يستوجب الصعود والمرور فوق سطوح الجيران .. نظرتُ إلى النافذة فكانت .. تامارا .

أوّل مرّة تفعل ذلك , سُعدت كثيرا لدرجة أنّي لم أستطع الكلام .. بقيتُ دون حركة للحظات أنظر إليها , كانت لحظات حملَتْ لي اليقين ولا مجال للشك بعد الآن : نعم ! أحبّها ! .. فتحتُ لها فقالت : جئتُ أعتذر , قد كلمتكِ عن علاء , حضر خصّيصا لنلتقي بِضْع ساعات وقد غادر , أوصلتُه إلى المطار ومن هناك جئتُ إلى هنا , تمنيتُ أن تلتقيا لكن لا يهم , المهمّ .. لا تغضبي , خُذي .. وردة لكِ سرقتُها من عند جاركم .. وهذه شكولاتة سويسرية من عند علاء , أرسلها لكِ , سمع عنكِ الكثير منّي .. وهذه .. كلمة .. اقرئيها بعد أن أُغادر .. كتبتُها لكِ ذلك الـ ... اليوم .. منذ أيام .. آخر مرّة جئتُ إلى هنا , فتحَتْ لي أمكِ الباب .. قالت لي : لا أريد رؤيتكِ في منزلي مرّة أخرى .. أعتذر لأني لم أقل لكِ ذلك إلّا الآن لكن .. لا يهمّ فأنتِ تعرفين .. أمكِ .. الـ ... الأهمّ .. أرجو ألا تتسرّعي .. سأنتظر ردّكِ .. تصبحين على .. خير .

كان موقفا استثنائيا في قوة أحاسيسه واجتماعها معا .. كنت سعيدة لـ أنها حضرتْ , كنت أسعد لـ أنّي أحبّها .. كنت سعيدة بـ "هداياها" , كنت أسعد بـ حضورها من المطار "خصّيصا" من أجلي .. الغيرة كادت تقتلني لأني تأكدتُ أن علاء لم يكن إلّا النسخة "المُذَكَّرة" منّي فـ "صداقتها" معه والتي جَعَلَتْهُ يأتي من سويسرا ليراها فقط ثلاثة ساعات ثم يسافر من جديد هي نفس "الصداقة" التي جَعَلَتْهَا "تسكن" معي شهرا ونصف في المشفى , تذكرتُ كلّ الأوقات التي كنتُ أتّصل بها وأجدها مشغولة لوقت طويل فتقول لي عندما تتّصل أنها كانت "معه" , وتذكرتُ أنّه تقريبا الشخص الوحيد الذي تذكره دائما .. الخوف من الرسالة شلّ حركتي فبقيتُ لدقائق واقفة في مكاني أمام النافذة أرتعش من البرد حتى دخلتْ أمي التي كانت في غرفتها وقت مرور تامارا وهي تغادر , نافذة غرفتها كانت بجانب غرفتي وقد رأتْ تامارا تتسلّلُ مُسرِعةً "فوق السّطوح" .

رأتْ أمي في يديّ العلبة والوردة والرسالة , نظرتْ لي نظرةَ "تحسّر" و "احتقار" , ثم خرجتْ ولم تقل شيئا . لم أهتمّ لها فموقفها ليس جديدا ولا غريبا , اهتمامي كلّه كان مُنصبًّا على الرسالة التي تردّدتُ كثيرا في فتحها لأني وللحظات خِفتُ أن تكون رسالة وداع لكنّي قلتُ أن ذلك غيرُ واردٍ لأنّ تامارا تنتظر منّي ردًّا . قبل فتح الرسالة شممتُ الوردة فوجدتها بلا رائحة ولفتَ انتباهي لونها الأزرق , تامارا رسّامة ولم أتوقّع أن تكون قد اختارت اللون عبثا ! لم أكن خبيرة في رمزية الألوان لكني كنتُ أعلم أن الأزرق - لوني المفضَّل - يرمز إلى "النّقاء" ولكنّه يرمز أيضا إلى ..... "استحالة الوصول" .. في لغة الزهور ! .. لون الوردة أعاد لي خوفي وزاد في شكّي , فكّرتُ في الاتصال بها لكني لم أفعل , فكّرتُ في عدم فتح الرسالة لكني لم أستطع , ففتحتها .. (( لا أريدُ أن تتأَلَّمي بِسبَبِي , أرى أنّه من الأفضل أن نتوقّف الآن . )) .. الغريب أنّي بعد قراءة الرسالة لم أشعر بشيء حتى بجسمي , كانت لحظةً "رائعةً" توقّف فيها إحساسي بالزمان والمكان وكأني سكرانة أو كأنّه انحَسَر تأثير جاذبية الأرض على جسدي .. وكانت لحظة تحولتُ فيها إلى "روبوت" مُبرمج : الآن تذهبين إلى منزلها .. خرجت من غرفتي , "من بابها" .. دون أن أغير ملابسي ..

اعترضتني أمي في الطابق السفلي , قالت : أين تذهبين في هذه الساعة بهذا اللباس ؟ .. تجاوزتُها دون أن أجيب , فتحتُ الباب لأخرج لكني توقفتُ وعدتُ إليها , وقفتُ أمامها وأنا أنظر في عينيها ؛ قلتُ : تعلمينَ أينَ سأذهبُ ! .. ثم أدرتُ وجهي عنها , تركتها ورائي وخرجت . الأغرب كان وأنا في السيارة , لم أفكر في شيء غير كلمة كنت أردّدها في شأن تامارا : سأقتلكِ , سأقتلكِ , سأقتلكِ .. عندما وصلتُ , فتحتْ لي الباب .. احتضنتُها بقوة وأنا أبكي , قلتُ : لا أستطيع ! أموتُ ! .. ظلّت واقفة , يداها كما هما لم تحضني ولم تقل شيئا , لكنّها حرّكت رقبتها قليلا لتضع رأسها على رأسي , أنا وهي بنفس الـ طول تقريبا .. نسيتُ وقتها أن الباب يفتح مباشرة على غرفة الجلوس أينَ كان أبوها وأمها يجلسان .. ينظران إلينا ..

( 3 ) [ الذي لم يُنشَرْ ]

..