مناقشة رواية -علي- في دار الفاروق

رائد الحواري
2018 / 2 / 26

ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها دار الفاروق تمت مناقشة رواية "علي، قصة رجل مستقيم" للكاتب الفلسطيني "حسين ياسين". افتتح الجلسة الروائي "محمد عبد الله البيتاوي" منوها أن أهمية هذه الجلسة تكمن في حضور الكاتب "حسين ياسين" وهذا ما سيجعل النقاش أكثر حميمية، أما بخصوص الرواية فهي تتناول جزءا من تاريخ شعبنا الفلسطيني والظروف التي مر بها خلال فترة الاحتلال الانجليزي، حيث نجد أن ظروفا قهرية قد أجبرت عليا بطل الرواية إلى الهجرة القصرية عن وطنه فلسطين ليناضل في اسبانيا ويستشهد هناك، في سبيل المبادئ التي آمن بها. أما بخصوص الشكل الذي قدمت به الرواية فقد قسمها الراوي إلى فصول,واضعا لكل فصل عنوانا منفصلا مما يسهل على القارئ سهولة تناوله للنص المطروح أمامه ، وكأن الراوي بهذه الشكل أراد أن يشير إلى الزمن الذي كتبت فيه الرواية.

ثم فتح باب النقاش فتحدث الشاعر "جميل دويكات" فقال: هذه الرواية من الروايات القلائل التي تشد المتلقي إليها، فاللغة جميلة مطعمة بالتراث الشعبي الفلسطيني من خلال الأمثال والحكايات، والمرأة الفلسطينية حاضرة وتأخذ دورها كالرجل تماما، ودورها لم يقتصر على الساحة الفلسطينية فحسب، بل نجد حضورها في اسبانا ايضا، لهذا نقول أن الراوي استطاع أن يقدم المرأة كقرين للرجل في كافة الأحداث التي تحدث عنها، ونجد الراوي يكسر الزمن وهذا ما جعل الرواية بعيدة عن الشكل التقليدي، ومنحها جمالية اضافية، وهنا علاقة وطيدة بين "علي" والمرأة والشبابة"، حتى أن السجان اثرت عليه وجعلته يتماهى مع اللحن الذي يعزفه "علي". أما موضوع الرواية فيحدثنا الراوي عن علاقة "علي" بالحزب الشيوعي الفلسطيني في فترة 1929-1939، فهنا ثقافتين، ثقافة الشرق وثقافة الغرب، ونجد الشخوص غالبيتها جاءت بشكل ايجابي، وهناك تناول للنظام الرسمي العربي والتخاذل الذي وقع تجاه فلسطين، أما بخصوص اللغة فهي لغة جميلة وجاءت بشكل متقن وقد جعلتها الأمثال المستخدمة أكثر قربا من المتلقي.


أما الاستاذ "سامي مروح" فتحدث قائلا: "الرواية سهلة التناول، لغتها جميلة، المعلومات التي تطرحها مهمة جدا لنا وهي بالتأكيد جديدة علينا، فلم يسبق أن سمعنا بأن هناك من الفلسطينيين من قاتل في اسبانيا إلى جانب الثورة ضد حكم فرانكو، والأهم في الرواية أن الشخوص تتحدث بلغتها، الفلاح يتحدث بلغة الفلاح والمثقف يتحدث بلغته، وهذا ما جعل شخصيات الرواية مقنعة لنا، وهذه الحرية التي منحها الراوي للشخصيات منحت شخصياته خصوصية فبدت وكأنها مستقلة بذاتها، ونجده قد ركز على المرأة فأعطاها دورا حيويا وفاعلا كحال الرجل، وهذا إن دل على شيء فهو أن الراوي يحترمها ويتعامل معها بشكل موضوعي، لهذا وجدناها ـ في أحيان كثيرةـ تبدو أهم وأكثر فاعلية من الرجل، وهناك مشهد في غاية الروعة عندما تحدث عن "الكلب عنتر" الذي هجم على المحتل عندما حاولوا القبض على ابنه ونجد لقاء هذه الرواية مع رواية "مجانين بيت لحم" لأسامة العيسة، وأيضا المشهد التي يتناول لقاء "علي مع أمه" كل هذا جعل من الرواية متألقة وتستحق أن تقدم للجمهور الفلسطيني والعربي ليتعرف على تاريخنا وما قدمناه في الماضي.

أما الأستاذ "محمد شحادة" فقال : "على مستوى اللغة فهي لغة جميلة وخالية من الأخطاء، فعندما استخدم اللغة المحكية أراد بها أن يقرب القارئ من شخصيات الراوية، فالأمثال التي جاءت على لسانها يقرب المسافة بين تلك الشخصيات والقارئ، فجاء النص مترابطا ومتينا، لقد لاحظنا سعة اطلاع الكاتب وكذلك الدقة التي استخدمها في تناوله للأحداث التاريخية، أما بخصوص المكان فاستطيع القول أن الرواية عابرة للقارات، فنجد "علي" في فلسطين ثم في موسكو ثم في اسبانيا، لهذا كانت الرواية حافلة بالأحداث، وهذا تطلب من الراوي وجود عدد كبير من الشخصيات، ويمكننا القول أن الراوي استوحى من رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا لأنها تناولت القضية الفلسطينية من على ظهر السفينة، ومن رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني" إذ يتحول الطفل خلدون إلى" دوف" مشاهد يخدم بها روايته.


أما الاستاذ "سمير عودة" فقال: "صورة الغلاف "المرأة والناي" تشير إلى "علي" وعلاقته بأمه، والعنوان الذي جاء بالخط الأبيض يخدم فكرة استقامة علي، ولباس المرأة يؤكد على فلسطينيتها، لهذا نقول إن صورة الغلاف كانت موفقة تماما وتخدم الفكرة التي جاءت بها الرواية، أما بخصوص الأحداث فهي تقدم لنا الفلسطيني "علي" الذي قال: "أتطوع للحرب الأممية في اسبانيا فلا يضن احدا أنني أفعل ذلك هربا من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي "وعندما تناول الراوي مرحلة طفولة "علي" قدمها لنا بشكل موضوعي وجميل، وعندما تحدث عن شبابه وطريقة التفكير التي يتبعها "عار علي إذا شبعت وجاع شعبي" يشير إلى التوحد والإخلاص وانتماء علي لبسطاء شعبه الذي قدم حياته للمظلومين منهم، ورغم حالة اليتم التي وجد نفسه فيها إلا أنه استطاع أن يجد منفذا فكريا له من خلال قوله: " من المكن أن يكون الإنسان يتيما ولكنه من المستحيل أن يكون يتيما من الوطن، وهذه الثقافة هي التي جعلته ينخرط في النضال ويواجه المحتل والحركة الصهيونية معا، فعندما تحدث عن "اليخندرا" التي جاءت من اسبانيا وعادت إلى وطنها بعد أن وجدت الكذب والخداع الذي تمارسه الحركة الصهيونية أراد أن يقول كل من يأتي إلى فلسطين ليقيم الاشتراكية هو واهم ومخدوع، فالنضال والاشتراكية تقام في الوطن الأم، الوطن الذي انت فيه، وليس في أوطان الآخرين.

ونجد الراوي يقدم المرأة بطريقة استثنائية فهي حاضرة في كافة الأحداث والأمكنة، يبقى أن نقول أن "عليا" اختار الذهاب إلى اسبانيا وهو قوي والضابط الانجليزي كان مهزوما، لهذا يمكننا القول أن "عليا" اختار الذهاب إلى اسبانيا وهو راض.

أما الروائية "خلود نزال" فتحدثت عن جمالية اللغة التي كانت أقرب إلى الشعر، فالسلاسة مهدت النص أمام المتلقي ليتلقفه بلهفة، فالأحداث التاريخية لم تكن متاحة لنا، وهي جديدة وتعرفنا على فترة من تاريخ كنا نجهله، والتي نجد فيها كل شيء، الأمثال، الحكايات، اللغة العامية والفصيحة، وما لفت انتباهي طريقة تناول الراوي للمكان، فهو يحدثنا عن حيفا والقدس بشكل لم نألفه من قبل، فيكاد أن يتوحد مع المكان لهذا وجدنا هذا الوصف الدقيق والممتع.

وتحدث الأستاذ "خالد خندقجي" فقال: "نشكر "محمد عبد الله البيتاوي" على دعوتنا لحضور نقاش رواية "علي" والذي يهم كل من يريد أن يتعرف على تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين، خاصة في البدايات، التي كان الشيوعي الفلسطيني هو الأكثر نضجا ومعرفة بما يحاك لفلسطين ولشعبها، فهذه المرحلة مهمة جدا لأنها تعرفنا على النضال الشيوعي الفلسطيني والذي واجه الاحتلال الانجليزي والهجرة الصهيونية معا، أما أن حدث الرواية الأهم والأبرز فهو المتمثل بذهاب "علي" إلى اسبانيا والمشاركة في الثورة ضد فرانكو وهذا فخر للشيوعيين الفلسطينيين الذين ساهموا في هذه الثورة ضد الفاشية، وقبل أن أنهي كلمتي أحب أن أسأل الكاتب كيف استطاع أن يكتب رواية تاريخية بهذا الجمال وبهذا الشكل، وكم من الوقت أخذت منه كتابتها، وأخيرا أشكر الكاتب على هذا العمل وعلى ما فيه من معرفة ومعلومات.

اما الاستاذ رائد الحواري فتحدث قائلا: الأهم في هذه الرواية أنها نبشت تاريخا كان مخفيا علينا، تاريخ فلسطين التي ساهم ابناؤها في النضال الأممي ضد فرانكو، رغم عدم قناعتنا ـ في ذلك الوقت والظرف ـ بهذا الأمر، واعتقد بأن هذه الرواية الأولى والوحيدة اتي كتبت عن تاريخ الشيوعيين في تلك الفترة 29-39، وهذا ما يحسب للكاتب والذي بالتأكد بذل جهدا غير عادي لتقديم هذا العمل الروائي لنا وللجمهور العربي والعالمي. أما بخصوص لغة الشخوص فهي لغة سلسة ونجدها تتحدث بلغتنا نحن في فلسطين، لهذا هي قريبة منا.

وفي نهاية النقاش تحدث الروائي "حسين ياسين" فقال: أنا سعيد أن اكون بينكم، فكل الحضور قرأوا الرواية وقدموا وجهات نظرهم، لكن أحب أن اتكلم عن "فوزي صبري النابلسي" الذي سرق بارودة وقتل اثنين من الانجليز وهو ما زال ولد، فهو مناضل بالسليقة، بعد انتهاء الحرب في اسبانيا ذهب إلى فرنسا وتطوع في المقاومة الشعبية الفرنسية وقاتل النازيين، إلى أن تم اعتقاله، لكن رفاقه الذين عرفوه قرروا أن يقتحموا السجن ويخرجوه من المعتقل وهذا ما كان، علمت الصحف العبرية بهذا المناضل وبدأت تبحث عن "فوزي النابلسي" فوجدت أنه تزوج بنت فلسطينية يهودية وأنجب منها بنتا، وعاشت في دير للأيتام فجيئ بها إلى فلسطين على أنها يهودية، وبنت فوزي الآن تعيش في إسرائيل على أنها يهودية، وعندما علمت بحقيقة والدها وبأنه عربي فلسطيني، رفضت أن تخبر أحدا من أفراد أسرتها.

نعود إلى الحرب في اسبانيا، فهناك40 ألف متطوع شاركوا في هذه الحرب من كافة أنحاء العالم/ لكن لم يكن منهم أي عربي، مما جعلني ابحث عن أي إنسان عربي شارك في الحرب، وكما أن سمعة العرب السيئة عند اليسار في العالم لأنهم شاركوا مع فرانكوا ـ المغاربة الذين استخدمهم فرانكو ـ جنودا لقمع الثورة، متجاهلين أن المغرب العربي كان تحت الاحتلال الاسباني، إن كان ثوريا أم فاشيا ـ.

تعرفت على كاتب الماني تحدث عن "فوزي النابلسي" وعن "علي عبد الخالق" وان الاثنين قتلوا في اسبانيا، من هنا بدأت البحث، سألت "بسام الصالحي، تيسير عاروري، سألت الشيوعيين الفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين، لكن كانت المعلومات قليلة، وبعد البحث استطعت أن اعرف بلد "علي" وعرفت بأنه يتيم الأب وأنه عاش فقيرا وحيد الأم، هذا ما جعلني أعيد كتابة 150 صفحة وهي ما كتبته عن "علي" وابدأ الكتابة من جديد.

مشكلة الحزب الشيوعي كانت في التعريب، فاليهود أرادوا أن يكون الحزب لهم فقط، لكن الكومنترون لم يوافق على دخولهم للأممية الشيوعية دون أن يكون هناك أعضاء عرب في الحزب، ومن هنا بدأ دخول العرب للحزب، لكن اليهود لم يكونوا على وفاق معهم، فكان الحزب فعليا حزبان، لكل حزب هدف وغاية ونضال ونهج يختلف عن الأخر، فاستخدم اليهود السجن كأحد الوسائل ليزيحوا العرب من الحزب، وكان الخلاف حول الهجرة اليهودية ودورها في سلب الفلاحين ارضهم، وكان الخلاف حول هبة البراق وثورة القسام، وثورة 1936، وهناك موقف متناقض بين اليهود والفلسطينيين حول الحرب في اسبانيا، فاليهود خونوا كل يهودي يذهب إلى اسبانيا، لكن الصهاينة لاحقا ـ وبعد أن أخذ الاسبان يحتفلون بالثورة وبالشهداء الذي سقطوا فيها ـ اكتشفوا أن من ذهب من اليهود هم كنز لهم، فبدأوا يقدمونهم على أنهم أبطال شاركوا في الثورة فأقاموا لهم نصبا في اسبانيا يخلد مشاركتهم، وهذا التصرف الانتهازي لا يلغي المقولة التي قالها احد الصهاينة عندما كان يذهب اليهود إلى اسبانيا: "الإقامة في حميتا ـ مستعمر في الجليل ـ افضل من مدريد".

وفي نهاية الجلسة كان هناك بعض الأسئلة من الحضور، فسأل الشاعر "عمار خليل" من أين جاء "علي" بالثقافة التي تحدث بها في الرواية؟
وأجاب الروائي "حسين ياسين": "علي كان قارئا نهما ووجوده في حيفا جعله مثقف ويعرف كثير من الأمور.

وأضاف "خالد الخندقجي" أن الثقافة مهمة جدا عند الشيوعيين وتعد أحد أهم الواجبات للشيوعي.

وسأل "عمار خليل" أن صورة الغلاف لا تشير إلى وجود رجل لماذا؟
أجاب "حسين ياسين" المرأة تمثل فلسطين، وأم علي، لباسها كنعاني، الشبابة تشير إلى الموسيقى الحزينة، وعلي يحب الطرب، لهذا أقول أن الغلاف منسجم تماما مع المضمون.

وقال الشاعر "موسى أبو غليون" أن عبارة "قصة رجل مستقيم" لا تناسب "علي" لأنها تحمل مدلولا دينيا أكثر منه فكري، فأرى في اختيار هذه العبارة عدم التوافق أو الانسجام.

فأجاب "حسين ياسين" لكل فكر ايدلوجيا, مبادئ أخلاقية، ومن حق كل حامل فكر أن يقول "مستقيم".

ثم تحدثت الرواية "عفاف خلف: وقالت أن هذه الجلسة جعلتها في شوق لقراءة الرواية والتعرف على ما فيها.
وختمت الجلسة بحوارات جانبية كثيرة كلها ارتبطت بكتابة الرواية التاريخية التي من الممكن أن تؤرخ لحدث أو حركة أو شخصية كان لها دور بارز في الساحة أيا كانت هذه الساحة . ثم قام البيتاوي بشكر الكاتب الذي تجشم عناء السفر من داخل الخط الأخضر ليحضر بنفسه هذه الجلسة التي نوقشت فيها روايته التي قدمت إلى جائزة البوكر وقد وصلت إلى مراتب متقدمة .
وقد قررت اللجنة أن يكون يوم البست الموافق 10/3/2018 مناقشة رواية "كلام على شفا شفتين" للروائي الفلسطيني جميل عجوري، والرواية من منشورات المكتبة الشعبية، ناشرون نابلس.